من وحيّ لامية ابن الوردي ..

 


 من وحيّ لامية ابن الوردي ....تأليف بولمدايس عبد المالك 



 يحفل الميراث الأدبي  العربي و الإسلامي بذخائر لا تقدر بثمن ، و هي بحق خير زاد للأخلاف   إن تصدوا  لنفحاتها المشرقة  و إيحاءاتها البديعة و توجيهاتها القيّمة بالبحث     و التنقيب و الشرح و التفصيل و حسن العمل.

     و من ذخائر أدبنا العربي" لامية ابن الوردي" و ما أدراك ما هي ؟...    

فالمتأمل في لاميته الفريدة و العصماء، الموسومة بالاختصار و حسن الدلالة، و المفعمة بصدق المشاعر و إخلاص القصد ، و الشاملة لأمور الدنيا  و الآخرة يقف مشدوها و تائها   في بحار معانيها الزّاخرة  و رياض مبانيها البديعة ...

 إنه ولا فخر أسلوب العالم المتمكن، ، و العارف المدقق، و الأديب النحرير،و العلامة المحقق، و النحوي المتبحر  و الزاهد الناصح و الورع المشفق ...إنه ببساطة و جلاء أسلوب سهل ممتنع ...

و إن كان لابد من إشارة و تعقيب فكالفاتن للذهب ، لا يزيده التفتين في الوُرش إلا صفاء و تجلية و بهاء و إشراقا ...

و ترجمته باختصار شديد  تلقي بظلالها  الوارفة ،و أنوارها الكاشفة عن أسرار لاميته      و التي تعدّ بحق دستور أخلاق و منهج حياة لمن كان له قلب سليم ...

إنه أبو حفص زين الدّين  عمر بن المظفر بن محمد بن أبي الفوارس ابن الوردي المعري الكندي و المشهور بـ: عمر بن الوردي ... ولد سنة 1292 م في معرّة النّعمان بسورية و توفي سنة 1349 م بحلب ...و من مِؤلفاته الزاخرة[1]:

 

01- في النحو: تحرير الخاصة في تيسير الخلاصة؛ اللباب في الإعراب؛  شرح ألفية ابن مالك؛ شرح ألفية ابن المعطي؛ تذكرة الغريب...

02- في الأدب: ديوان شعر؛ مقامات ابن الوردي..

03- في التصوف: الشهاب الثاقب؛ منطق الطير...

04- في التاريخ : تاريخ ابن الوردي المعروف بتاريخ تتمة المختصر ..

05- في الفقه : بهجة الحاوي في مذهب الشافعية ...

06- في تعبير المنام : ألفية في تعبير المنام ...

 

  و للتذكير فإنّ لاميته لم تكن أصلا من ديوانه فأضيفت إلى المطبوع منه و التي أوّلها:                              

        اعتزل ذكر الأغاني و الغزل   *** و قلْ الفصل و جانبْ من هزلْ..

 

 

قال الشيخ عمر ابن الوردي:

 

01- اعتزل ذكر الأغاني و الغزلْ           وقل الفصل و جانب من هزلْ

02-  و دعِ  الّذكر   لأيام  الصِّـبا              فلأيــــــــام الصّـبا  نجم أفـلْ

03- إنّ أهـنى  عيشة   قضّيتــهـا             ذهبت   أيامـــها  و الإثم  حـلْ

 

   العلماء الفقهاء يلزمون أنفسهم بالعزيمة دوما؛  فليس لديهم وقت يضيّعونه في سماع الأغاني و المعازف وآلات الموسيقى و الطرب و قراءة أغراض الغزل و التّبحر فيها  ... فما هم فيه من اشتغال بالعلم و مسائل الفقه مع  شعورهم بثقل الأمانة  يغنيهم من الالتفات لغيره...

و الشيخ رحمة الله عليه يقرّر أوّلا مذهبه بوح و قوّة و جلاء و يصرّح به بل و  يدعو غيره للإقتداء به لأنّ فيه الفلاح و النجاة و الفوز بالدّنيا و الآخرة ...

 فالعلماء يرون أنّ الهزل و اللهو من الغفلة و أنه  لا خير يرجى فيهما أو  منهما ، و لهم في الغناء و أدواته آراء  فقهية جليّة و أحكام تشريعية  صريحة فليرجع إليها في مظانها من كتب الفقه و الأحكام...

و يرى الشيخ أنّ بلوغ عتبة الأربعين سنّة  مدعاة لركوب سفينة الجدّ وقارب العمل تبركا ببعثة  النّي صلّى الله عليه و سلم  ، فالشباب  و مغامراته الحلوة قد ولّت و بلا رجعة حيث  يشبه الشباب و تولّيه   بنجم  قد خبا نوره و خفتت حرارة وهجه ، و وجب الالتفاف إلى  أمر الآخرة و الاستعداد لها  بدل الاستمرار في قوارب اللهو و مغرياته  ...

 

04- و دعِ الغادة لا تحفل بهــــا              تمسِ في عزّ و تُرفعْ و تُجلْ

05- و الـهَ عن آلة لهو أطربـت              و عن الأمرد  مرتجّ  الكفلْ[2]

06- إنْ تبدّى تنكسف شمس الضحى        و إذا ماس  يزري  بالأسـلْ[3]

07- زا د إن  قسـناه  بالنجم   سنا             و  عدلناه   ببــدر   فاعتدلْ

08- فافتـكر في منتهى   حسن الذي          أنت تهـواه تجد  أمرا جـللْ

 

الغادة هي المرأة الناعمة و الجميلة خِلقة دون أصباغ و تزيين و تكلّف  و جمعها غيد ...

و الأمرد هو الغلام الذي لم ينبت شعر وجهه بعد  ،و مرتج الكفل أي اهتزاز عجزه من كثرة امتلائه بالشحم  و اللحم ... قال أحد الأئمة الأخيار : "ضاع العلم بين أفخاد النّساء "،   ذلك أنّ الجري و اللهث وراء الغواني الحسّان، و الخود الملاح، و أخصار  الظباء ،و سحر  أقاحي  ،  و تفاح الجنان مضيعة للوقت و أيّ مضيعة ...

أما أصوات الآلات الموسيقية و المعازف و ما يتبعهما من ترانيم صاخبة ، و معاصي     آثمة  و اختلاط فاضح و هزّ للأرداف و الأخصار فذلك من اللهو و الغفلة الذين  لا يليقان  بأصحاب الفكر و ذوي الألباب ...

