صراع الإرادات في قصيدة "همسات فارس ضيّعهُ الحنين" للشاعر الجزائريّ محمد شايطة

صراع الإرادات في قصيدة "همسات فارس ضيّعهُ الحنين" للشاعر الجزائريّ محمد شايطة

 


عنوان القصيدة يوحي للقارئ بأنّ الشّاعر محمد شايطة اكتفى بالهمس الذي هو بمعنى الصوت الخفيف الذي يجد فيه المخاطب صعوبة في سماع محدّثه بالرّغم من أنّ هذا الهمس صادر عن فارس حاذِقُ بما يمارس من الأشياءِ و مشهور بالإقدام و الشّجاعة و البطولة..فما الذي جعل هذا الفارس يهمس في آذان مخاطبيه بدل الجهر بالحقّ الذي آمن به و عاش و يعيش به؟ تساؤل مشروع يعكس أوضاعا نفسية وأمنية و واقعية لعلّ أبيات القصيدة نفسها ستجيب عنه لاحقا .. الجملة الخبرية الفعلية " ضيّعه الحنين" تردّنا إلى الوراء ..إلى الماضي البعيد و القريب ..و لفظة الضيّاع توحي بفقدان البوصلة و زمام القيادة و الوجهة لكن تأتي لفظة "الحنين" لتغيّر هذا المسار فتجلّي لنا شاعرا عاشقا متيّما بماضيه ،حاملا بطولات ماض بهيج تذكّر في لحظة يقظة حنين تلك المآثر و الإنجازات الخارقة الخالدة..

القصيدة قديمة من حيث الإصدار (2003) ،لكن معانيها خالدة مستمرّة حاضرة، و الرّوح الذي كُتبت بها لا تزال حيّة تنبض بالإباء و الغيرة و الفخر و الاعتزاز..قصيدة تجمع بين بعدين عالميّ و وطني..تعكس أمجاد أمّة في الماضي البعيد و القريب  ليؤكّد الشاعر محمد شايطة وحدة الانتماء و الهويّة متجاوزا الحدود الزمنية و الحدود الجغرافيّة ،ليعيد بذلك اتجاه البوصلة إلى وضعها الطبيعيّ الأوّل و هذه العودة إشارات بديعة و رسائل قويّة و فكّ للعديد من شفرات هذه القصيدة التي نهج فيها الشّاعر محمد شايطة أسلوب السّهل الممتنع حتى لا يضيع القارئ و يتيه و يهتدي مباشرة لقصد الشّاعر و رسالته الواضحة الغرّاء لأنّ القصائد الوطنية تركّز على إيصال الفكرة و لو على حساب اللغة فكيف بقصيدة جمعت بين دقّة اختيار الألفاظ ، و سموّ الأفكار المعروضة !..  و قد تعمّد الشّاعر إخفاء محدّثه زيادة في عنصر التّشويق و حمل القارئ على قراءة قصيدته من ألفها إلى يائها و لم يصرّح  و يكشف عن هويّة محدّثه و مخاطبه إلى عند آخر بيت للقصيدة و اكتفى باسم الإشارة "هو" ، و كان موفّقا في ذلك و مبدعا في ذات الوقت ليلغ التّأثير مبلغه والإقناع مداه مستدعيا للتاريخ كحجة شاهد و موظفا لبعض الجناس و الطباقات و الكنايات و غيرها زيادة في التّأثير على المخاطبين .. ارتأيت أن أقسّم القصيدة إلى مقطعين بالاعتماد على الوحدة الموضوعية لكلّ مقطع من جهة وعلى لحظة تغيّر نفسية الشاعر من وضع البكائية  إلى وضع الأمل من جهة ثانية..    

