مفارقات صادمة في قصيدة للشاعر التونسيّ شمس الدين العوني
مفارقات صادمة في قصيدة للشاعر
التونسيّ شمس الدين العوني
بعض القصائد لا تحتاج إلى عناوين توضيحيّة و لا إلى مقدّمات تشويقيّة ·بل
تحملك عنوة للولوج في عوالمها و من أخصّ أبوابها و أوسعها و ليس كباب النّداء من مدخل
آمن يسع الوجود برمّته .. و النّداء معروف
و يكون بين طرفين و ما "ها" إلا لازمة لأيّ وإنما سيقت للتنبيه ..
و
المفارقة في هذا النّداء أنّه بين عاقل و جماد غير عاقل فهل للشمس عقل يفقه
النّداء و يدرك معاني الكلمات ..أم هللها أداة سمع تلتقط بها الأصوات و تفقهها و
تميّز بينها ،ثمّ لغتها هي من جنس لغتنا
حتى تمرّ الرسائل في سلاسة و وجلاء ..تلك
مفارقات صادمة يصدّر بها الشاعر شمس الدّين العوني قصيدته النّثرية ،و هذا من سعة
خياله الجارف الهادر و أسالبه الفنّية البيانيّة.. نداء
مغلّف بتعجبّ يأمل الشاعر أن يسمع جوابا من الشمس نفسها و ما تكراره - يا أيّتها - للنداء ثلاث مرّات
إلاّ ليؤكد عن شيء في نفسه حرّك فيه أوتار نفسيته الشّاعرة و هيّج قريحته الشّعرية
فراح ينسج لنا هذه المقطوعة البديعة..فما السرّ وراء هذه النّداءات و تكرارها ؟تساؤلات
تبحث لها عن إجابات شافية كافية..
المقطع الأوّل:
أيّتها الشّمس
المطلّة من شرفات صباحاتنا
ولا تتعب من نبض هذا التكرار
للصباحات شرفات تعلوها سماوات و تتوسطها قرص شمس
مثقلة بالدفء و الحرارة و النّبضات ..و برتابة و تكرار تعاود الشمس ظهورها عند كلّ
صباح دون ملل و تعب و لا تأخر تجدّد فيه عطاءاتها
و هداياها في شكل منح قد تشكّلت في هيئات قصائد هي بمثابة عملية النتح للأشجار
التي كان لضوء الشمس فيها حصّة الأسد .. و ليزيل الشاعر عن نفسه حجاب التعجّب يذكر
لعطاءات الشّمس و منحها ثلاثة أشياء و بصغة فعل المضارع الذي يفيد التكرار و
العودة و التجدد و المستقبل المفتوح.."تمنحين" "تضيئين"
"ترسلين" ليزيل بهذا الثّالوت بعضا من أتربة ذاك التّعجب الذي أرّقه ..المنح
و الإضاءة و الإرسال هي سرّ ديمومة الّلغة و تمايز القصائد و إشاعة المرح
اللامتناهي بين الوجود و الحياة و كلّ ما ينتمي إليهما من قبل و من بعد.. و انظر يعين الروح الكاشفة و بلغة الشاعر نفسه و
تأمّل:
تمنحين الأشجار
شيئا من القصائد
تضيئين دروب
اللّغة
وترسلين المرح
الخالص
في الأرجاء...
المقطع الثّاني:يتوزّع هذا المقطع بين نداءين أو بي
شمس مرّة معلّقة و مرّة قلقة و بين
التعليق والقلق تترنّح تساؤلات الشاعر التونسي و لا تجد لها إجابة وافيّة في نهاية
المطاف لأنّ نور وهجك و سخاء عطائك أخفى عنهم و هم العاشقون المتيّمون حرائقك
المعلنة التي أتت على اليابس و الأخضر..و هذه مفارقة أخرى يتعجّب لها الشّاعر
الموجوع القلق.. و المفارقة الكبرى أن الشّاعر لم يبح بطبيعة اللونين و ترك القارئ
في حيرة من أمره..بل و ترك باب الاحتمالات مفتوح على مصارعه..أخضر و أحمر..أبيض و
أسود..خير و شر..فرح و حزن..ثنائيات مفتوحة إلى ما لانهاية ..و بهذا الغموض يختتم
الشاعر شمس الدين العوني قصيدته ليعطي الحياة و الخلود لقصيدته و يضيف لها نبضات
أنفاس تعينها على المضيّ أكثر و إن طالها بعض القلق و الغموض..
أيّتها الشّمس المعلّقة
في البهاء...
تفعلين كلّ ذلك
وتعلمين أن لا أحد
يفكّر في حرائقك
أيّتها القلقة
بين لونين...
كم كنت أودّ أتستمر الرحلة و لكن لكل بداية محطة تزود
و فوائد و نهاية و كم كانت رحلتنا قصيرة جدا و لكن ماتعة و ممتعة..
الجزائر في 13/08/2022
بولمدايس عبد المالك


تعليقات
إرسال تعليق