أصداء و مكاء من ديوان "حداء" : قراءة جمالية للشاعرالشاذلي القرواشي

أصداء و مكاء  من ديوان "حداء" : قراءة جمالية
للشاعرالشاذلي القرواشي

          ديوان "حداء" للشاعر التونسي الشاذلي القرواشي الصادر عن دار إفريقية للنشر   - تونس 2020  - في حقيقته مكتبة عامرة تضمّ  في رفوفها أسرار فلسفة عاشقة   و ابتهالات صوفية والهة حتّى أنّي و من شدّة إعجابي به دونت  في آخر صفحة منه  " من روعة بيانه و بهاء حروفه و نقاء سريرة معانيه لم أسطع فراقه حتّى أتيت على آخر حبّة عنب  منه .. شعر صوفيّ ملهم.. فلسفة عميقة حالمة.. صور بيانية فاتنة   و جمالية ساحرة  تتناثر كحبّات مطر عاشق .. ما أروعك شاعرنا [تونس 01/03/2020]  " . 
قصائد الديوان أغلبها من الشعر العمودي الخليلي الموزون و إن كادت دفّتا الميزان أن تستويا و بلغ عدد ها واحد ا و أربعين قصيدة  أي وترية مباركة...
لم يشأ شاعرنا أن يصدّر مجموعته الشعرية بمقدمة على عادة الشعراء تاركا القارئ في تماس مباشر مع نصوص أشعاره ..غير أنّ الملفت للانتباه تصديره لها بهذه العبارة : " زاحمني  فيك ألف حريق ، و لكنني ..ها ..قد نجوتُ ".. و ما أبلغه من تصدير و أعمقه من مدلول .. و قد عمد إلى طريقة  شعر الهايكو الياباني المملوء بالحكمة   و الجمال و الخبرة و الشاعرية و الأسرار و الرموز و الفلسفة  و هو بمثابة مقدمة كاملة و لا ريب ..هذا المقطع الشعري الهايكوي يوحي بأمرين :
أولهما أنّ هذه الأشعار عاشها فكره و كابدتها روحه فهي كالذهب الخالص الذي فتنته النّار و حرّها و جمرها فخرج ذهبا إبريزا يسرّ النّاظرين و يغري الغيد الحسان .. فهذا الديوان  يعتبر خلاصة تجربة حياتية  بحلوها و مرّها و ليس مجرّد أشعار سيقت للمتعة و الترف الفكري و إن بلغت المتعة فيه و الدهشة ذروتها القصوى و غايتها الأسمى...
و أما الأمر الثاني فهو إعلام مسبق للقارئ بأنّه سيقف على عتبات فكر حرّ مجرّد يعالج قضايا فلسفية و وجودية و إنسانية و روحيه بكلّ ما أوتي من تجرية حياة         و أرصدة معرفية و احترافية  كبيرة في نحت الأسماء و الأشياء و الحقائق و البلاغة و البيان و الجمال... و قد ترك لنا عند الفراغ من قراءته و التأمّل في نصوصه       و التبحر في مجاني معانيه جملة من التّساؤلات المشروعة و من نقاط الاستفهام       و التعجب   و الاختصار.. و للقارئ بعد ذلك مطلق الحرية و الاختيار و التبني       و الموافقة و الرفض و الحياد  و حتّى التمرد إن رغب في ذلك...
و بالعودة إلى ذلك الهايكو المميّز فإنّه يمكننا حصر كلماته المفتاحية في : الزحمة –             الحريق – النّجاة – أداة الاستدراك "لكن" .. و مما لا شكّ فيه أنّ مصادر الحريق      و إن تعدّدت جهاتها  فمرجعها إلى مصدرين اثنين. .مصدر داخلي باطنيّ و جداني نتيجة طول التأمل و إرهاصات العزلة و التوحّد و احتدام الصراع الفكري بينه و بين عقله  و روحه و قلبه ..و مصدر خارجيّ يتمثل في موقف الآخر من طروحاته       و قناعاته إيجابا و سلبا ..   و هذان المصدران هما سببا الحريق المضطرم الذي لا يترك أخضر و لا يبسا إلاّ أتى عليه و جعله كالرميم ...و نلاحظ بأن الشاعر تعمّد تصدير الهايكو بالزحمة و بصيغة الفعل الماضي ليوحي للقارئ   مقدار هول الحريق داخله بسبب الأفكار المتزاحمة و الأشخاص المعارضين و الرفض المتزايد التي زاحمته من أجل منع هذه الأشعار بل الأفكار من الانطلاق الحرّ الواعي و المسؤول إلى فضاءات النور و آفاق  الوجود الرحبة لتواجه قدرها المحتوم و مصيرها المعلوم .. و قد وظّف الشاعر  أداة  الاستدراك " لكن "  لتكون المفتاح الذي يلتفت على  قفله فيفتحه و كأنها بمثابة سفينة نوح التي نجت و بمن فيها من سطوة الطوفان الجارف القاتل...  فكأنّي بالشاعر بهذا الهايكو قد قدّم للقارئ مفتاحا آخر رحمة منه   و رأفة به و بفكره  و عقلة و قلبه ليشعره بقيمة و أهمية ما سيقف عليه من كنوز      و أصداف و جواهر و يواقيت...
اختار شاعرنا "حداء" كعنوان لديوانه الشعري و نكّر اسمه و لم يجعله معرفا و بذلك أخرجه من كونه اسم  جنس يعم باقي أنواعه  إلى اسم خاص مخصوص بحروف شعره و رياض معانيه ..