 

و فيما يتعلّق بذلك العمل الخبيث عمل قوم لوط و قرى المؤتفكات  و مقدماته فحسب الفاعل و المفعول فيه اختلاف الفقهاء في كيفية إقامة حدّ القتل في حقهّما ..  فمن قائل بإحراقهما علنا  أي في ساحة عمومية ،و قائل برميهما من أعلى شاهق بالمدينة  ،و قائل ببقر بطنيهما بحد السّيوف، و قائل برجمهما بالحجر الموسم بالذل و اللعنة و الخسران و الغضب...

إن التفكير في عاقبة ذلك الفعل المشين، و المنافي للطبيعة البشرية في العاجل و الآجل يقي صاحبه الوقوع في  شراك براثنه و عواقبه الوخيمة  برغم الإغراء الشّديد لذلك الأمرد المليح الذي إنْ تصدى للشمس بحسن طلعته  لانكسف نورها و بهتت أشعتها ، و إذا ما قيس بالنجم في علوّه لفاقه ،    و البدر في إشراقه لعدله؛ غير أن الاقتراب منه يزري فاعله كعيدان  الأسل التي لا ورق  لها يظلل،  و لا ثمر لديها  يأكل و يرجى منه النّفع  ... فالحذر الحذر من وعيد الله تعالى الخالد لأن العبرة لا بخصوص فعل قوم لوط ،و إنما بعموم لفظ العذاب كما يقول علماء أصول الفقه...

    إنها صرخة  صريحة و دعوة  بيّنة تحمل  صاحبها للتفكير مليّا في عاقبة المآل        و خاتمة المطاف؛ إذ ما يفرحك اليوم قد يكون سببا في شقائك غدا في عرصات  القيامة، و ربّ شهوة أذهبت شهوات ،و ربّ أكلة أذهبت أُكلات..

 

9- واهجرْ الخمرة إن كنت فتى        كيف يسعى في جنون  مَن عقلْ

 

 الخمر أم الخبائث و أبشع خبثها و أفظعه ذهاب عقل شاربها؛ ومن لا عقل له فهو في حكم المجنون المعتوه لا محالة... و بالعقل سما الإنسان عن كثير ممن خلق الله تعالى و فضّل عليهم تفضيلا ، و قد خصّ الشيخ الشباب اليفع لسرعة اغتراره، و وقوعه في شراك الخمر    و إغواءاته  و إن كان شربها و معاقرتها  لمزر بالكبير و الصغير على حدّ سواء ..

   و يستغرب الشيخ من المدمنين كيف يسعون إلى تخريب عقولهم ، و التشبه بالمجانين

 و المعتوهين، ذلك أن العقل أشرف ما يميّز الإنسان  و يعلي من شأنه كما سبق ذكره....

 

10- و اتق الله فتقوى الله ما          جاورت   قلب امرئ إلا وصَلْ

11- ليس من يقطع طرقا بطلا        إنّما    مَن  يتقي   الله   البطلْ

 

 التقوى كلمة جامعة لكلّ معاني الخير و الصّلاح و الرّشاد... و قد وردت في شأنها أقوال عديدة و تعريفات جمّة مبسوطة في كتب الفقه و التصوف و الأخلاق؛ يجمعها قولهم :" أنّ التقوى أنْ  يجدك الله في ما أمرك به ، و أنْ يفتقدك فيما نهاك عنه .."، أمّا في اللغة فهي من الوقاية و الاحتراز؛ و من اتقى الله بلّغه الله منازل الأنبياء والشهداء و الصالحين وحسن أولئك رفيقا...و هذه دعوة جامعة لكلّ معاني البرّ و الإحسان لا تتقيّد بإنسان أو زمان أو مكان... 

قطع طريق الآمنين لابتزاز  أموالهم و ترويع نفوسهم المرهقة من وعثاء السفر            و نيران الشوق لذويهم و أحبائهم ظلما و غصبا، وإن ادّعى  مرتكبيها  بأن فعلتهم  هاته بطولة خارقة و شهامة غير مسبوقة  إنّما  اعتقادهم هذا  ليعدّ منطقا مغلوطا و بطولة مزيّفة  ؛ فحقيقة  البطل من قطع الطريق عن الشيطان المريد وتصدّى لنفسه  الأمّارة بالسوء و الهوى القاتل  البطولة إذن هي في سلوكه لسُبل الطاعات و دروب الإحسان و الإكثار من فعل الخيرات       و التّعرض للنفحات الرّبانية بدل اللفحات الشيطانية   ....

 

12- صدّقْ الشّرع و لا تركنْ إلى     رجُل يرصدُ   في   الليل   زُحلْ[4]

 

 ديننا الحنيف دين واقعي لا يؤمن بالتنجيم و لا بالمنجمين... دين يذمّ التطّير و يعشق الأمل و حسن الفأل... دين يحارب الكهانة و الشعوذة و يؤمن بالواقعية و الموضوعي            و العمل...دين يدعو إلى التفكر في آيات الله و اكتشاف قوانينها خدمة للبشر و استمرارهم      و رفاهيتهم..

 و الفرق شاسع بين علوم الفلك و الحساب و بين التنجيم و افتراءاته..  فالتصديق بالتنجيم نتيجة حتمية لوقوع صاحبها في مخالب الشرك، و الشرك كما هو مقرر  من أعظم الظلم و من أكبر المعاصي؛ ذلك أن المصدق بالتنجيم يعتقد بأن لمطالع النجوم و أبراجها تأثيرا مباشرا في أفعال الناس  و مصائرهم ، بمعنى أنه توجد قوة أخرى أقوى من قوة  العليّ العظيم تؤثر في الأشياء و الأسباب و المقادير و هذا عين الشرك و الكفر ذاته .. فافهمه و لا تتكل.

 

 

13 - حارت الأفكار في قدرة منْ             قد   هدانا    سُبلنا    عزّ و جلْ

14- كتبَ الموت على الخلق فكمْ            فلّ من جيش و أفنى  من   دُوَلْ

15- أين نمرود و كنعان و منْ              ملك   الأرض   و ولّى  و عزلْ

16- أين عاد أين فرعون و منْ             رفع   الأهرام  من   يسمع  يخلْ

17- أين منْ سادوا و شادوا و بنوا         هلك  الكلّ     و لم    تغنِ  الحّيلْ

18- أين أرباب الحجا أهل التقى             أين  أهل  العلم و   القوم  الأُولْ                 19-   سيعيد  اللهُ   كــلا  ّ منهما              و سيجـزي  فاعلا  مـا  قدْ فعـلْ

 

إنّ التفكر في الله و ذاته العليّة المقدسة يوقع صاحبه في الشّك و الخبل، و يرديه قتيل الهوى و التيه و لا يجني من زرعه ذاك إلا الحيرة و الزيغ و البعاد؛ و على العاقل الحصيف أن يوجه تفكيره و تأمله إلى بدائع خلق الله تعالى و عجائب قدرته و أسرار حكمته و عظيم آياته في الأنفس و الآفاق و له في أخبار المتقدمين و مآلاتهم  آيات بيّنات و عِبر واضحات  .

