"حكايا " حقائق و خفايا مع الشّاعرة الجزائرية فاطمة الزّهراء بوكتاب
"حكايا " حقائق و خفايا مع الشّاعرة
الجزائرية فاطمة الزّهراء بوكتاب
قراءة في تقرّحات ذات نازفة
للشّعر نوح و بوح فإذا اجتمعا غزلا
حكاياتهما و وزّع شالاتهما وراحا
يحرّك أوتار الرّوح و يدعبانها عازفين أجمل النّوطات الموسيقي و أعذب الألحان و
أحسن الأغنيات ..كلّ هذا الجمال و المتعة و زيادة تمثّلت في قصيدة " خفايا
" للشّاعرة فاطمة الزّهراء بوكتاب سليلة بنت مدينة الورود و البرتقال ..
قصيدة ..
حكايا
حكايا عنوان مفتوح كصحراء ممتدة فارهة ..و الأصل حكايات لا حكايا و هذا الجمع يوافق القيّاس و ذكرته معاجم اللغة كما
في مختار الصّحاح و غيره.. و هو من
الحكي، و(حِكَاية) مصدر للفعل (حَكَى) يقال: حكَى عنه الكَلام يَحْكِي حِكايةً
..فشاعرتنا تريد أن تحكي لنا عن حكايتها و نكّرتها لزيادة التّشويق و خلق الدّهشة
و الحكاية قصّة مستلهمة من واقع الحياة أو من الخيال الخصب و قد تجنح إلى الرمزية حينا
كما أنّها قد تتخذ من المباشرة و التقريرية بردا لها حينا آخر..
فما حكايات شاعرتنا أو حكاياها بتعبيرها ، و ما طبيعة الرّسالة
التّي تريد تبليغها ؟ و منهم الجمهور المستهدف ؟
كثيرا ما يلجأ
الكاتب أو الشّاعر إلى خلق شخصيّة افتراضية يخاطبها و يبثّ إليها همومه و أحزانه و
أشواقه و حكاياته ..و لو تعمّقنا أكثر في فهم هذه الشّخصية الافتراضية الوهمية
لاكتشفنا بأنّها طيف الشاعرة نفسها إن لم تكن شخصيتها ذاتها المتوارية وراء حروفها
و كلماتها و إلاّ لما اختارت لها شخصيّة أنثوية بحثة ... و هذا من باب التنفيس عن النّفس و التخفيف من
أثقال الهموم التي أثقلت نفسية الشاعرة و أرّقتها و سدّت عليها سماوات رؤيتها و انطلاقاتها. إنّها بصراحة تريد أن تقول لنا
: هذه أنا !
الوحدة الموضوعية ميّزت هذه القصيدة و جعلتها تبدو ككتلة واحدة من صرخة
متباينة الأنفاس و مختلفة الإيقاع...و على متن بحر الرّمل قطّعت حكاياتها وفق
مقاطع متباينة من حيث الطول و القصر لتعكس بذلك رسم بيان انفعالاتها المتوالية .
لست مثلي..
لن تكوني
لي حكايا ..
من صميم الجرح
جاءت
غيرت نبض
السكون
في هذا المقطع تستهلّ
حكاياتها بفعل ماضٍ جامد يفيد النّفي القاطع
تردفه بأداة توكيد لتحكم قبضتها جيدا على الموقف و ترسل لنا رسالتها بأكثر وضوح و قوّة و تميّز
..مؤكدّة على أنّها وحدها تعيش مغامرتها " لست مثلي" و لا يشاركها فيها
أحد و إن حاول فعل ذلك فلن يستطيع إلى ذلك سبيلا " لن تكوني" ..فحكاياته
من عالم آخر و من طبيعة مختلفة ، و أنّها كتبت بمداد الجرح العميق فجاءت نصوصها
مغايرة و هذا ما أهّلها لتغيير حركة نبض السّكون و انتقاله من حال الرّتابة و
اللاحركة إلى الانطلاق و النطق.
و من نبض السكون و
أصلاب الصّمت تحوّلت حكاياتها إلى أغاني مسموعة من نوع خاص و بألحان مميّزة و ترانيم أكثر
تمايزا و وقعا و تأثيرا...