و الحداء غناء معروف و يكون على ضوء ليلة  مقمرة بغرض حثّ الإبل على السعي أكثر   و الإسراع...و بذلك يعود بالذاكرة إلى عمق التاريخ ليربط بين السلف و الخلف و هذا ملمح عميق في توجهات الشاعر الفكرية و الفنية و الجمالية...   و السؤال الذي يفرض نفسه هنا : عن أيّ غناء يقصده ؟ و ما طبيعته و نوعه؟ و من هم الإبل المقصودة من حدائه ؟ و ما علاقة الابل ببني البشر؟ ما علاقة حادي الابل بصاحب الديوان و ناثر الأشعار ؟ أسئلة عديدة تنتظر أجوية شافية كافية...
يبتدأ الديوان بقصيدة "تكوين" و يختتم بقصيدة "غريب" و هذا الترتيب مقصود من الشاعر إذ بين التكوين الخاص و الغربة الخاصة تتناغم قصائد الديوان و تتعاضد لتأخذ من القرآن الكريم بحظ وافر معلنة بذلك عن منطلقها الرئيس و مضامين فلسفتها و روح فكرها الذي يمزج بين التراث و الحداثة و العلم و التطور و الأصالة و الذاكرة و المعاصرة... 
و اللافت للانتباه أن شاعرنا قد عنون قصيدته الثلاثة بـ"الحداء" و لكن تعمّد بأن يجعلها معرّفة ليدخل في مجالها كلّ غناء يحثّ النفس على الحركة و التدارك          و الإسراع صوب نيل المرام و بلوع الغايات.. و بذلك نبهنا  بتلك الإشارة ليجعلنا نقف عندها وقفة خاصة لكن كونه جعلها اسما معرفا يكون قد أخرجها من دائرة الاختصاص و التميز ليجعل من كلّ قصائده الموزونة و النثرية موضوعا واحدا خاصا و في حلّة قشيبة ساحرة...و هذا من روعة بيانه و جمال أسلوبه و تفرّده في الصياغة و التشكيل البناء ...
إنّ المتأمّل في عناوين المجموعة الشعرية عموما يدرك الحقائق التالية :
1.      يعتبر كلّ عنوان قصيدة مفتاح لباب  مغلق بإحكام   و المعلوم بأنّ البيوت تُأتى من أبوابها و الأبواب لن تُفتح إلا بمفاتحها الأصلية لا المقلدة منها  و لا المزيفة.. و مجموع هذه المفاتح يساهم بقوة في فتح مغاليق مجمل الديوان...
2.      يوجد تسع عناوين كاملة تتفق و دلالات عنوان الديوان "حداء" و هذه رسالة من الشاعر إلى القارئ بضرورة العناية بها و تخصيصها ..و هي : نشيد الكائن الأول - الحداء – وهبت الطير أغنيّتي – العصفور – لما طربت بذكراه – عالق فيما أغنّي – احتفاء – دمي في الصدى – أغنية...أي تقريبا  ما يعادل خمس الديوان.
3.      تتضمن بعض عناوين الديوان ألفاظا قرآنية و هي اقتباسات مكثفة عمد إليها شاعرنا لتمرير بعض رسائله إلى القارئ ..لكن السؤال المطروح هل أبقى الشاعر على مضامينها القرآنية أم أنّه أعطى لها دلالات أخرى جديدة. .و في ثنايا قصائده  الجواب الشافي الكافي ..و من بينها : الأسماء – السفينة – بمثقال ما في الحياة – أهشّ على ما تبقى من الأغنيات – مقام – سدى – تحية – آي اليقين – الحوت ...
4.      تناولت بعض العناوين موضوع الفلسفة و الجدل و الوجود و الإنسان و هي موضوعات سيقت بهدف التأمل و الوقوف عند معطياتها بلغة الشعر           و الأدب و ‘عطاء  نطرة الشاعر مكتملة  إلى الحياة و الإنسان و الوجود عموما. .و التي من بينها : تكوين – نشيد الكائن الأول – الأسماء – نهض الغياب – آخر الماشين – آي اليقين – شبهة التفاح – مدار الظن – أوهام على رأس الضوء و غيرها...
5.      تضمن أغلب العناوين لمعنى العشق الصوفي و إن لم يصرح به مباشرة       و الذي يعتبر الطابع الغالب على عناوين الديوان كمحصلة و نتيجة ..و لعلّ كل القصائد تحمل قبسا منه اللهم إلا  إذا استثنينا بعض القصائد الخاصة المناسبتية على غرار : القيروان و تحية...
6.      مضامين مناسبتية  متنوّعة كان للأنثى فيها طرفا و للوطن حظا و لبعض الأشخاص ذكرا و احتفاء كما كان للسياسة حضورا و هذا بمثابة فاكهة الديوان المميّزة..
و ما هذه العناوين المتنوعة و الثرية إلاّ مفاتح أخرى مهمة بعد المفتاح الأول المصدّر به مجموعته الشعرية و لن يبوح هذا الديوان عن أسراره و لن يسلّم لنا بقي مفاتحه إلا بركوب سفينة نوح و استخراج معاني الأسماء و النزول إلى بطن الحوت و السير على خطى  آخر الماشين و الوقوف على حقيقة شبهة التفاح و مدار الظن و باقي عناوين و مضامين مجموع قصائد الديوان..
و يبقى أهم مفتاح لفك أقفال أشعار شاعرنا إنما  هو الارتماء في دلالات          و فضاءات أشعاره نستنطقها و نحاورها و نغوص في أعماقها أملا بالعودة بكنوزها المكنونة و الموزّعة بين قيعان قصائد الديوان...
و قد اخترت ثلاث قصائد قصدا للإبحار في سفنها و إعطاء فكرة أوليّة ترشدنا لفهم مجموع قصائد الديوان ..و القصائد هي : أول قصيدة  "تكوين" و آخر قصيدة "غريب" و واسطه العقد "شبهة التّفاح"  و لن يغني الوقوف على أعتاب هذه القصائد من  ضرورة معاقرة باقي القصائد لتمام الفائدة و حصول المرغوب ...

