رسالة إلى أبي ...
· أبتاهُ .. واشوقـاهُ...
أجزمُ يا أبتي بأنّ كلماتي لن يصل عبقُ شذاها روحَك الغنّاء و لكن الكأس تفيض
حين امتلائها..أليست الذكرى حياة ثانية و سياحة روحية كاشفة ..تجدّد اللقاء و العهد و تمنح السرور و الأمل...
أبتاهُ..
عن أيّ خُلُق فيك و منك أتحدّث و عن أيّ
صورة جمالية أكتب و أرسم ..
-
عن
طيبتك التي زرعتها بين أفراد أسرتك الكبيرة و جيرانك والناس فكفيت و وفيت و عاد الكلّ إلى رحاله و قد ارتوت روحه و
هدأت عواصف قلبه ..طيبة من الأنوار القدسية تنبثق و تستمدّ وجودها كنت قد وهبتها
للجميع دون مقابل و لا جزاء...
-
أم
أتحدّث عن ابتسامتك البريئة الدافئة التي لا تكاد تغادر ملامح وجهك الصبيح الأزهر ..فسبحان
الله و بالرغم من فراق جسدك و روحك لمّا أزل عاجزا عن مقاومة سحر براءتها و بهاء
روائها إلى حدّ الساعة ...ابتسامة ممتدة لا فراغات فيها و لا انكسارات و لا
هزائم...ابتسامة تكاد تعرب بفم و لسان و شفتين...
أبتـاهُ ...
أم تراني أصف تواضعك الجمّ و أدبك الرفيع
..أرتسم صُور تنازلاتك المتكررة ..فكم من مرّة أساء إليك خَلقٌ كُثّر و هم دونك
مرتبة و قدرا و علما و لكنّ تمرّ غيمات
صفحك الجميل الحبلى تمدّهم بالغيوث النافعات ..لله درّك يا أبي كم مرّة تحمّلت
الأذية و مضيت مطرقا رأسك شامخ الفؤاد...تواضعت فعفوت ترنو بقلبك الكبير غايتك
الأسمى ..رضى الله و عفوه..
رسائلك كانت ناصعة البياض فخرجتَ من الدنيا مكللا بالورد و
الرياحبن...منتصرا في تواضع و أدب رفيعين ساميين..
أبتاه ..
أتذكّر ردّك الباذخ في كلّ مرة عندما أهمّ بالمغادرة طالبا منك الدّعاء...فتنظر إليّ
بابتسامتك العريضة و بريق عينيك يجول في مقامات نورانية ثمّ تقول لي بصوتك الهادئ
الحنون "بنيّ..سهام الليل لا تخطيء" كم كنت أحبّ سماع هذه الكلمات
الدافئات الطافحات بالحنان و الرحمة و الصدق...
كنت لا أستطيع الخروج حتى أرتوي بماء دعائك
و تراني أقبلّ جبينك المشرق و أمسح بخدي على قدميك و أمرر راحتي فوق جلدك الناعم الرطب أستمدّ من كلّ
قطعة فيك و منك البركة و الطاقة و
العون و التوفيق..
أصدقك القول يا أبتي لم أكن أخشى أحدا و لا
شيئا ما دمت تنعم بالحياة فلما غادرت أصبحت أخاف من كلّ شيء...
أبتاه..كتاب مفتوح لم يطوى بعد ..صفحاتك المشرقة لم تزلْ عذراء طاهرة...
عن أي صفة منك أتحدّث..عن علمك الغزير الذي
ارتفع بموتك..عن كرمك المرسل الذس كان انا منه الحظ الوفير ..عن عفّتك الوضية..عن
كتاب الله المحفوظ في قلبك ..
أبتاه لا نزال على العهد الذي ألزمتنا به..و
نسعى جاهدين لتوريثه لأبنائنا و أحفادك بمعونة الله و توفيقه..
أبتاه...
إلى أن نلتقي عند مليك مقتدر استودعك الله
الذي لا تضيع ودائعه ..و لا تزال دموعي حائرة تبحث عن حضنك الذي ملأ الدنيا علينا فرحا و سرورا و بركة و
توفيقا...

تعليقات
إرسال تعليق