مع ديوان "حين ترحلُ أزهار الدّار" للشّاعرة الجزائرية وفاء بن حمودة في سيميائية العنوان

مع ديوان "حين ترحلُ أزهار الدّار" للشّاعرة الجزائرية  وفاء بن حمودة


 في سيميائية العنوان

لكلّ بناء معالم تميّزه ، و هويّة تعكس أصوله و مراجعه، وآثار تدلّ عليه أثناء أو بعد اختفائه..حقيقة كونيّة لا تتخلّف ..و النّظرة الأولى لعنوان المجموعة الشّعريّة للشّاعرة وفاء بن حمودة تقحمنا و بقوّة لفكّ شفرات هذا العنوان العاطفي ..مجموعة مفاتح يدور حول قطب  رحاها خلفيّات فارقة، و مفارقات مثيرة ، و منافع كثيرة لمن رام بلوغ مداها، و التّربّع في عرش تلك الدّار المباركة الميمونة بما تخفيه من ذكريات و أطياف حفرت في الذاكرة الشخصية و هاهي عبر جسر شاعرتنا تدخل الذّاكرة الجمعيّة من بابها الواسع.. حين/ترحل/ أزهار/الدّار..أربعة معالم مميّزة تضع القارئ في جادة المجموعة الشّعرية ، لكلّ منها مفاهيم و قراءات منفردة أو مجتمعة ، و هنا تكمن المفارقة، و تقيم الدّهشة و نزداد كيل بعير؟..

"حين" و ما أدراك ما "حين" ؟ ..ظرف مبهم لزمن ما يطول أو يقصر، و لا يتعلّق بزمن معيّن بل يضمّها جميعا و لا يتحدّد زمنه إلاّ بمعرفة السياق و إدراك المقام و هذا غير متاح حاليّا لاقتصارنا على هزّ ليّن للعنوان ..و يصبح ممكنا إذا ولجنا صلب الديوان من تقديم و إهداء و نصوص شعريّة فلذلك فالجواب مؤجل إلى حين..

و من معاني الحين في اللغة الموت و انقطاع الأجل ..تلكم حقيقة بارزة تتناغم و الرّحيل و الداّر و كأنّي بالشّاعرة تجمع هذه المفارقات المتناسبة و المتوازنة ألفاظا و معان و بذلك تضع لنا أول مفتاح أساسيّ في فهم مدلولات ديوانها..

"ترحل" من الرحيل ..غياب الأحبّة أشخاصا و أرواحا أو كليهما ..و "ترحل" فعل مضارع يفيد التجدّد و الاستقبال و كأنّها تقرّر حقيقة كونية لا تتخلّف تتمثل في ضرورة مغادرة و رّحيل من نحبّ أو نكره  يوما ما ،إن لم يحدث اليوم فغدا و كما حدث بالأمس..مصداقا لقول النبيّ محمّد صلّى الله عليه و سلّم :"أحبب من شئت فإنّك مفارقه "..و لا يخفى على القارئ ما في الجمع بين "حين" و "ترحل" من توليدات دلالية و اشتقاقات بيانية ..فالرّاحلة تعني مثلا التّنقّل بين حال و حال ، و مكان و آخر ، و أحبّة و أحبّة..كما أنّها تعني ضرورة التزود في رحلة الإنسان الكبرى و تنقّله بين مراحل عمرية ، و دورات زمنيّة من دنيا و آخرة و بعث و خلود.. و الرّحلة تعني كذلك تغيير الأجواء النّفسية لملل أصابها أو فتور ألمّ بها أو لشيء آخر ..و لو فتحنا باب الرحلة و الرحيل أكثر لما وسعها أطنان من الكتب ، و أودية من المداد..

" أزهار الدّار" ..إضافة الأزهار إلى الدّار لمسة بيانيّة فنّية مدهشة ..فبدل من أن تضع الشاعرة وفاء لفظة "الأحجار" استبدلتها بلفظة "الأزهار" و هنا ينجلي إبداع الشّاعرة و تفرّدها و فراستها و سموّ روحها ، و نباغة ذوقها و رهافة إحساسها ..فلو عبّرت بالأحجار لوفـ و استوفت لكن للذوق الجميل سلطانه و حكمه..فالأزهار تقابلها الأزهار لكن الأحجار لا حياة فيها و لا حركة و لكنّ الأزهار عكسها تماما لما تحمله من رمزية ..تعدّد الألوان و الأشكال و الأحجام..لين ملمسها ..تناسق أوراقها..بركة طلعها..جمال تناسقها..و أخيرا تعوّض شذاها و ملئه للأرجاء و تذكيره بمن رحلوا يوما من الدّار ..و هذا ربط بين الماضي و الحاضر و المستقبل و هنا تكمن الدّهشة من جديد و يحلو المقام ..

"الّدار" مصطلح يعني الكثير عند الأسر الجزائريّة ، و في التّراث المحكيّ و له وقعه و تأثيره في نفوسهم .. الدّار تعني اعودة إلى الأصول و المراجع الأولى..الأم و الأب..الأهل و الأقارب..الوطن ..الدّين..كلّ المرابع الأولى ..و لكن حبّ من سكن الديّار كما قال المجنون..

"الدّار لكبيرة إذا ما تعشيتش تبات دافي" "الدّار دارنا و احنا ماليها" و أمثلة شعبيّة كثيرة ليس هنا مجال بسطها..

نلحظ بأنّ كلّ مفردات العنوان قد وظّفت بعناية فائقة و دراية فاحصة سابقة لتعطي معانيها الدلالية إذا ما أفردت و تبلغ قمتها حين تقرأ مجتمعة .. أمّا إذا جئنا لنقرأها قراءة تداوليّة فسنجني العجب العجاب..فالعنوان يفتح أبوابها لكلّ مهموم حزين و يرشده إلى ضرورة النّظر إلى النصف المملوء لا الفارغ لأن الذين رحلوا لم يموتوا بعد بل هم أحياء خالدون بأطيافهم و ذكرياتهم و مواقفهم و أحاسيسهم..و كأنّ أرواحهم العطرة قد انعكست في كلّ حدرة من أحجار با أزهار الدار على حدّ تعبير الشاعرة الأصيلة..

و القراء ة العكسيّة للعنوان على سبيل المخالفة تقول ملء فيها  : أزهار الدّار لم ترحل بع و إن رحلت أشخاصها المادية " و هذا أجمل ما في العنوان وهذه حقيقة  فتكشف عن وجهها الجميل حين نبحر في نصوص هذا الدّيوان الراقي الميمون...

الجزائر في 15/03/2023   

تعليقات