المقطع الأوّل:

في هذا المقطع يبرز حقل دلالي نفسيّ  تُجلِّي مفرداته غربة الشّاعر الشّعوريّة بين ما تحياه روحه من أمجاد و بطولات و بين ما يعيشه كواقع من تقهقر و تردّي و انحطاط و لولا صرامة الشّاعر و وضوح الفكرة التي يعيش عليها و المبدأ الذي اختاره بحبّ و قناعة لكانت حالته حالة ما آليه أوضاع أمّته و وطنه .. فالشّاعر برغم سوداوية الأوضاع و قتامتها لم يفقد الأمل جاعلا من حبّه الخالص لوطنه و معتقداته الرّاسخة  نبراسا مضيئا منيرا علّه يهتدي إلى معالم وطنه الضائعة إذ بضياعها ضاع هو كذلك " ورحت أبحث عني عنك في خلدي" ، لكنّ ذلك الحبّ أو الحنين سما به عاليا ، و حلّق به بلا جناحين وحيدا بلا سند و لا معين و هي كناية على قلّة السّالكين لطريقه الذي اختاره كملجأ و خلاص..

جعلت حبك نبراسي ومعتقدي... ورحت أبحث عني عنك في خلدي

أطل من شرفة الماضي فأبصرني.. بلا جناحين محمولا بلا سند

و في زحمة هذا المشهد التراجيدي الكئيب تتراءى للشّاعر بعض الطّيوف من ذلك الزّمن الماضي التي كانت عشقه لتثير في كبده " زفرة الأشعار"  كدليل على بقايا عناصر حياة رابضة  في جسد و روح يخفقان بأناشيد صادقة أعادت صورة وطن ضائع من جديد ..  

عادت أخيرا طيوف كنت أعشقها... و همهمت زفرة الأشعار في كبدي

و لم تزل في بقايا الجسم أوردة.. خفاقة بنشيد الروح والجسد

و من جديد يصوّر الشّاعر محمد شايطة غربته و ضياعه ليعاود السّفر في متاهتهما ، مثقلا بهموم و غموم  باعدت بينه و بين مسافات ما كان ينشده و يتمنّاه لوطنه المنشود الموؤود..

ثمّ يزيد الشّاعر هذا المشهد سوداوية و تراجيدية  معلنا:

مسافر في متاهات الضياع وفي .. درب الهمـوم مـسافـاتي بلا أمــــد

ومولع غربتي منفى بلا وطـــــن ...مفتشا في جراحي عنك يا بلدي

يضيق في همساتي الآه ملتحفا... متاعبي، ونزيف الصمت ملء يدي

حملت أمتعتي زادي هوى وطني.. وبعض دمج وأحلامي بلا عدد

وذكرياتي،، رؤى الأيام تسبقـــــــــني ..وغارقا في متاهاتي بلا أبد

لا شكّ أنّ القارئ لاحظ حجم هذا الحقل الدلالي النفسي الطاغي على نفسية الشّاعر:[ السفر/ متاهات ، الضياع ، بلا أمد ، غربتي، منفى ، بلا وطن ، جراحي، يضيق ،الآه ، أمتعتي، زادي، بلا عدد ، ذكرياتي ، رؤى الأيام ، غارقا ، متاهتي ، بل أبد ،متاعبي ، نزيف الصمت ..]،  أكثر من عشرين لفظة تعكس بوضوح و جلاء وضعية الشاعر النّفسية الهابطة المزريّة ...غربة نفسيّة حالقة أحاطت بالشّاعر من كلّ صوب و حدب جعلته يعدّد مفرداتها ليبيّن شدّة الكرب الذي يحياه ، و عمق الجرح الذي أبكاه ، و ثقل الهم الذي أرداه ..

و الأسوأ و الأألم في غربته هذه نزيف الصمت الذي ساد هذا الوطن الكئيب و زاد من غمومه و أحزانه : " ونزيف الصمت ملء يدي" ..فلا أمل يلّوح في الأفق غير الصمت المطبق المؤذن بالزوال و الضياع و الشتات..