لي اغان
لو سمعت ما
أغني
لعشقت الجرح
عشقا
وتمنيت فنوني
رسالتها الأولى أنّ حكاياتها مختلفة على ما اعتاد الحكواتي حكيه فهي ليست
بالسرد المعروف عادة بل إنّها أغنيات ترانيم ألحانها نزف جراحات عميقة عاشقة والهة
.. فمتى أدرك الانسان هذا السّر المكنون تحوّل مثلها إلى عاشق لتلك
الحكايات/الأغاني و تمنّى أن يحظى بتلك الفنون الزّاخرة التي استحوذت عليها
شاعرتنا ؛ ثمّ تقرّر بأنّ صوت الرّاوي لحكايتها " الحكاواتي" نفسه نوطات
موسيقية ليست في حاجة لمن يعزفها أو يغنّيها ...
صوتي لا يحتاج
عزفا
نبرات الحزن
احلى
حين يزداد
جنوني
نغمة الحزن جمال بغنائي
هي ايضا نظرة
الحزن
جمال بعيوني
تلك النّوطات الموسيقية ما
هي إلاّ نبرات حزن أحلى من كلّ فرح إذا تزامن مع اشتداد جنون عشقها ..و العشق حبّ
بجنون و مجازفة وجدانية لا تعترف بأي حدود و حواجز قد تعترض طريقها ــــ زمانية كانت أو مكانية أو قيمية اجتمعاية أو حتى إنسانية ...و
ها هي تؤكد ثانية بأنّ نوطاتها الموسيقية لأغنياته ما هي إلا أنغام حزن رابضة في
سراديب الوجدان و قد انعكست يعض ملامحها الحزينة الكئيبة في نظرات عيونها و بريقها
؛فنظرات العيون بريد الأروح .
و تؤكد و تقرر بأن منابع عشقها و أصوله إنّما هي :
انني اعشق
صمتي وانسكاري
انني اعشق
موتي واختياري
وكتاباتي
تجيئ كلما
هزت حكاياه
غصوني
مصادر عشقها الجنوني صمتها
وانكساراتها و الموت النّفسي و اختياراتها ..كلّ هذه المصادر مجتمعة
شكّلت طبيعة كتابتها و هزّت غصون حكاياتها فجاءت حروف أشعارها على هذا النحو
المميّز ...
و باستعمال فعل الأمر " انظري " تنقلنا من الماضي القريب إلى
الحاضر المعيش لتوجّه انتباه السامع أو
القارئ رسالتها الثالثة ....
انظري الورد
بكفي
اني اسقيه
دموعا
هو يحيا وانا
أسقط
في نار شجوني
و للفعل الماضي توظيفاته حسب طبيعة الآمر و المأمور و هو هنا بين متماثلين متكافئين فجاء على
سبيل الاستئناس و التّناصح و تبادل وجهات
النّظر و الخبرات المكتسبة و التجارب الخاصّة ..
" انظري "فعل أمر طلبي للفت انتباه المأمور إلى خير كثير أو أمر
نافع ..و رسالتها الحميمية التي تعبّر عن خلجات دواخلها و كيف أصبحت للورد
وطنا و ترابا و سكنا وهي نفسها الغيمة الباكية التى تدرّ بالغيوث المتهاطلة في صورة دمعات تسقي
عطشها و تقوّي عوده و تمنحه الحياة و تسقط هي شهيدة الواجب في قعر نار أشجانها و
أحزانها المتّقدة الملتهبة لتأكل النار ما تبقى منها من أشلاء و ذكريات و آمال و
تطلّعات ..
و ما تشبيه نفسها بالشّمعة إلاّ تأكيدا آخر و إشارة قويّة للاحتراق بهدف إشاعة النّور للسائرين و
الأمن للحالمين دون انتظار جزاء أو ثوابا أو ثناءأو شكورا من أحد ..لتكتمل
الرّسالة كاملة ناصعة ..
تصنع الشمعة
ضوءا
من حكاياها
وتبكي
انها مثلي
تماما
انها تحمل
نبضي وجفوني
فأنا انزف
شعرا
ودمي زرقة
بحر
ومعي يكبر
جرحي
وهواي ..