ففي ذلك مندوحة من الوقوع في الزلل و الرِّيب، فضلا عمّا يجنيه المتفكر في آيات الله الكونية من رسوخ يقين و ازدياد حكمة و تحصيل علم، و ثبات فؤاد و زيادة قرب من الله "فتبارك الله أحسن الخالقين".ل[المؤمنون- الآية14]

بعد هذه المقدمة الجليلة القوية الواضحة المعاني و التّي مهدّت نفسية القارئ  لما بعدها يأتي الشيخ على ذكر الموت و البعث و الحساب، و بأنّ الله لا يعجزه شيء في الأرض و لا في السّماء...

إنها التفاتة  وجيهة  لضرورة الاعتبار من التاريخ، و الوقوف عند مصارع الأولين ،     وكيف كان الموت لهم بالمرصاد و إذا ما حلّ بقوم  لم تغنهم أموالهم و لا  ضيعاتهم و لا ممالكهم أو قلاعهم، ثمّ ساق أسماء معينين كان  لها في التاريخ حضور كبير  كالنمرود           و فرعون ...

إنه كما رحل الأولون تاركين ما خوّله الله لهم وراء ظهورهم فإنّا بهم للاحقون،            و سيحصد كلّ فرد من الغلال ما قد زرع و يستوي في حكم  ذلك المحسن و المسيء            و المؤمن و الكافر و أهل العلم و أهل الأهواء و العاقبة للمتقين .

 

20- أيْ بنيّ اسمعْ وصايا جَمعت           حكما   خصّت بها   خير المِللْ[5]

 

 بعد ما بيّن الشيخ مذهبه بوضوح و جلاء ، وأزال عن الفكر أحجبته بدأ وصيته التّي وصّى الله بها رسله الكرام، و أوصاهم بتبليغها لأقوامهم و أممهم و ورثها العلماء منهم ون على عاتقهم نقع أمانة التّبليغ من بعد رسالة خاتم الأنبياء .

 و قد خص الله بفضله العظيم، و منّه الكريم هذه الأمة الوسط بأكمل مرتبة و أعلى  منزلة     و أتمّ فضله عليها بالنفع و البركة  والخيرية و  القبول و الحفظ ...

 

21- أطلب العلم و لا تكسلْ فمـا            أبعد الخير  على  أهل الكسلْ

22- و احتفل بالفقه في الدّين  ولا           تشتغل   عنه  بمال  أو خَوَلْ

23- و اهجر النّوم و حصّله فمن          يعرف المطلوب يحقرْ ما  بذلْ

24-   لا تقل  قد  ذهبت  أيامــه           كل من سار على الدرب وصـلْ

25- في ازدياد العلم إرغام العدا            و جمال العلم إصلاح العمــلْ

 

 

 طلب العلم و الاجتهاد في تحصيله و التفقّه في الدّين ،و العمل به ،و عدم الخلود إلى الكسل دليل صحة القصد و حسن المآل و رضا الواحد الدّيان...

و أشرف العلم التفقه في الدّين و الإكثار من مدارسته و التعمّق في مسائله و مباحثه  ، فمن وضح له الطريق وصل و لم يكترث لما بذل و إن كان شبابه اليفع حتىّ ..

 و من ثمار العلم و  العمل به مقارعة الأعداء و الخصوم ، و إرغامهم بالحجة الدامغة     و الدليل الناصع و الوصول إلى الغاية المنشودة ... و حق لطالب العلم أن يحتفل و يفتخر بما وهبه الله تعالى من العلم و المعرفة و ما المال بعد ذلك إلا وسيلة و فقط و لا تكاد تبين بجانب ما أعدّه الله لأهل العلم و الفقه.....

و ما الخَول من عبيد و إماء و حاشية إلا متاع قليل بالنّظر إلى رضي الله تعالى على طالب  العلم و سالك سبيله ؛ فوضوح الغاية و تحديد الهدف و سلوك الطريق الموصلة إليها سفين نجاة في بحر دنيا الناس هذه... و طلب العلم و نيله  يتطلب سهر الليالي و بذل ما في الوسع و الطاقة و ليس لطلب العلم عمر محدد و ذلك  بركة الله على أهل العلم و أهله والاستدراك ممكن و لا علاقة لعمر الإنسان بتحصيله .

 

26-  جمّل النّطق بالنحو  فمــــن          يُحـرم الإعراب في النطق اختبلْ

27- و انظم الشعر و لازم مذهبي           فاطـراح  الرفد  في  الدنيا  أفلْ

28- و هو عنوان عن الفضل فما             أحسن   الشعر  إذ ا لم  يبــتذلْ

29- مات أهل الفضل لم يبق سوى         مقرف  أو من على الأصل اتكلْ

30- أنا  لا  أختار   تقبــيل  يـدٍ               قطعها  أجمل  من  تلك  القبــلْ

31- إن جزتني عن مديحي صرت في       رقـّــــها أو لا يكفينـــي الخجْل

 

 التبحر في تعلّم اللغة العربية و علومها و تحصيل أسرارها  تاج مرّصع باليواقيت         و الألماس  يضعه طالب العلم على رأسه يباهي به أقرانه بينما  اللحن في الكلام يشين صاحبه و عليه فلا يستقيم منطق لسان إلا بمعرفة النحو و الإعراب، ومن عدمهما أصيب بالعيّ و اختلطت عليه الأمور فاختبل  و تأتأ و تعتع   فضحك الناس من منطقه  و موقفه ...و على طالب العلم أن يقرأ الشعر و يتعلمه لتنغرس في ذاته  الملكات الشّعرية  التي تعينه على حفظه         و التأليف على منواله و التفطن إلى أغراضه.. و عليه أيضا أن يلتزم بقراءة ما ارتفع من الشعر و سما عن الأغراض المبتذلة السافلة ففي الشّعر حكم و أفضال  و فيه من البيان ما يسحرْ و يأسرْ  و كذلك يكون تأليفه له  ...

و على الطالب أيضا  الحذر من أن يطلب بالشّعر صلة من مال زائلة  أو غرضا من الدّنيا عارضا ، فالشّعر أرفع قدرا و أشرف مكانة من النّزول به إلى أغراض منحطّة فيصير الشاعر           و أشعاره بضاعة من بضائع الملوك و الأمراء و الأغنياء و بذلك ينحرف الشعر عن غرضه الشّريف و يكتفي بالمديح الكاذب و التطواف حول المعاني المصطنعة الخسيسة و التكلّف المفضوح في المناسبات الضيّقة و حسب..