Ø    و في التكوين إنشاء و تفعيل و إعادة تنقيب و تشكيل...
"تكوين" إشارة من الشاعر إلى رحلة استكشافية تأملية فكرية أملا في الوصول إلى شاطئ الحقائق الكبرى..حقائق الانسان و الوجود   و الاستمتاع بنسيمه العليل و منظره الجميل...  و ها هو يقف على مدرج الخيال كأبعد نقطة ممكنة وصلها و سيصلها العقل البشري مؤكدا على نضوج تجربته الحياتية  و الشعرية و جمالياتها و مختلف تقاطعاتها و نهلها من بحار الحكمة  و الحقيقة و اتصافها بالعمق و الصواب...

... و حين وصلتُ إلى مدرج الخيالْ
رأيتُ الزّمان تقلّص في نقطة واحده..
كأن لا مجال هنا للمجالْ
و بي ما يؤكد أنّي انتسفتْ

و ما لبث أن  عاد  أدراجه من بعيد بعدما أدرك حقيقة نفسه يجرّالقصائد جرّا كغنيمة ثمينة و صيد عزيز طارقا بها أبواب المحال...و في هذا مبالغة كبيرة لأن المحال من العدم الذي لا يدرك إذ أنه عدميّ في الأساس و لكنه يريد أن يوجه رسالته للقارئ بأن وُفق لطرق هذا الباب معلنا استئذانه لولوج هذا العالم الموجود إلاّ في خيال الشاعر وحده...
   