وظنوني
و ما تشبيهها لذوبان الشمعة
بنزيف الشعر إلاّ تعبيرا عن عظم حجم ثخانة الجروح الغائرة و تقرّحاتها و تداعياتها
على نفسيتها المتهاوية المتساقطة ..و لكنها تضيف إلى المشهد عنصر جماليا جديدا ذلك
بأن هاته الشموع المضيئة إنّما تستمدّ زيت ضوئهما من أسرجة حكاياتها لاشتركهما في
التضحية من أجل من نحبّ حبّا و رضى و قناعة ..فإذا أحببتم أن تروا نبض حكاياتها
فانظروا إلى احتراق الشّموع لأنّها تبدي لكم ما أخفيه ...و لكن هي تنزف شمعا و
شاعرتنا تنزف شعرا و هذه صورة جمالية تشبيهية بليغة اختفت فيها أداة التشبيه و حضر
المشبه و المشبه و وجه الشبه المركبّ من عدة أوجه للتشابه و بذلك تتجلى الصورة
الجمالية في أبهى صورها و أكمل وجوهها بالرغم من اجتماع لعناصر عديدة في صورة
تشبيهية واحدة فالقارئ في حاجة إللى الجمع بين أجزاء عديدة لتكتمل اللوحة الفنّية
المستهدفة من تشبيه شاعرتنا المعذّبة المأرّقة .
و ما نزيف شعرها عندها بلون البحر الأزرق تسربل و تلّون لتبين في صورتها
التشبيهية متى اتساع رقعة دمها النّازل كدلالة على غور جراحها و اتساع تحرّقاتها
...و لكنّ العجب العجاب أنّ النتيجة مغايرة لمقدماتها فبلا أن تموت و تنتهي فصول
حكاياتها ها هو الجرح يكبر و مع كلّ اتساع تتسع هوّة الجرح و فوهته ، وتزداد
ظنونها و شكوكها في نيل مرادها ، و كبر هواها و تضخمّه للحبيب الغائب الحاضر
المرتقب..و يا لها من مفارقات صادمة ..و هذه من ألطف رسائلها و أحنّها و أصدقها..
لتختم رسائل حكاياتها كما ابتدأت بمقدمة
" لست مثلي"و نهاية " لن تكوني " و بذلك تكون بداية
العقدة هي نهايتها و هذا مخالف لطبيعة تركيب عناصر الحكاية و القصص..و هذا أيضا من
المفارقات العجيبة...
لست مثلي..
لست شمسا
تهدي كل من
في الارض
دفئا وحكايا
لست شمسا
..صدقيني
لن تكوني
لكنّها في هذا المقطع تعترف
بسلطان الأمر الواقع ، و بمحدودية بشريتها ،
و حدود قدراتها و علمها فتقرّ بحقيقة أمرها ، و بأنّها لن تستطيع لعب دور
الشّمس التي تهدي الأرض دفئا دائما و حكايات طريفة ظريفة ، و
تتحسّر من جديد ، و لا وجه لمقارنتها بها ، و تقرّ معلنة ثانية بأنّها ليست كالشمس و عليها ألاّ تخادع
نفسها ، و تدّعي ما ليس لها و ما ليس لها
إليه من سبيل ؛ لتختتم مشاهد حكاياتها تأكيدا لمقدماتها ؛ فتنحلّ بذلك
عقدة حكاياتها التي هي في حقيقتها رسائل قويّة
و تبقى وحدها تحمل همومها و أحزانها ..آمالها و آلامها ماضية إلى آخر الدّرب ..
و لنا
أن تخيّل النهاية التراجيدية الحزينة لبطلة حكاياتنا قياسا على تشبيهاتها التي
توزّعت بين ذوبان الشمعة و نزيف الجرح
المستمرّ فكلا النّتيجتين معلومتين مسبقا ..و تفضى لا محالة الموت القسري ..
انطفاء الشمعة و للأبد ، و تجمد العروق نتيجة
استمرا نزيف الدّم الذي يعقبه موت بطيء حتميّ...و لا أظنّ أنّ أحدا يختار طريقها هذا
لذلك تقرّر و هي جازمة غير كاذبة جاعلة آخر أنفاس حكايتها " لن تكوني "
و المقدمة معروفة سلفا
" لست مثلي.. " ...و بذلك تقطع السّبيل على كلّ مدّع
كاذب في حبّه و وولائه و تجزم بأنّه طريق من سلكه تعب و
تعذّب و هلك ..
هي حكايا .. هيّ رسائل قويّة .. هي بذل و لامنّ ..تضحية برضى و قناعة ..و
أخيرا هي ملحمة امرأة وفيّة صادقة ..صابرة محتسبة .
قسنطينة الجزائر في 03.08.2020

تعليقات
إرسال تعليق