ثمّ إن اليّد التّي تقبّلها حين تصلك بالمال و المتاع و تحرم أمّة بأسرها و شعوبا بكاملها أجمل بها أنْ تقطع من أصلها و لا فضل لها ... فأهل الفضل و الكرم ذوو النيّات الطيّبة ذهبوا و عزّوا و لم يبق إلاّ مقرفا ممسكا أو رجلا مفتخرا بالآباء و الأجداد و عظام كالرّميم ...

 

 ألا فاعلم أنّ من أطعمك لقمة صرت عبدا له مطيعا ؛ فيحملك  كرمه ذلك  عن الإحجام عن قول الحقّ و إظهاره خجلا و مداراة و ربّما نفاق أعاذنا الله من كلّ ذلك... 

 

32- أعذب الألفاظ قولــي لك خـذْ           و أمـرّ اللفظ نطقــي بلعـلْ

 

 اليّد العليا خير من اليّد السّفلى و على الأريب الفطن أن لا يفوّت فرصة إنفاق و باب صدقة ؛ فلعلّ الموت يدركـه فيحول بينه و بين خير كثير ذلك أن التسويف و الإرجاء و التمني صاحبها مغبون و محروم ...

 

33- مُلك كسرى تُغن عنه كســرة            و عن البحر اجتـزاء بالوشلْ

34- اعتبر نحن " قسـمنا بينهـم "             تلقـه حقا " و بالحقّ  نـزلْ "

 

  القناعة رأس صلاح أمر المرء و استقامته، و رضاه بما أتاه الله من رزق و فضل غنى وسؤددا  بل و نياشين  مرمولة  يضعها  أهل القناعة و الرّضا فوق أكتافهم و صدورهم  ..

و القناعة و الرضا بقسمة الله و عدله هي وحدها التي تسوّيك و تعدلك بالملوك فيستوي ملك كسرى بقطعة كسرة يأكلها المرء عن حبّ و رضا و تغني عن السؤال و المذلّـة .

 و يضرب الشيخ مثالا بالبحر  والوشل[6] أي المال القليل و بيان ذلك أن المرء يغنيه قليل من الماء العذب الزلال عن مياه البحر برمّتها إذ يكفيه شربة ماء تطفأ غليل عطشه ...            و زيادة في تأكيد هذه المعاني الرّبانيّة فقد اقتبس من القرآن الكريم آيتين من الذّكر الحكيم هما على التوالي:[ نحن قسمنا بينهم معيشتهم ]  ( الزخرف، الآية 32) [ و بالحقّ أنزلناه و بالحقّ نزل ] (الإسراء ، الآية: 105) فتأملهما ففيهما الشفاء و العافية من وساوس الشيطان المهلوسة             و  هواجس الشك القاتلة ...

 

35 - ليس ما يحوي الفتى من عزمه           لا و لا ما فـات يوما بالكسـلْ

 

التّزود بالعزم و الإصرار على المضيّ في سُبل   النجاح  بعد رويّة و تفكر خير معين على شقّ الطريق نحو تحقيق الأهداف المرجوّة و بلوغ الغايات العظمى، و لن يتأتى تحقيق ذلك إلا بترك الكسل ، و هجران الدّعة ، و التحلي بالمجاهدة و المثابرة و مواصلة العمل       و تحمّل الأمانات و المسؤوليات بقوّة و عزم و إرادة ...

 

 

 

 

36- قاطعْ الدّنيـا فمـن عاداتـها             تخفض العالي و تعْلي من سفلْ                     37- عيشة الزّاهـد في تحصـيلها                عيشة الجاهـد بل هــذا أذلْ

38- كم جهولٍ و هو مثر مكثــر              و حكيـمٍ مـات منـها بالعللْ

39- كم شـجاعٍ لم ينل منها المُنى              و جبـانٍ نـال غايات الأمـلْ

40- وا تـرك الحيلـة فيها و اتّكلْ             إنّمـا الحيلة في تــرك الحيّلْ

41- أيُّ كفٍّ لم تنلْ منه القِـرى                 فبـلاهـا  الله  منـها  بالشللْ

 

وصايا جامعة تلّخص نظرة الشيخ إبن الوردي رحمة الله عليه  في الحياة بعد تجربة طويلة خاض غمارها و خبرة طويلة  تختصر الطريق للسالكين  و تبيّن المعالم للباحثين        و تكشف عن أستار الماضي التي خفيت على الأغرار و المريدين  يقدمها بين يدي المغرورين   و المخدوعين ببهارج الدنيا الفاتنة  و محاسنها الخلابة طبقا شهيّا سائغا للآكلين ، فيه ما لذّ      و طاب للنازلين الضيوف ... 

إنّ الاهتمام بالدّنيا و وضعها في القلب يجعل طالبها ذليلا مهانا ،لأنّ الدّنيا من أحوالها  أنْ ترفع الحقير الذليل ذا المال الوفير و تخفض الشريف المقل .... و العاقل من قطع أسبابها        و اهتمّ بآخرته و زهد فيها زهد العارفين الذين جعلوا حطام الدنيا في أيديهم و لم يجعلوه في قلوبهم ...

 و فرق شاسع بين الذل بين يدي الله العزيز الحكيم و بين ذل الدنيا و زخارفها الفانية ،

و الزهد الذي يعنيه الشيخ لا يعني أبدا الاعتزال عن النّاس و ترك السعي في جنبات الأرض   و إهمال التوكل الذي يقتضي التخطيط و الحركة الدؤوبة و إنما الزهد عنده بأن  تٌجعلَ الدنيا بما حوت في يدك لا في قلبك أي وسيلة تقربك من الله العزيز زلفا لا غاية ترام ...

و حال الدّنيا مع الناّس عجيب !!..

جهول ثريّ تأتيه الدنيا طيّعة من كل صوب و حدب ، و حكيم عارف لم يجد دريهمات تقمن بدنه المنهوك بالأمراض و العلل ...و جبان جفول قد أدرك غايات الأمل من نفوذ          و قصور و ضيعات و خدم وحشم و هناءة عيش و رغد حياة وآخر  شجاع كميّ عاد منها بخفي حنين و قد ناء حملا من الحسرة و اليأس و البأس...

