مع وجدانيات الشّاعر المغربي الشاعر عباس سمامي
مع وجدانيات الشّاعر المغربي الشاعر عباس سمامي
يحلو للشاعر عباس سمامي أن لا يجعل لنصوصه
عنوانا على طريقة الشعراء الجاهليين وحتّى الاسلاميين منهم ليرغمنا للمرور مباشرة إلى
أشعاره لأنها هي المقصودة بذاتها ..
قراءة العيون مهمّة القلوب
الطاهرة و الأرواح النّقيّة و تتطلب تواصلا روحيا عجيبا مع الآخر فهو بمثابة اختراق
لحجاب الغيب و اكتشاف بعض مكنوناته المتوارية عن البصر و عالم الشهادة. هي قراءة من
نوع خاص و هي أخص بالنّسبة للمتحابين و العاشقين .
فالمواجهة المباشرة للعيون
تفرز لغة خاصة و تنتقل عبر تموّجات بريقها و حركتها و كبر البؤبؤ من صغره و ارتعاشة العين و الأهداب
و تغيرات خطّ الحواجب ..هي لغة صدق الإحساس و بوح الرّوح للروح..
لأقرأ
في عينيك
كل آيات الانكسار والتشظي
و لغة التعليل تليق فعلا
بقراءة العيون لذل استهلّ الشاعر قصيده يلام التعليل ليعلّل لنفسه و حبيبه مآلات هذه
القراءة التي آلت كلّ علاماتها إلى نتيجة مرعبة يخشاها المحبّين و العشّاق..إنها محصّلة
مخيفة تتورّع بين الانكسار و التشظي الذي انتاب حبيبته و لكنّها لم ترد البوح فظهر
ذلك مرتسما في ترددات البصر و تلبّسها بمسحة الحزن و في نفس الوقت الإشفاق و الرحمة
..فأدرك الشاعر تلك الحقيقة المتوارية وراء تلك الحجب المكشوفة المنتهكة...
فما كان منه إلاّ قراءة
تلك الإيحاءات التي تلفّعت بتلك الضحكة الصفراء التي تعلن خيبة أمل و ضياع حلم ...لكن
لا ندري ما سبب هذه الانكسارات و التشظي ..هل حانت لحظة الفراق مثلا . أم أنّ حائلا
ما حال دون تحقيق حلمها؟ أم هل طرأ أمرا قاهرا سيحول و للأبد بين التقائهما و جع أجزاء
حلمهما الوردي المشترك ؟..تساؤلات
و انكسارات فرضت نفسها
على مشهد هذا اللقاء ...
أبدا
لم يكن بيدي
كنت أمسك أصابع النار
كنت أدرك
أن ابتسامتك الصفراء
لا تجدي
و قراءته الأولية النهائية
تلتمس فيها التماس العذر و أنّ موقفها هذا خارج عن استطاعتها فكأنّها كانت تمسك بأيديها الملساء اللطيفة أصابع النّار
الملتهبة و لا صبر لها و الحال هاته ..و قد أدرك ما كان بين السّطور فرأي حقيقة تلك
الابتسامة الصفراء المصطنعة التي لا تجدي عن الحقيقة المرّة قيد أنملة...و ها هو يسلم
عقاله للقدر المحتوم ...
أنا العابر
على الجمر
جهة الضياع
تأبى إلا أن تكتبني
حروف الشوق والالتياع
وقد تودي بي
قبل أن يسدل ستاره
هذا المساء.....
و يقرّر قراره الصّعب
,,قرار العبور لوحده تاركا حبّه و حبيبه و حلمه و كلّ آماله من ورائه ..حافي القدمين ..سالكا طريقه عبر أكوام
الجمر الملتهبة ، مدركا بأنّه طريق سيؤول به في نهاية المطاف إلى الضياع و اللا عودة
...محتفظا برسوم كتابة حفرتها أقلام الشوق و فؤوس الالتياع ...هذه الكتابة و الحروف
و ذلك الالتياع و الشوق ..و ذاك الجمر المتقد
ستودي بحياته قطعا و يسدل الستار عن المشهد الأخير في قصة حبّ موؤود في آخر مساء له ...
و ما يلاحظ في هذه القصّة
التراجيدية الكم الهائل من الألفاظ الموظفة في رسم معالم هذا الضياع و كثافة المعاني
المتولّدة و الناجمة عنها حتى كدنا على النص نفسه من الانفجار ..... و هذا لفيف منها: (الإنكسار،التّشظي،النار،الابتسامةالصفراء،لاتجدي،العبور،الجمر،الضياع،تودي،إسدال
السّتار ، المساء.. )و لا شكّ القارئ يدرك بما لا يدع مجالا للشّك حجم المأساة التي
يكابد أوجاعها قلبا محبّين فرّقت بينهما قوّة غالبة فاختارا الضياع و العبور إلى جهة
المساء الذي ينذر بدخول ليل أليل حالك ..و تلك مصيبة أعظم .
فقد نجح الشاعر بعدسة
قلبه أن يصور لنا مشاعر متوارية و كأنّها مشاهد نراها رأي العين و تلك عين الشاعر السّادسة
و ليس ذلك إلاّ لمن ملك شاعرية مرهفة و صدق إحساس و ملكة التعبير و الوصف و لغة قويّة
خصبة ثريّة ...
بولمدايس عبد المالك
قسنطينة ـ الجزائر في
02.08.2020

تعليقات
إرسال تعليق