بورتريه عن الشّاعرة الجزائرية ياسمينة وردة
بورتريه عن الشّاعرة الجزائرية
ياسمينة وردة
1.
ياسمينة وردة هذا الحرف المرهف الإحساس ، الضارب في
أعماق الجمال الذي بنى مملكته السّامقة من تناثر الورد فتهافت قلوب العاشقين و
السّائرين إلى الليّاذ بحصونها المنيعة
المزروعة حبّا و إنسانية و أملا و سرورا ..قد مدّت سلالها الفارغة لجمع ما تناثر
من الورد و الزّهر هنا و هناك ..
هم ينثرون الود و أنا
أجمعه..
كيف أخفيه
و قد وشى بيَ عطرُه...
2.
تختلط في كلماتها المعتّقة بخمر الحبّ ، المخبّأة في
دنان الصفاء الرّوحي المختلطة بأتربة الأرض القاتمة ، و مساءات الخريف
الذّابلة فتمدّها بالحياة و الحركة و تحيل
ربوعها القاحلة و حناجرها المبحوحة و أفواهها الفاغرة إلى فراشات حالمات تتسابق فيما
بينها لتعانق شوق زهرات والهة و حنين ورد جوري باسم و قطرات طلّ لامع ..
فلا الغربة تحول بينها و بين
طوفان حبّها العَرِم ، بل إنّها لتغزل منها شالات حبّ و تصنع منها محابر مداد ..فلا نراها إلاّ و هي تتغزّل
ضارعة راجية ..
علّمني كيف أدثّر الحرف..
و أزمّل الكلمات..
3.
ياسمينة لها من الشّجاعة الأدبية و الوضوح البنّاء ما
يجعلها تلامس قرص الشّمس بجناحيهما و تستقبل يومها بقلب عار من كلّ دجل و نفاق و
مداهنة إلاّ من الحب الطافح و الجمال الساحر و البهاء الساحر ..ثمّ إن للوطن في قلبها أحلى حكاية ، فصولها العامرة تترنّح بين ألم رابض و صبر مقاوّم ..لتلهج بلسان
قلبها :
يا
الله ..أيّها الوطن المخبّأ في قلبي
لا
حدود لك
و
طريقي إليك كم هو قصير
قاربي..ألمي..
و
صبري ما زال يجذّف
و
أنت كلّ الأمل.
4.
يا سمينة وردة قلب مؤمن نقيّ وضيّ، و روح حالمة تتلفّع
في بردة العشق الصوفي ، قاطعة حبال الوصل التّرابية و لا تتعلّق همّتها إلاّ بحبل
الله الموصول الممتدّ..و ها هي ترتفع رويدا رويدا إلى سمائه..
قاطعة
كلّ الحبال التي تشدّها إلى الطين ..
5.
و ما الكتابة عندها و عوالمها إلاّ طوق نجاة تتزيّن به
كقمريّ يهدّم هذيله جُدُر الصمت القائمة و قد لاذت إلى حماه بعد اشتداد حركة المدّ
و الجزر في واقع الحياة المرّ لتخلد بعد ركود العواصف و الزوابع و الأعاصير إلى
استراحة وجدانية روحية و تنعم بين مجانيها ..و نراها تلقي بسلال أفكارها و كلّ ما ينبض
فيها بالحياة على شاطئ التّأمل ، صانعة لها مساحة جديدة من العزلة النفسية لتبني
من جدر الصمت نتائجها عن الحياة و الناس و الجمال و كلّ ما يحيط بها.
6.
تطلق ياسمينة وردة صيحتها المدويّة في آذان هذا الكون
الفسيح بما حوى و بما حمل ..تستنطق تفاصيله شبرا بشبر
و ذراعا بذراع .. ...لكنها سرعات ما تؤوب و ينتهي بها المطاف بين أحضان مضغة لحم
عجيبة أمرها ، عظيمة شأنها ..إنّها القلب الذي بين الضلوع.. آنية الله في أرضه ، و
تقرّر بأنّ الكون على رحابته و عجائبه و أسراره :
لا
يساوي مضغة تدعو لك في الغيب
و
أنت لا تعلم..
و
ما الحبّ في أعرافها إلاّ دعاء صادق على ظهر الغيب.
7.
لتمتطي بعد هذا التّطواف في حدائق التّأمل و جنّات
الجمال و مجاني الحبّ بساط الذّاكرة و تجول بخواطرنا و أفكارنا في مشاتل تجربتها
في الكتابة و تلخّصها بلسان عربيّ مبين ، حافل بالمجازات و الصوّر الجمالية عساها
أن تكون تجربتها تلك في يوم ما دليل حياة للسائرين و جسر عبور آمن الحالمين ..
و
أنا أمسك القلم كنت أمارس الحبّ
و
رياضة التّسامح..
و
رياضة الشّعور بالآخر..
لتدخل
في علاقة حميمية حارّة جيّاشة مع الحرف و الفكرة و القلم و الورقة ..ذلك هو عالمها
الخاص و المميّز و لا عالم لها ترتضيه غيره !
حيث
لا أحد يسمعها إلا الورق.. تضخّ فيه من دماء ذراعها بل فكرها و روحها و إحساسها ليتجاوب القلم معها و
ينصاع بيسر و رضى فلكلّ فعل ردّة فعل تساويه في القوّة و تخالفه في الاتجاه ..حتى ليُسمع
دبيبه و حفيفه الذي يشعرها بوجودها الحقيقي و حقيقة حياتها الحبلى بالحروف و الكلمات .. فالوجود عندها عالم خاص أوجدته
لنفسها تلوذ إليه كلّما شعرت بالضيق و جور المكان و غربة الأشياء و الأشخاص..
ياسمينة
وردة تفتّحت أكمامها و فاح شذاها العطر فوشى بها ليتعوّض المكان و الزمان و النفوس
و يلتقي الكلّ على أمر قد قُدر.
قسنطينة
في 01.08.2020

تعليقات
إرسال تعليق