و المؤمن الصّادق يعلم علم اليقين أنّ ما أصابه لم يكن ليخطئه و ما أخطأه لم يكن ليصيبه و يعلم أيضا أنّ الله العليّ القدير قد قسّم الأرزاق بين النّاس و كتب ذلك في اللّوح المحفوظ و لا رادّ لقضائه و قدره و عليه فالحيلة في استجلاب الرزق و زيادته لا يزيدك منها قطميرا         و اعتبر بما سبق ذكره من أصناف الناس و حال الدنيا معهم ..

و ما على المؤمن المكثر الغني الذي أتاه الله من عظيم رزقه و كريم فضلهإلاّ أن ينفق منه في أبواب الخير ما استطاع ..

هذا لا يعني أبدا ترك التوكل و الخنوع إلى التواكل بحجة أن الله قد قسم الأرزاق بين الناس فلا داع للسعيّ فهذا مفهوم مغلوط عن معنى التوكل ..

 

  

 و يسوّي الشيخ بين الغنيّ و الفقير فيما يتعلق  بالإسراع  في تقديم القِرى أي طعام الضيف ؛ لأن ذلك علامة على نبل المضيف و كرمه ،و البيت الذي لا يعجلّ فيه بطعام الضيف بيت لا بركة في أهله ،و لا خير يرجى منه  مستقبلا فمثل هذا الصنيع الدنيء مثل الكفّ الملأى بالمال الوفير بينما  لا  تخرجْ منه شيئا  قترا منها و بخلا و عليه   فليس لها من جزاء إلا الشلل أعاذنا الله منها ...و يستحب التعجيل في أمور ثلاثة:  التوبة و المعروف و قرى الضيف .  

42 - لا تقلْ أصلي و فصلي أبــدا                  إنّمـا أصل الفتـى ما قد حصلْ

43- قد يسود المرْء من غير أبٍ               و بحسن السّبك[7] قد ينفى الزغلْ[8]

44- و كدا الورد من الشّوك و ما                 يخرجُ النرجس إلا  مـن بصـلْ

45- مع أنّي أحْمُُــدُ الله علـى                         نسبـي إذْ بأبـي بكـر  اتّصـلْ

46- قيمـة الإنسان مـا يحسنه                        أكثـر َ الإنســان منه أو أَقـلْ       

 من أبطأ به عمله لم يقدمه  نسبه كما أخبر الصادق المصدوق و الحكمة الماضية تقول:  "  كن رجلا عصاميا و لا تكن رجلا عظاميّا  " بمعنى لا تتكل على مآثر الآباء و الأجداد        و إنجازاتهم مهما عظُمت، و عليك بشقّ طريقك نحو المجد و السؤدد  ؛ فالافتخار بالنّسب       و الفصل و الأصل مع ترك سننهم و الانحراف عن منهجهم في العمل مذمة و منقصة  بل ومخالفة صريحة لهديهم في البناء و التغيير...

 

           إنّ الفتى من يقول ها أنذا    ليس الفتى من يقول كان أبي

 

و كم من أناس حازوا زمام السّبق و الفضل، و اعتلوا أرقى المناصب و المراتب و ما كان آباؤهم معروفين مشهورين ... فلئن  كان آباؤهم مغمورين فأبناءهم  باجتهادهم و مثابرتهم و حرصهم نالوا المكانة العالية   و خلّدوا أسماءهم و أعمالهم بسطور من نور في صفحات التاريخ المشرقة ...

و السّر الخفيّ في ذلك حسن تربية الطفل من توجيه و إرشاد و تعليم و سبك و متابعة فكأنّه وُضع في بوتقة التّشكيل و بفعل انصهار الناّر ذابت معادنه سلبا و إيجابا و أعيد تشكيله من جديد ليخرج طفلا نابغا يِِؤتي أكله كلّ حين بإذن الواحد الأحد..

 ولتقريب الفهم يورد الشيخ مثالا واقعيا ... ألا ترى جمال الورد و حسن توزيع أوراقه   و نعومة ملمسه، و كلف المحبين له من كلّ الأصناف و الفئات و الطبقات فبالرّغم من أنّه يخرج من يخرج الشوك و من منّا لا لم يذق إيلامه و ووخزه...و التفت أيضا إلى النرجس و حسن منظره و بهاء ألوانه فإنّما أصله بصل كريه الراّئحة  ...

و يستدرك ابن الوردي خوفا من الالتباس و الخلط في الفهم فيعلن نسبه الشريف  الممتد جذور شجرته إلى أبي بكر الصديق صاحب رسول الله صلى الله عليه و سلم.. و ما استدراكه إلا تأكيدا على فكرته الأساسية ألا و هي أن العلم الصادق و العمل الصالح و حسن التربية مقدم على أصل المرء و فصله و نسبه   و يختتم الشيخ توجيهه بأن قيمة الإنسان و علو شأنه بمقدار ما يحسن من علم  و عمل قلّ ذلك أو كثٌر .

 

 

 

-                        47 - ليس يخلو المرء من ضدّ و لوْ           حاول العزلة في أصـل الجبـلْ

 

      طبيعة الحياة و سننها اقتضت وجود الصراع و ديمومته ... صراع بين الحق           و الباطل... بين حزب و حزب .. بين شخص و شخص حتى بين الشخص و نفسه  و عقله      و روحه التي بين جنبيه؛ و من ثمّ فاعتزال الناس و هجرانهم بعد مخالطتهم لا يلغي أصلا فكرة الصراع المؤدي إلى الغيرة و الحسد و التنافس و الاقتتال أحيانا  و إن كان المرء  في بروج مشيّدة معتزلا الناس ... و بتعبير الشيخ رأس الجبل ، و هذا سرّ عظيم من أسرار طبيعة الحياة و الإنسان.. 

و السرّ الآخر الناتج عن هذا الصراع كون أنّ الأشياء تتمايز، و يعرف غثها من سمينها و خيرها من شرّها، و يتبن الدخيل منها من  الأصيل و تتباين الفضائل عن الرذائل إذا مورست على أرض الواقع ، و تجسّدت في حياة عملية و انعكست  في سلوكيات تمشي بين الناس و تدب  ... إذ كيف يعرف الحليم مثلا إن لم يوجد سبب للحلم وشخص مادي معلوم  يعفو عنه عن سابق دراية و قدرة..

 

48- بين تبذير و بخـلٍ رتبـــةً            و كـلا  هـذيْن  إن  دام قتـل

 

 يقرر العلماء بأنّ الفضيلة تقع بين رذيلتين ، فالشّجاعة مثلا تقع بيت التّهور  والجبن،     و العدل يقع بين الغضب و الرضا و الوسط بين الإسراف و التقتير و هكذا دواليك ..   و ما عناه ابن الوردي في هذا البيت قياسا على ما سبق أن يكون المرء وسطا بين اعتزال الناس    و مخالطتهم فتلك رتبة محمودة بين مذمتين .