و ذاك  أنا قادم من بعيدْ
أجرّ القصيد..
و أطرقُ باب المحالْ

ثم يلتفتُ أخيرا إلى مصدر النعم الأوّل الذي لا شيء قبله يلهج لسانه بالدعاء ..و باسم الجلالة الله يستلهم منه العون و الرشاد و الهداية  و الصواب و بأن  لا يجعل امتحانه في التيه عنه و البعد عن طريقه  و أن لا يسقطه في متاهة التجرّء على جلال الله      و جماله و التلفظ  بأقوال ضالة مضلّة تكون سببا في ضلاله و فتونه و بعده عن الله تعالى.. فشاعرنا لا يعدو أن يكون خلقا ممن خلق الله يتصف بكثير من الضلال و بكثير من النقص و الضعف أمام  ملكوت الله و قدرته الجبارة الغالبة ...

إلهي فلا تمتحنّي بأنْ أعبر البحر مشيا
فإنّي الضلول.. الضئيلْ
و قد استبيح الذي لا يقالْ

Ø                   أمّنا حواء وحقيقة أكلها التّفاحة...

مع قصيدة  "شبهة التفاح"
و العنوان رمزية على غواية الشيطان لأمّنا حواء التي بقت مصرّة على سيدنا آدم عليه السلام حتّى أكل من الشجرة المنهى عن  الأكل منها كما تحكي الإسرائيليات المنقولة ...فحدث ما حدث من غضب الله عليهما و إخراجهما من الجنّة و هبوطهما    إلى الأرض للامتحان و الابتلاء من جديد...   و كأن لشبهة التفاحة إشارة مباشرة لاتهام المرأة  بالغواية و أنها السبب في معاناة البشرية و حرمانها من نعيم الجنة و في هذا تحميلها لجريرة و تبعات كلّ الشرور التي تنال من الانسان طيلة  وجوده على الأرض...
فعنوان القصيدة يرد التهمة و  يدحضها و يفندها.. فالشبهة تعني التباس الباطل بالحقّ     و تقمصه له فتغيب الحقيقة الأصيلة و يحضر الباطل الطارئ  المزيّف ليمثل دور الحق فينخدع لحيلته هذه الماكرة الكثير من الخلق و ما أكثر ضحاياه..
مقدمة قويّة تنسف كلّ ما يليها من شبهات و اتهامات...و هذه وقفة حق و مساندة للشاعر مع المرأة الأنثى إكراما لها و إنصافا...المرأة التي تعدّ الوجه الثاني للإنسانية.. عشرة أبيات كاملة لنونية فريدة  تُعلي من شأن المرأة و تردّ الأمور إلى نصابها        و الحق إلى أصحابه بلغة الشعر و الجمال و نبل الإحساس و روعة البيان ...
و من البيت الأول و دون مقدمات يعلن الشاعر صيحته المدويّة  في آفاق الزمان        مبرئا المرأة  من تهمة أكلها التفاحة و مخالفتها بذلك لأمر الله تعالى فيقول:

من شبهة التّفاح  أنت  بريئة
أنت الرّؤى في هيئة الإنسانِ

ها هو شاعرنا يسقط التهمة عنها ناسبا لها كلّ جميل و إنساني و هل يوجد أجمل من الرّؤى.. بل و نراه يضيف كل الويلات و الكوارث التي ألمّت بالبشرية إلى الرجل لأنّه منذ القديم كان و لا يزال مصدر الحروب و القتل و الهمجية و  الوحشية و ليس للمرأة في ذلك من دخل و لا نصيب  ..

