بورتريه عن الأديبة العراقية منتهى الشّمري : هجرة البحث عن وطنٍ يختنق..

 

بورتريه عن الأديبة العراقية منتهى الشّمري

هجرة البحث عن وطنٍ يختنق..



1-              من بلد النّخيل ..من عسفها و تمورها و شموخها امرأة " تقتحم الليل كنسيم بارد يداعب ستائر الصمت" تنادي بأعلى صوتها " أحبك وهل تكفي روحي لحبك ثمنا "..

جاعلة  من نفسها قربان فداء ..طريقا أخضر للعبور..تنشد حلما بعيدا أرّقها ..كم صارعت و لا تزال تصارع  ممتطية صهوة حرف عربيّ مبين..يعشق التّرحال و يهوى فض " أسوار السهر الجاثم" على أاجفان  ليل حبيبها المنتظر..

2-              وحدها في تلك الدّروب المعتمات تفتح نافذة بصيرتها رغم كثرة الزّحام و ضجيج الوادين...تختار من " من القصاصات الشعرية المهملة" قصائدها العصماء و قراراتها الحاسمة...و لأغصان التوليب رقصات فرح و قبلات شفيفة ترتسم على وجنتيها السمراوتين .. و تنادي بأعلى صوتها آن " الخروج من عتمة الطريق للنور. ."

3-              و في تلك الدّروب المعتمات تسمع صوتا خافت يقول لها:" لا تخنقني !!!!.."  يتردّد صداه كلّما مرّت صاعدة في مقامات الفؤاد.. هو عندها بحجم الوطن..بل هو الوطن عينه..هذا الفارس المرتقب..هو كالحلم الذي " وهو يكتبك كل حين " ..تعاود الكرّة من جديد و لا تيأس من المناداة فتهتزّ لصوته المخنوق جذوع أوراقها لتسمع من جديد صوته و هو ينادي و يصارع "لا تخنقيني.."...

و يبقى حلم اللّقاء بعد التّحرّر و الانعتاق حلم وطن بأسره...

4-              و تواصل رحلتها المكوكية متحدّية كلّ الأعراف..مقتحمة كلّ الحدود و الجغرافيات  لترسمه " شهريارها" المفضّل بتفاصيل من نسج خيالها الهارب العاشق...مترنّمة بغيمة تظللهما يوم اللّقاء المنتظر معلّقا عليها لافتة إشهارية يراها كلّ العابرين مكتوبا عليها : قد منحتك اسمي و وهبتك حريّتك و خلّد حروفك  التاريخ" ،  فانطلق إلى جنبات عهد جديد مشرق حافل لا تخشى دركا و لا رهقا...و عندها و فقط سـ: أعانق صوتك..أتيمم بحرفك

و أصرخ في سمع الزمان بأعلى صوتي:

إليك يا كلي

لهفة لاهثة

في شراييني

ألجم تدفقها

كي لاتحرق

5-              منتهى الشمري رحّالة تعشق السفر و محاربة قويّة لا تستسلم لكنّها في لحظة ما ..لحظة فارقة تعلن بصوت مبحوح خافت:

"حسنا ياكلي ...وياسمعي ويابصري

سأرحل وأعزف ...  بنايات غرامك

فوق الظلال الموجعة

أسرق من ثغر المنايا

محطة لي

وأبرم صفقة وعهد

مع  الغياب ...

ليس استسلام  خنوع و ضعف بل إنّ الوطن الذي تحلم به لأكبر حتى من أملها و رجاءها و هدفها المنشود ..لذلك تراها منزوية تحت ظلال وطن معّذب تتعرّق بدل العرق المالح شوقا نازفا كلّما أبصرت ملامح وطنها ..حبيبها يمرّ بجانبها و قد علت حمرة الخجل محياها و لفّ جسدها صمتا مطبقا  لتعلن للوجود صادحة:

أتعرق شوقًا كلما أبصرتك..

وألوذ عجزا بطرف

الخجل..

 

أنتشي الصمت سنين أبت..

 ولو كذباً "...