المقطع الثاني:

في ظلّ هذا السّواد القاتم الحالك تلوح في الأفق بعض الأصداء الرّاجعة مضيئة لتخفّف من أثقال الهم الرابض و النّكد المتراكم ..إنّه صدى حبّ الوطن و الحنين إليه .. هذا الهمس الخافت الذي فتح للشاعر المهموم المكروب بعض نوافذ الأمل ، فالغريق لحظة الغرق يتمسّك و لو بخيط واحد لاح له من بعيد فكيف بالوطن نفسه و قد تحدّث للشّاعر بلسان عربيّ مبين.. و هذه صورة فنّية فارقة و في وقت حسّاس إذ ينقل لنا الشّاعر حالة تجريدية معنوية إلى حالة مادية لها لسان و صوت و حكمة و توجيه..و هذا يحسب للشّاعر محمّد شايطة و كيف يغيّر من مسارات بيانية منتقلا بين معنويّ إلى ماديّ و العكس صحيح.. في صورة الأب المشفق تتجلّى صورة الوطن ، و يحنّ الأب لابنه ، فتراه يشفق عليه فيسأله : يا مترعًا بنشيج الصمت في ألم ...أما تعبت من الترحال يا ولدي؟

نداء إشفاق من قلب أب مشفق حريص على هناءة ولده و التّعبير بالولد أبلغ من التغبير بالابن ، إذ الولد يأتي بمعنى الذكر و الأنثى و هذا ملمح بيانيّ قرآنيّ بامتياز.. يسأل الأب ولده: إلى متى تتعذّب و تشقى متلفعا بلبوس الصمت المؤلم ،أمّا آن لك أن توقف ترحالك و تعود إليّ  ..إلى أحضاني حيث الدفء و الأمن و الاستقرار .. و تأمّل معى أخي القارئ هذه الصّور المترعات حين يلتقي الابن بأبيه و ما تعكسه تلك اللحظات من صدق و حبّ  و بسمة و وله و تجدّد عهد و أمل ..

فلاح لي في ظلام الدرب صوت صدى.. أضاء لي عتمات الهم والنكد:

يا مترعًا بنشيج الصمت في ألم ...أما تعبت من الترحال يا ولدي؟

رفعت طرفي، ظلي راح يسبقني... وهمت في دربه الوهاج بالرغد

لمحت فيه عيوني،، بسمتي،، ولهي.. وأمنياتي،، فوانيسي،، ونـور غـدي

في هذا المقطع الأخير يشرع الشّاعر في الإجابة عن تساؤلاته بالكشف عن هذا الأب الحنون المشفق  حيث يقول:

فأينعت نبضات الحزن وانبلجت.. بشائر الحلم الموؤود بالحقد

من أنت؟ قلت،، وتاهت أحرفي بدمي.. ومال مبتهلا صمتي بلا كمد

دنا قليلا ومد الطرف في أسف... وامتد صوت لهيب غير متقد

أنا من التقت فـيـه نســائـمـكـم.. وكان عزكم عوني و مستندي

بهذه العبارات الأبوية المختارة بعنياة يجيب هذا الأب مغيّرا من لهجته ليضفي على مسمع ولده نزرا من ألفاظ الأمل و الفرح ليعيد بذلك البوصلة إلى مسارها الصحيح ..و من جملة تلك الألفاظ: أينعت، نبضات ، انبلجت ، بشائر ، الحلم ، تاهت ، مبتهلا ، بلا كمد ، دنا ، الطرف ، لهيب غير متقد ، نسائمكم ، عزّكم ، عوني ، مستندي ..