يا أيّها الفقه النسيّ بما جري
إنّي أنا منذ القـــديم الجـــاني

و هذه إشارة للكيل بمكيالين على عادة العرب في تحليلها لشهر النّسي ليخلو لهم الجوّ و السّاحة   و هذا  ديدن الرجل دائما المخادعة و نسبة الشرور والمصائب  إلى غيره ظلما       و استعلاء... و في هذا البيت الشعري  تأكيدات قويّة  : إنّي – أنا – منذ القديم – الجاني – النّسيّ – خمس تأكيدات و تقريرات تؤكد نسبة الجناية للرجل لا المرأة...و الاعتراف سيّد الأدلة... و هل بعد هذا البيان من بيان...
و نراه بعد ذلك يشيد بالمرأة في صورة "مريم عليها السلام " مشيرا إليها بقوله "هزّي إليك يجذع نخلة ليلنا " و هو اقتباس قرآني لافت عير أنّه يعمم هذا الهزّ كتشريف لكل نساء العالمين  و يحثّهن  على العمل من أجل رفع الظلم الرابض على الإنسانية بعدما يأس من الرجل و نفض يديه منه...فيقول:

هزّي إليك بـجذع  نخلة ليلنا
كي تبزغ الأنوار في الأكوانِ

فالأنثى عنده بمثابة الأنوار الكاشفة للظلمة في سماوات أكوان الإنسانية المعتمة...
و هكذا تستمرّ نونيّة الشاعر نصرة للأنثى و تبيانا لفضلها و شأنها و محوريتها في عالم الإنسانية.. فتارة مصرحا و تارة مشيرا و ثالثة  مكنيا و مبيّنا كونها مصد ر الحب   و الحنان و ينبوع إلهام الشعراء و  الأدباء لقصائدهم العصماء و نصوصهم المتألقة     و بأنّها كانت و لا تزال  لأخيها الرجل الحصن المنيع و المسكن المريح و الحب المتدفق و الحنان الفياض ..و هذه بعض أبياته تؤكد ذلك :

لا ذنب  لي في الحبّ عير ربابة
تبكـــــي علــيّ مرارة  النّسيـــانِ
ذي غيمة الإصباح تمطر بالرُّؤى
كم أمطرت  غيما مـن التّحنــــانِ

و يستمر حداء المرأة الجميل الشجّي النقيّ حتّى  آخر بيت من النونية إذ يقول:

قمر و يفرح بالأهلـــة عاشق
كم من بدور صاغها وجداني
حتّى اكتمــلت سمــاء أهلــّتي
 فرّقْتُــها في مهجة الأوطــانْ

و يا لها من خاتمة قويّة تعجّ بالحكمة و العطاء و البذل و التضحية و  كلّ معاني الحب   و الوفاء...فالمرأة و لا فخر لولاها ما استمرّ نسل البشر و ما اكتملت مسيرة البشرية   و ما بقت مدائن و لا أوطان و لا حواضر ولا  حضارات و لا شعوب...  فكم أخرج رحمها المبارك  و حسن تربيتها من أقمار و بدور أضاءت ليل الإنسان و أنارت بأهلتها المكتملة المزهرة سماوات الأوطان و الشعوب...
و بعد تطواف مبارك في عولم مجموعته الشعرية ..عوالم الروح و الوجدان و الوجود و العشق الصوفي و الفلسفة و السياسة تأتي قصيدة  "غريب"  لتصور لنا محصّلة إبحاره و تفاصيل داله و مدلوله ليعلن صراحة غربته و الحسرات تقطّع أنفاسه الحرّى و الآلام تفتت أغوار روحه المؤرقة ..
و لم يخف عن القارئ ذلك حين عنونها بـ"غريب" ..اسم مفرد نكرة و كأنّ الغربة قدره المحتوم و ما  وُجدت أصلا  إلاّ من أجله  خاصة دون غيره من الناس فأصبحت من ألزم خصوصياته و من رفقة الطريق ..
و الغربة في نظر شاعرنا ليست غربة البدن البعيد النائي عن مواطن ولادته            و حواضن أهله و ترعرعه و دفء أحبابه و أقربائه و إنّما  هي غربة الروح و هي تخالط البشر و تعايشهم بدنا و واقعا و معاملة و سلوكا بيد أنّها لا تنتمي إلى عالمهم روحا و فكرا و توجها و مصيرا ... و تلك من أشدها ألما و أقساها فتكا لنفسية الشاعر و ذهنيته  و فكره...  و اسمع إليه و هو يناجي نفسه :