6-              و تقترب لحظة اللّقاء بعد طول عناء و ترحال و سفر..و تختلي لحظات بينها و بين نفسها تخاطب قلمها و قد تخيّلته فرس أحلامها الموعود ..تخاطبه روحه من خلال ملامحه  قائلة:

ما أعبس وجهك

 يا قلم... حينما تمتطيك

   مفردات الألم.."

تسائله  و الألم يقطّع سويداء قلبها المشفق ،و عبره تمرّر رسائلها الموؤودة التي كادت تخنقها أو تخنق وطنها أو حبيبها  فهي و الوطن سيان... و على بساط الاعتراف تقرّ له بأسئلة تقريرية مقصودة بذاتها :

أحال بينك وبين  مرادك حلم ؟

أم واقع أحنفَ بوجهِهِ عنك

لحظة  النعم ..."

و تواصل تساؤلاتها مشفوعة بحشرجة نداءات:

 يا أيها الكافل

  حرم فؤاد..

 أ هل إجتف بحر ربيعك

 وهم

و أهلبتك العجارف بلسانها

 والقزم ؟؟

لم يعرف الوجود قدر حبيبه المختنق ..لم يدرك النّاس حجم ما قدّمه من تضحيات في سبيل وطن يختنق..و هنا تختلط الرؤى و تتوحد المجاهيل و المعاليم ..يمتزد الوطن بالحبيب و بالتّاريخ و بالإنجازات و الإخفاقات بالقلم و المداد و الحروف الكلمات و الصّور ..

"حتى تراكم حزنه  ..و أمسى  هرم  " ..قلم معذّب حتّى النّخاع  بل وطن ..لتعرف له بحقّه في التّعبير عن شجونه الرّابضة الطاغية :

"يا أيها القلم  ..حقك تبكي "

7-              و في لحظة تمرّد و تحدّ تعلن موقفها الحاسم ليسمعه الوجود و من فيه :

"  كن فذَا أيها  الناطق ما بصدري

 ولا تبالي بمن

 أعتز.. بما أثم

وأقم لخلواتك قداس  ..                  

وارتدي ثوب الرهبان"  

 لغة جديدة تحمل في طيّاتها بريق أمل و تجديد رجاء سكت دهرا طويلا...فكم أنتظر الحالمون هطول مزنك بعد طول جفاف و انتظار..فكأنّ :"  السنون العجاف ترتقب هطول مزنك..

ليتلاشى حفل الجفاف

بعد أن يعانق نبضك البكر .!

لا يزال الوطن سالما و بخير برغم كثرة الضربان و حجم الدماء النّازفة ..لا يزال صامدا بتاريخه و نخله و حضارته و سومريته ..لا يزال يعشقه رجال و نساء كُثّر... معلنة و مشهرة قسمها السّرمدي الأبدي:

" وعلى موائد الأبدية أقسمت لك عهداً بأن تكون أنت

سماء كوني ..

وقطعت لك وعدًا كان لك سمعًا وطاعة..

و ها هي أوديتك المنتفضة القاحلة تفيض من جديد ..و هاهي سيولها الهادرة تسمع من مسافات بعيدة فيطمئنّ الحبيب و يخشى الغرق العدو المتربص الرابض..جاعلة قبلة تيممها و وجهتها جداولك الممتدة ..فأزهر الحبّ و قلت هيت لك...

يَممتُ بك نبض قلبي حين أُخرِست جداوله ..

وبعد التيمم أسكنتك روحي

ففاضت أودية وجداول ذات بهجة من ماءٍ سلسبيل .

( فأزهر الحب )

و أقيمت الأفراح و الأعراس و التقى الفرح على أمر قد قدر...

ما أجمل هذه النّهايات  و ما أطول الهجرات و ما أشد و أقسى الهجرات لكن حين يزهر الحبّ أو الوطن و بيلغ المهاجر مأمنه و يرتمي بين أحضان وطن آمن دافئ تهون التّضحيات الكبيرة ، و تخفت أصوات الألم ، و تندمل جراحات الخذلان و التّشرّد و الأسفار و الهجرات...

تلكمُ الرّحالة الأديبة منتهى الشّمريّ و هي ترسم بريشة قصبتها ملامح وطنها المنشود...

الجزائر في 16/04/2024

بولمدايس عبد المالك

تعليقات