عودة إلى الشعر ثانية


من قال إنّ الشّعر أعمى لا يرى ؟ .. و من قال إنّ عيون الشّعر مطموسة ؟... و من قال إنّ الشّعر لا يستطيع الرؤية إذا جحافل الظّلام صالت و جالت و عربدت و فرّخت ...
    ألا إنّ للشعر عيونا كاشفة ، و إنّ لها لسحرا غلابا فاتنا ...
   فما الشّعر الذي نعنيه ، و ما العيون التي نرومها ؟... أمّا الشّعر فباب من أبواب الأمل لا يدخله إلا عشّاق الكلمة الشّريفة و المعنى الشريف ...
  الشّعر هو التخفيف من شدّة آلام الواقع المعيش بالارتماء في أحضان اللّفظ و المعنى أو قل : هو حصيلة السّجال الدّائر رحاه بين اللّفظ و المعنى بعد ركود عواصف الواقع المعيش و قوا صمه ...
    و عليه فإنّني لا أكتب الشعر لزرقة عيونه ، كما لا أكتبه لكلفي الشّديد ببحوره و نظمه و إنّما أكتبه لأنّه جسر الأرواح و رسالة الّذّات للذّات و حوار الأنا للأنا ...
    و الشعر لا يحسه إلا أصحاب النّفوس الكبيرة ،و ذوو الأذواق المرهفة و العواطف المتأجّجة و الملتزمة بنظرات العقول النّيّرة و نظم الأخلاق العطر .
   و من قال إنّ الشعر غير هذا فقد افترى على الأدب الفريّة ؟؟..
    و من ثمّ فالأدب مع الله جلّت قدرته يحتّم على الأديب أو الشّاعر أن لا يكتب كلّ شيء ؛ لأنّ الاستسلام لتأملات الذات و إيحاءات الأنا يعني السّقوط في شراك الشّرك ، و فخاخ الفسق و شراك الكفر ... وحريّ بالأديب و الشّاعر المسلميْن الوقوف عند حدود الأدب مع الله عزّ و جلّ لأنه الأحوط و الأسلم و الأحكم ...
ولا يعني هذا قتل الإبداع في مهده أو خروجه مشوّها مبتورا و إنّما هو سير مع الفكرة الخالدة و الفطرة الكامنة التي لا تعترف بالحدود الزّمنية و لا الحواجز الجغرافية و لا النّزعات العنصرية... و أظنّ أنّ هذا مجلا واسعا و فضاء رحبا يسع الأولين و الآخرين ... و ما الأديب أو الشّاعر إلاّ نقطة مشرقة بداخله ؛ ثمّ إنّ للإبداع بعد ذلك حياة و صولات و جولات لا يثنيها كرّ الزمان و لا وحشة المكان و لا غربة الأوطان و الأحباب ...
     و الإبداع ببساطة بعث جديد و حياة متجدّدة لا يشارك المبدع أحدا فيها إلاّ بعض من أجزاء الماضي العالقة في جدارية الوجدان و اللاّشعور ...و أمّا الإبداع الشّعري و من منطلق التّجربة الشخصية المتعثرة فهو " الهروب من ضغط الواقع المعيش بالارتماء في أحضان مشاهد الماضي العالقة في جدارية الوجدان و اللاشعور جاءت في كلام موزون مقفى يُتغنّى به " ... هذا الشعر فما عيون الشعور ؟؟.
  إنّ عيون الشّعر ليست كعيون البشر و الطير و الحيوان ؛ و إن كانت تأخذ من تلك العيون محامدها و أحسن ما فيها من حدّة و حدق و كشف و تجليّة و ترصد و ذاتية ...
   و من عيون الشّعر الكلمة الطيّبة الشريفة الملتزمة التي تكشف عن الخطأ فتصححه بأحسن لفظ و ألطف معنى و أيسر قول ....
   و من عيونه النّصيحة العزيزة الدّافئة الحانية التي تنساب عبر تموجات النّفس حادية شادية فتتركها عاشقة والهة ...
   و من عيونه الإشارة الخفيفة و الانتقال السّريع بين فضاءات النّفوس و بساتين الأرواح و رياحين القلوب...
    و من عيون الشّعر اللفظ الرنّان الرزين الذي له مع آذان القلوب فنون و أحوال ....
   و من عيونه الانطلاق الواعي من شاطئ الأصالة الآمن و الاغتراف الواعي من بحار المعاصرة الطامية .. 

تعليقات