ذهبتُ مع النّاس
في كلّ أرض
شريد الخطى و الثّنايا
و عُدت وحيدا
أهش  - أناي -
و ذاك الغروب دمي ،
و تلك الرّياح عصايّ

و تبرز قصة موسى عليه السلام كأنّها تشاهد رأي العين حيث يوظّف قصّته في تبيان  حالة غربته و قساوة النتائج التي عاد بها من رحلته أثناء بحثه عن أجوبة لتأملاته الفكرية   و سعيه الحثيث لفك شفراتها الغيبية المستعصية ... و ها هو يقرر بأنّه في البدء لم يكن وحيدا في رحله بحثه و لكنه في نهاية الرحلة يجد نفسه وحيدا و قد تخلّف عنه الركب ليكمل ما تبقى من رحلته وحيدا شريد الخطى و الثنايا لينتهي به المطاف إلى اللاشيء ...
و الاقتباس القرآني في قصيدته سمة بارزة زادت من روعة بنائه الشّعري غير أنّه أعطى لها مضامين جديدة تتناسب و ظروفه النفسية و المكانية و الزمانية..
فعصاه التي يهشّ بها على أناه إنما هي في ثوب رياح عاصفة و ما غنمه إلا أناه      و بذلك يصوّر لنا مشهد التشتت و الحيرة و التردد التي يحياها أناه...و استعماله للرياح و بالجمع  كان عن قصد  ليستحضر القاري في ذهنه هبوبها و شدة عصفها و توزعها ليقف على مدى الحيرة التي يكابدها فكره و الشتات التي غطّى  عليه أفق رؤيته...     و يزيد مشهد الشفق قبل و بعد  الغروب وضعه النفسي قساوة و قتامة إذ يربط بين لونه المحمرّ المتورد بانسكاب دمه القاني كناية على  مدى عمق جروحه النازفة المفتوحة  من شدة يأسه و تيهه و نفضه يديه من البشر و إيثاره الغربة و العزلة عن مخالطتهم ... 
ثم يأتي المقطع الأخير عاكسا مآل غربته و خاتمة رحلته إذ يقول:

أنا الآن أسمع هذا الفراغ ،
صوت الصدى في الخلايا
غريب ..
و لا شيء بيني و بيني
...سواي

مشهد رهيب و قاس و كئيب جدا لتلك النّهاية المأسوية لرحلة بحث مضنية مرهقة     و طويلة.. ليقرر استسلامه اللامشروط و انعزاله النهائي عن البشر و الدّخول في عزلة فكرية لا يسمع فيها صوتا إلا رجع صدى تأملاته و تأوهاته متخففا من كلّ حمل و ثقل و مسؤولية ليخلوَ له  وجه أناه و لا شيء بينه و بينه غير سواه...
و هذه لمحة صوفية لافتة و مقام عشق صوفي سام دونه مجاهدات و احتراقات         و خلوات و تحلية و تخلية...و بذلك تتحد بداياته مع نهاياته ليدخل عالم العشق الصوفي من بابه الواسع و قد تطهرت روحه و توضأت...
و أعتقد جازما بأنّ بعض هذه المفاتح التي سلمتها للقارئ و مفاتح أخرى تنتظر من يجلبها و يقتنيها من ثنايا قصائد شاعرنا لتعطي فكرة أولية عن عمق التجربة الشعرية عند الشاعر الشاذلي القرواشي و توشحها بالحكمة و الخبرة و الفلسفة ناهيك عن فلسفة الجمال و بهاء الأسلوب و قوة الألفاظ و ثراء المعاني التي يزخر بها ديوانه المبارك...
وفي الختام  فإّني  أتمثل ديوانه  شجرة كبيرة  ضاربة الجذور، وارفة الظلال كثيرة الفروع و الأغصان و قد نضجت ثمارها و حان للقارئ قطافها فهيت لك أيها القارئ النّهم  المتعطّش ...
و بهذا أكون على الأقلّ قد وفّيت بجزء يسير من حقوق شاعر قدير بلغ أوج ّعطائه  نضجا  و وعيا و حكمة و  أسلوبا و تحكما و اتقانا و بيانا و دهشة و ساحرية ..                                           " و قل اعملوا فسيرى الله عملكم و رسوله و المؤمنون " .

بقلم بولمدايس عبد المالك
تونس 28/05/202
















   






تعليقات