و أما المفهوم العام و الظاهري للبيت فمعناه أن   لا تكون يد الإنسان مبسوطة كلّ البسط فيهلك   و أن لا تكون يده مقبوضة كلّ القبض فيهلك ؛ و إنّما المحمود في الإنفاق و باتفاق جمهرة الفقهاء  هو التّقيّد بقوله تعالى:"و الذين إذا أنفقوا لم يسفروا و لم يقتروا و كان بين ذلك قواما "[الفرقان:الآية67 ].

 

 

 

 

49- لا تخضْ في سبّ سادات مضوا          إنّـهم ليســـوا بأهـل للزللْ

 

ممّا يؤثر عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه  قوله في الفتنة التي وقعت بين الصحابة الكرام " تلك فتنة طهّر الله منها سيوفنا فلنطهّر منها ألسنتنا " ، فالصحابة آنية طاهرة اختارها الله تعالى لصفاء قلوبهم، و طهارة أرواحهم ،وبعدهم عن المعصية والزّلل وقد رضي الله عنهم أجمعين    و الأولى أن نكف ألسنتنا عن الخوض في أعراضهم ولحومهم...

إنها فتنة وقعت في زمانهم ثم انقضت و ولّت ، فالخوض فيها من جديد ضربٌ من الخبل و قضية لا يبنى عليها أي عمل و هذا هو الأسلم و الأحكم والأحوط...

 

50- و تغافـل عن أمــور إنّـه            لم يفـزْ  بالحمـد إلا مـن غفلْ

 

حكمة بالغة و توجيه رشيد و وصية غالية إذ يقرر الشيخ في هذا البيت أن محاولة معرفة كل شيء والرد على كل حديث يُوقع الإنسان في براثن كره الناس ،و يؤجج نار الغيرة         و براكين الحسد في نفوسهم ، و يفتح جبهات صراع و جيوب معارضة لا قبل للإنسان بها ،فالاستمرار فيها يورد الإنسان المهالك.. و لو تغافل عليها صاحبها لا عن ضعف و جهل       و لكن من باب ترك للقضية جانبٌ من الود ما كان ليوجد كل هذه الزوبعة والفوضى و التراكمات غير المسؤولة الناجمة عن تصرفات الناس...

وبهذا يكون الإنسان محمودا بين الناس ،و محببا لقلوبهم و قريبا من نفوسهم وبعيدا كل البعد عن سيوف ألسنتهم القاطعة ..و قديما قيل ما فاز بالحمد إلا الذكيّ المتغافل...

 

51-  مِـلْ عن النّمام و اهجره فما                 بلَّـغ  المكـروه إلاّ من نقـلْ

52- دارِ جارَ الـّدار إنْ جار و إنْ               لم تجـدْ صبرا فما أحلى النّّقلْ

 

 في هذين البيتين يقدم الشيخ دروسا عملية قيّمة في العلاقات العامة بين الناس تقينا  موارد شرور أكيدة حالقة وعواقب وخيمة قاصمة ...

وأوّلها عدم مصاحبة النمّام و هو الذي يمشي بين الناس بقائلة السوء، فمن قال لك قال عليك و هذه هي حال النمّام...

 و عواقب النميمة مزلزلة للصرح الاجتماعي إذ تأتي على الأخضر و اليابس من الود    و الحب و الاحترام و التقدير، و لذلك وعد الله تعالى النمّام بعذاب أليم وعقاب شديد...

و ثاني هذه الدروس مداراة الجيران بالصبر على أذاهم...وما وصايا الرسول الله صلى الله علي و سلم في الجار و حقوق من إحسان إليه و زيارته و عبادته إلا خير دليل               و أقوى برهان على قيمة الجار عند الله تعالى...

و إن لم يستطع المرء الصبر على أذى الجار فأرض الله واسعة و في الانتقال إلى ديار أخرى في مكان آخر سعة و تنفس و عافية و مندوحة ... 

 

بعد فراغه من تبيان علاقة الإنسان بربّه و بنفسه و بالناس بعضهم بعضا انتقل لتبيان العلاقة بين المواطن و حاكمه معرجا على  أمر المناصب و الولايات و هو ما يعرف في شرعنا الحنيف بالسياسة الشرعية في الراعي و الرّعية أو بالأحكام السلطانية ...

 

53- جانبِ السلطان و احذر بطشه               لا تخاصمْ منْ قال إذا قال فعلْ

 

 السلاطين كالفخاخ ... من وقع في شراكهم هُلك  إن والوه أو  عادوه ، فالأمر عندهم سيان و الأسلم مجانبة السلطان و حاشيته و أتباعه ؛ ففي المجانبة أمن و استقرار و حياة لأولي الألباب... و من نتائج سوء تقدير العلاقات مع السلطان و شدّة التقرب منه في حالة الغضب    و السخط  البطش السريع و الفتاك  ، و بطش السلاطين أسرع من السهم إلى الرميّة، فالسلاطين ألسنتهم معقودة على أسيافهم و أفعالهم أسبق من أقوالهم و المطلوب و هو الأحوط   و الأسلم الحذر الشديد منهم .

 

54   - لا تلِ الحكم و إنْ هم سـألوا               رغبـة فيك و خالفْ من عذلْ

 

  ثم يبين الشيخ  مسألة تولية المناصب ، و هي من المسائل المختلف فيها؛ فقائل بجواز الترشح للولايات و المسؤوليات اقتداء بقول نبيّ يوسف عليه السلام ""أجعلني على خزائن مصر""  [سورة       ، الآية:   ] و قائل بعدم جواز طلب الولاية و الترشح للمناصب من باب قول النبيّ محمد صلى الله عليه و سلم لأبي ذ ر رضي الله عنه :"و إنها لأمانة و إنها لخزي   و ندامة " الحديث المشهور. و يبدو أن الشيخ من أنصار الفريق الثاني و إن طلبوا  منك ذلك  و ألحوا في الطلب فلا تطعهم و لا تسمع للوم العاذلين فيك و خالفهم في مخالفتهم النجاة         و الفوز. .

 

55- إنّ نصف النّاس أعداء لمـنْ               وُليَّ  الأحكام هذا إنْ عــدلْ

 

و لا تأبه بمن يلومونك عن عدم تولي المسؤولية و إن أظهروا لك الشفقة و الحرص       و حجته في ذلك نابعة من أرض الواقع استنادا للحكمة الشائعة:"إرضاء الناس غاية لا تدرك"  ... ففي حالة العدل مع الرعية و الاحتكام إلى ميزان العدل و الإنصاف فستلاحظ بأن نصف  من حكمت لهم أو عليهم قد انقلبوا لك أعداء و إن أضمروا ذلك في أنفسهم و ما أن تأتيهم الفرصة لينتقدوك إلا و توشحوا سيوف ألسنتهم ليضربوك أو يقتلوك أو يعزلوك.