كمّ هائل من ألفاظ الأمل و الرّاحة تُرافق هذا المقطع القصير لتزاحم  بها ذلك الكم الهائل من الحزن و الهمّ و لتكون الغلبة للأمل المنشود ..  و حتّى يغلّب هذا الأب دفة ميزان الأمل يلجأ الشّاعر محمد شايطة إلى استدعاء التّاريخ و شواهده العدول ليزيح السّتار و يكشف عن حقيقة هذا الوطن الموؤود و حقيقة ولده المحزون المكروب ..و استدعاء التّاريخ و وقائعه هو من باب إقامة الحجة و المحجة  كطمأـنة من جهة  و هو من باب تحريك همم الأبناء و الاعتزاز بميراث أجداددهم و آبائهم لعلّهم ينتفضون و يعودون إلى تلك الرّحاب الواسعة المائزة.. و يربط الشّاعر بين ماضي سلف هذه الأمة الإسلامية و بين ماضي سلف الأمّة الجزائرية لبيّن الوضع الصّحيح للحركة المطلوبة و المنشودة لهذه الأجيال التّائهة .. و قد وظّف الشّاعر بعض المؤشرات   المكانية والزّمانية  لما لها من دلالات عميقة في نفسية الأجيال المسلمة العربية و التي من بينها : بدر ، أوراس، أحد ، عهد ..و هذه المؤشرات المكانية مقصودة بذاتها لما تحمله من جرعات إقناعية فارقة  ،كما أنّ التّاريخ لا يحابي أحدا و لسانه صادقا و أخباره حجة و دليلا لا شكّ فيه و لا تردّد..  في هذا المقطع الأخير يعلّل الشاعر و يبرّر شدّة قلقه و سبب غربته و حنانه حتّى يرفع عن كاهله لوم اللائمين و تردّد المشكّكين فيقول :  

من عهد (بدر) إلى (أوراس) مجدكم.. نما هناك وهب النصر من (أحد)

عشتم أباةً كراما في مراتعـكـم... وعن سبيلي دليل الحق لم يحد

و هذه الأرض حبلى من ملاحمكم ..والكل كان يمد الأرض بالمدد

ثمّ يختم الشاعر قصيدته بما بدأ به موظّفا "لكن" أداة الاستدراك مبيّنا حقيقة الوضع الكارثيّ الذي آلت إليه الأمة من بعد عزّ و شرف و نصر و تمكين فيقول:

لكن تلاشت رؤاكم صـرتـم شـيعـا .. يتم.. حيارى بلا درب ولا رشد

واليوم ذقت هــــوانــا،، قالها وبكى..  ثم انزوى،، وتوارى،، غاب لم يــــعـدِ

عرفته إنه ذاك الذي انتصبت.. فيه مواسم أفراحي بلا عـــــمـد

طأطأت رأسي حـيــاء،، قلت معذرة .. يا أيها البلد المسلوب في بلدي

لا يزال الحديث للأب المشفق متواصلا ، مبيّنا لهم أسباب غربتهم و ضياعهم معدّدا منها:

-       اختلاف الرؤى و وجهات النظر .

-       التّشتت و التشيّع إي كثرة الفرق و الجماعات المتناحرة فيما بينها .

-       تمكّن الهوان و الذلّة من ناصية الأمّة الإسلامية العربيّة.

و بذلك أقام الحجة على أبنائه الذين ضيّعوا أمانة الأسلاف و فرّطوا فيها فلم يجد الشّاعر /الولد ما يجيب به غير طأطأة رأسه كناية على استسلامه و ضعف حجته حياء و خجلا معلنا اعتذاره لأبيه /الوطن  : "  يا أيها البلد المسلوب في بلدي " ليكشف الشّاعر محمد شايطة عن هوية ذلك الشّخص المعنويّ المجسّد في صورة الأب..

و بذلك يُختتم المشهد المأسويّ و تتضح أسباب الهزيمة النكراء التي ألمّت بالوطن ببعده الإسلامي و الوطني الجغرافي ..قصيدة تدعو مخاطبيها إلى ضرورة الاستدراك بلغة حزينة قويّة واضحة ..قصيدة تضع أصبعا على الداء  و أخرى على الدواء ..قصيدة بكائية وطنية لكنّها في نفس الوقت تدعو للعودة إلى الأصول و منابع العزّ و التمكين بلغة عربيّة فصيحة لا تصنّع فيها و لا تكلّف ..و بأسلوب السّهل الممتنع الذي يغني عن الرّجوع أو الاستعانة بمصادر لغوية أدبية معينة..


تعليقات