 

 

 

 

 

 

56- فهو كالمحبوس عن لـذّاتـه               و كلا  كفّيه في الحشـر  تُغلْ

 

   و لم يكتف الشيخ بهذا التعليل الواقعي المذكور في البيت السابق  بل ارتأى أن يرينا مشهديْن حيْيـّن ، الأول عاجل دنيوي معاش  و الثاني مؤجل أخروي مرتقب .

 أمّا في الحياة الدنيا و هو العاجل فالمسؤول مقيد غير حرّ في تصرفاته، فالكلفة غير ساقطة عنه أينما حلّ أو ارتحل.. فالمسؤول ملزم بإتباع مراسيم و تقاليد نشأ عليها أصحاب الولايات و المناصب و هو بهذا كالمحبوس الذي حرم من إتيان لذاته و شهواته و رغباته بكل حرية و انطلاق...

و أما في الآخرة و هو الآجل فكل من وُلي مسؤولية موقوف في الحشر أمام الأشهاد  و قد غلّت يداه، فكل راع مسئول عن رعيته و لن يكون في حلّ من أمره حتى يسأل عن كل كبيرة   و صغيرة عن الأمانة التي أُسندت إليه زمام أمرها  ، و هذا  تالله لموقف حرج و خطير تشيب لهوله رؤوس الولدان  نعوذ بالله منه و من عواقبه الوخيمة .

 

57- لا توازي لذّة الحكـم  بمـا              ذاقه الشخص إذا الشخص انعزلْ

 

      و بصورة فنية جمالية  بديعة  يرسم لنا الشيخ مشهدا نفسيا مؤثرا للغاية ، و يتمثل في التذمر النفسي و الإحباط  المعنوي اللذين يصيبان المسؤول في حالة انعزاله عن الحكم أو عزله و قد راينا  في زماننا هذا من انتحر بطريقة مأسوية بسبب انعزاله أو عزله عن الحكم    و تلك عاقبة نكراء  و العياذ بالله .. هذه الحال النفسية المتردية في الحقيقة لا توازيها لذة حكم سابق و أنّى للذة ذهبت أن تعدل حسرة أقبلت و هذا هو الميزان الحق لمن أراد أن يحتكم.

 

58- و الولايات و إن طالت لمـن               ذاقها فالسمّ  في  ذاك  العسـلْ

 

و عموما فرأي الشيخ في أمر الولايات و تولي المناصب محاط بكثير من الحذر            و الحيطة و لن يسلم صاحبها من شراكها  و إن طال ارتياده لها ، و قد شبهها بطبق من العسل الممزوج بالسم القاتل ؛ فما أعجبك مظهره و حسنه  و راقك مذاقه الحلو فقد يضرك مخبره     و باطنه فالحذر الحذر.

 

59- نصبُ المنصبِ أو هي جلـدي              و عنائـي من مــدارة السِّفلْ

 

  و يختم الشّيخ رأيه الصريح في أمر الولايات بتقريره لشدة التعب و النصب الناتجة  عن تولّي المسئوليات و الأمانات ، و يخصص وضعا  نفسيا معينا متمثلا في اضطرار الحاكم بالانصياع إلى السفلة من الناس و مجاراتهم في أمور تافهة سعيا  منه لإسكاتهم من جهة         و إرضاء فضولهم و أهوائهم من جهة ثانية و أنّى له ذلك ، فالسفلة من النّاس قلوبهم ّميّتة        و مشاعرهم كالجماد لا حياة فيه ، وما أمر المدح و الذم عندهم إلا سيان فالأهم عندهم قضاء مصالحهم الخاصة و كفى ...

 

60- قصِّرْ الآمـال في الدّنيا تفزْ               فـدليل العقل تقصيـر الأملْ

61- إنّ من يطلبـه الموت علـى               غفلـة منـه  جديــرٌ بالوجلْ

 

 بعد جولة ممتعة قصيرة يعود الشيخ ليؤكد ما قرّره في شأن الدنيا و حقيقتها، و هاهو يخبرنا من جديد بضرورة تقصير حبل الأمل في أمر الدنيا ،و أنّ في تقصير الأمل حصول المنفعة  و بلوغ المقصود و هي  عين الشرع  و دليل رجاحة عقل صاحبه و بعد نظره.

و أولى بمن كان الموت يطلبه حثيثا و هو على مرمى قيد أنملة منه و يستمر في غفلته     و هو لا يدري بلحظة قدومه إلاّ تقصير الأمل و الاستعداد للقاء الله تعالى  و الخوف من أن يدرك الأجل المحتوم  و هو خاوي  الوفاض . 

 

 

                 62- غبْ و زر غبّا تزدْ حبّا فمــن                أكثـر الّتـرداد أصمـاه  المللْ

           63- خذْ بنصل السيف و اترك غمده           و اعتبرْ فضل الفتى دون الحُللْ

 

 و يواصل الشيخ نصائحه في الجانب الاجتماعي موجها نصيحة غالية تتعلّق بآداب زيارة الأقارب إذ كثرة الترداد يفسد المودة بين الأهل و الأقارب؛ لذلك يوجه نصيحته للزائر بأن يقللّ من عدد زياراته لأقاربه و أحبابه حتى لا ترتفع الكلفة بينه و بينهم ،  و يزداد حبل الوصال استحكاما و تسري فيوضات الود و المحبة بينهم سريان الدم في العروق و الماء بين الخمائل     و لا يفسد كثرة  الترداد للودّ قضية.

 و ينصح الشيخ بالتقلّل من متاع الدنيا و بهارجها و الاكتفاء بالضروري منها ، فيكفي المرء لقيمات تقمن صلبه و حلّة واحدة تقيه نفح  القرّ و ما فضُل فلا وقت للانتباه إليه لأن الموت يطلبه و زمن السفر قصير و الخطب المنتظر أدهى و أمرّ و شبه التقلّل من الدنيا بالاستغناء عن غمد السيف اكتفاءا بنصله والتحلل عن الفضل بالضروري و  هذا تشبيه بديع .

 

64- حبّك الأوطان عجزٌ ظـاهـرُ             فاغتربْ تلقَ عن الأهـل بـدلْ

65 - فبمكثِ  المـاء يبقى آسـنا                و سُـرى البدر به البدر اكتملْ

 

   قد تضيق الأرض على رحابتها بالمرء، و يتنكر كلّ شيء و يكشر في وجهك و ممن ؟

من أقرب الأقرباء إليك  لذلك فنصيحة الشيخ لنا  بضرورة الانتقال و الهجرة بدل اجترار الحسرات و غُصص الندم و عض الأنامل ثمّ إنّ أرض الله تعالى واسعة و قد يعوّضك الله عن الوطن و الأهل و المال و الأحباب بخير من ذلك كلّه ، و يضرب لذلك بتشبيهين ممتعين ، فالأول احتباس الماء في مكان واحد و عدم سياحته سبب في تعفّنه و فساده و ما صفوه إلاّ في سياحته و انطلاقته  في أنهار الأرض و ووديانه.

  و أما التشبيه الثاني ففيه معنى إضافيا بديعا ألا و هو أنّ بعد العسر يسرا و ما اشتداد الظلمة إلا دليل على قدوم الصبح ، فالانتقال من البلد الأول إلى بلد ثان لا شكّ أنه مؤلم نفسيا لكنه قد يكون بمثابة الحلّ الأمثل و الشفاء الدائم و العافية المستمرّة.

 

66- أيّها العائب قـــولي عبثـا                إنّ  طيب الورد  مؤذٍ  بالجُعـَلْ

67- عدّ عن أسهم لفظي و اشتغلْ            لا  يصيبنّك  سهـمٌ من ثُعَــلْ[9]

 

  و بنداء المشفق الحريص يوجه انتباه الإنسان إلى ضرورة الانتفاع بهذه النصائح            و العمل بهذه المواعظ التي نثرها و بيّنها في أتمّ صورة و أحسن بيان و من لم ينتفع فكأنما مثله كمثل الجُعل تلك الحشرة المؤدية، النتنة الرّائحة التي أفسدت رائحة الورد الطيبة  و شكل وروده النّدية بالرغم من أنّ الورد هو موطنها و سكنها و يقصد المواعظ و النصائح التي ساقها للاعتبار و الاتعاظ على نفاستها و وجاهتها قد لا يستفيد منها لفيفا من الناس .

و بلغة الحرص و الإشفاق دائما يطلب من الإنسان أن يعيد قراءة  مواعظه و نصائحه        و الالتفاف إلى العمل و الاشتغال بما ينفع في الآخرة قبل أن تأتي سهام الموت القاتلة  كإتقان إجادة قوم ثُعل لرمي السهام و إصابة الهدف بدقة متناهية.  

 

68- لا يغرّنّـك ليْـنٌ من فتــى                   إنّ  للحيّـات   ليـنٌ  يعتـزلْ

69- أنا كالخيزور صعب كسـرهُ               و هو ليْـن كيفما شئت انتقـلْ

70- غير أني في زمـان من يكن              فيه ذا مال هو المولى الأجـلْ

71- واجب عند الـورى إكرامه                و قليل المـال  فيهم يستقـلْ

72- كلّ أهـل العصر غُمرٌ و أنا               منهمُ فاتـرك تفاصيل الجمـلْ

 

و في ختام نظم لاميته يقرر مسائل معروفة بين الناس و مستقاة من واقعهم العملي المعيش و لا ينتطح فيه عنزان و لا يختلف فيها اثنان ...

 

و تجربة الشيخ الطويلة في المجتمع و مخالطته لأصناف الناس بمختلف مستوياتهم الاجتماعية مكّنته من فهم طبيعة الناس  و حقائقهم الخفيّة..

فأول توجيه يقدمه هو أنّ البعض يبدو للناس في صورة الضعيف اللين لكنّه في حقيقة أمره وحش مرعب فتاك  في صورة إنسان  فقط بل  هو كالحيّة الرقطاء التي قد يأتيك  السمّ منها  فيرديك قتيلا  ...  و مثل هذا الصنف من الناس وجب الابتعاد منه كما تتوجس النفس خيفة من لين الحّيات القاتلة.

و حالي في الحياة جلّية بيّنة فأنا أشبه الخيزران أي العصا ،فعند الشدّة تجدني شديدا غير هياب و عند مواطن اللين تجدني لينا هينا .

   ثم يستدرك الشيخ و ينتبه للزمان الذي يعيشه و كيف تغيّرت موازين الحكم و الحياة فيه ، فمن  كان ذا مال مالَ الناس إليه، و من كان فقيرا معدما تركه الناس و مضوا بل و ذو المال أصبح يكرّم و يقدم على أهل العلم و الحلم و الأخلاق الفاضلة.

و نصيحته الأخيرة ملفوفة بالتواضع و الورع و التّقى فقد خاف على نفسه من الغرور       و الفتنة ذلك أنّه  قد يعتقد بأن ناظم هذا الشرح من الصالحين و الأتقياء فيذهب أجره فنبه    على جلالة قدره، و مكانته الدينية المرموقة بأنّه غمر أي لا يزال في بداية الطريق و لا  يملك من التجارب و الخبرات في مجال تزكية النفس و تحليتها إلا ما وهبه الله ذو الجلال والملكوت.

و في ختام هذا الشرح الموجز أسأل الله البّر الرّحيم أن يستر العورات و يغفر الزلات    و يقينا شرور أنفسنا فيما هو آت و الله وليّ التوفيق .

 

      

                                                 قسنطينة في 17 جمادى الثانية 1431 هـ

                                                      الموافق لـ:  31 ماي 2010 م   

 

 

 

 

        

 

 

 



[1] -   أنظر بالتفصيل ترجمته في : الأعلام لخير الدين الزركلي : قاموس تراجم (ج.5 : ص.222)،و وفيات الأعيان(ج.02 : ص116)و بغية الوعاة (ص. 365) ، و معارف القرن العشرين لمحمد فريد وجدي(ج.10 : ص. 772) .

 

 

[2]-         الكفل: العجز للإنسان أو الدابة، الإفصاح في اللغة   (ج02، ص.694).

[3] -        الأسل: نبات و هو عيدان بلا ورق، نفس المرجع  (ج02،ص.1120).

 

[4] - زحل: نجم معروف و فلّ السيف أي كٌسر حدّه.

 

[5]- إشارة إلى قوله تعالى:" كنتم خير أمة أخرجت للناس"(آل عمران : الآية 111).

 

[6] -  الوشل: من الأضداد و معناه المال الكثير أو المال القليل (الإفصاح في فقه اللغة،                               ج .02،ص.961)

 

[7] -  السّبك: سبك الذهب و غيره: أذابه و أفرغه في القالب...

[8]- الزغل: الغش.

 

[9] - ثعل:بطن من طيئ كانوا قد اشتهروا  بإجادة رمي السّهام. 

تعليقات