طريق مفترق في قصيدة أرق..على أرق للشّاعر التّونسي منير الصويدي

 

طريق مفترق في قصيدة أرق..على أرق للشّاعر التّونسي منير الصويدي



للأرق ظاهرتان..إما ظاهرة عدم استطاعة الفرد النّوم عموما أو عدم قدرته على الاستمرار في النّوم و بحسب عنوان المقطوعة فهو أرق مضاعف يشمل النوعين و ذاك من أشدّ الأرق و أألمه على النّفس و هناءتها و القلب و اطمئنانه ، و الرّوح و سعادتها..عذاب نفسيّ مستمرّ ما ترك شيئا إلا و جعله يتجرّع الأنّات و الحسرات و الزّفرات كمدا و وجدا..أرق جعل من الشّاعر كتلة نفسيّة معذّبة تراها العين و تلمسها الحواس ..و المقطوعة وحدة موضوعية نفسيّة أطلقها الشّاعر دون تحديد سبب هذا الأرق المضاعف مكتفيّا بوصف آثارها المدمّرة على النّفس و ما يتركه من بؤس و عناء و هجر و دموع و مواجع ... و كم وددت كقارئ أن أهتدي إلى طبيعة تلك المعاناة أو تلك الليلة التي لا تشبه الليالي و لكن ليس كلّ ما يتمنّاه الفرد يدركه ...المقطوعة الشعريّة من البحر الكامل و تتناسب و عنوانها و يتقاطعان و يتحدان في تصوير الحسرة العرمة و الشدن الكبير الذي خلفته مجرد تذكر تلك الليلة المنصرمة ذات يوم ..و سأعتمد في بيان ذلك الأرق المضاعف و المتجدد و المستمر عبر عملية إحصائية لمفردات حقل الأرق الذي يعكس نفسيّة الشاعر ذاتها..

الحقل الدلالي "الأرق": البؤس/العناء/الرّحيل/الإرتباك/الهجر(02)/النّار/الإكتواء/اللّهيب/العبرات/الظمأ/النّحيب//المواجع/الإذكاء/السّعير/ السّديم/الكرى/السّهد/الاستكانة/ 18 مفردة دون حساب التّكرار تعكس حجم هذا الأرق الذي ألمّ بنفسيّة الشّاعر منغصا استقراره النّفسي و طمأنينته الرّوحية قياسا بعدد أبيات المقطوعة الخمسة القصيرة نسبيا..

و بالنّظر إلى محصّلة هذا الحقل الدّلالي نكاد نلمس نفسية الشّاعر الملتهبة و شدّة المعاناة الكبيرة التي سدّت عليه آفاق الرؤية و الانطلاق و التّحرر ..فالشّاعر سجين تلك المشاعر النفسيّة التي تسببت في وقوعه ضحيّة أرق مضاعف مستمر مفتوح  كلّا تذكّر تلك الليلة المميّزة المثيرة في حياته خاصة ..فمنذ تلك الليلة المنصرمة باتت كلّ لياليه أرق في أرق و للذكريات و حديث النّفس و محادثتها فعل النّار حين يزداد لهيبها و احتدامها فلا تترك أخضر في نفسه إلا و أحرقته بله يابسه ..و في هذا الوضع الملتهب تتهاوى العبرات و الدّموع معلنة بلوغ الألم مداه و البؤس أقصاه حتّى الحبّ فيها أضحى من الذكريات القلقة المقلقة لغلبة دفة ميزان الألم و الحسرة و الخيبة و ما الارتباك الذي طاله إلا أثرا من آثار تلك الليالي الشّقيّة المؤلمة... و المفارقة في صدمة القفلة حيث صرّح:

هَل تَستَكِينُ العَيْنُ..

دُونَ  مُرِيدِهَا..؟..

فنراه يشير لتلك الليلة المفتاح و كأنّها روح بشريّة تسري لها قلب رحيم  و سمع رهيف و يقرّر في تساؤل بأنّ النّفس لن تهنأ و لن تستقرّ إلا في أحضان مريدها ..هكذا بضمير الغائب المتصل دون إفصاح و لا ذكر لهوية هذا المريد الغامض المنقذ..

و هذا تأكيد آخر على تعمّد الشّاعر إخفاء هذه الليلة الخاصة أين التقت نفسه بمريدها فحدث الذي حدث و بهذا يفتح الشّاعر منير الصويدي باب الاحتمالات و التّساؤلات عن طبيعة هذه الليلة ..هل هي ليلة خاصة صوفيّة من جنس العشق الصوفيّ و الشّاعر مشتهر بتلك القصائد الصوفية العاشقة ؟ أم أنّ تلك الليلة قضيّة كبرى يحملها الشاعر في نفسه و قد رأى النسيان قد طالها و الظلم قد غشيّها و التشويه قد حاصرها ؟ أم أنّ تلك الليلة هي قطعة تاريخية لأمّته التي استحل عرضها كلّ ساقط ذليل؟ أم أن تلك الليلة ليلة خاصة عاقر فيها رضاب حبيبة غائبة أو تقلّب فيها بين أحضان أمّ رؤوم و أب رحيم أو و ألف أو...كم كنت أرغب في الوقوف على طبيعة تلك الليلة الغائبة الحاضرة في نفسيّة الشّاعر و لكن للغموض فوائده أدركها من أدركها و جهلها من جهلها ..و بعد هذه الرّحلة الممتعة أترك أخي القارئ مع نص القصيدة لتستمتع على أنغام أرق مضاعف مفتوح:

أرَقٌ.. علَى أرَق  (عنوان المقطوعة)..

يا ليلةً تَزْدَادُ..

بُؤْسًا كلّمَا..

حَدّثتُ نفسِي..

عَنْ عَنَاءِ رَحيلِهَا..

الحبُّ فيها..

ذكريَاتٌ مُرْبِكَهْ..

والهَجْرُ نَارٌ..

أكْتَوِي بِلَهِيبِهَا..

هَذي عُيُونِي..

تنَاثرَتْ عَبَرَاتهَا..

والرّوحُ ظَمْأى..

تَنْتَشِي بِنَحيبِهَا..

أمّا المَوَاجِعُ..

فالقُلُوبُ ضِفَافُهَا..

تُذكِي سَعِيرًا..

خامِدًا بسَدِيمِهَا..

هجر الكَرَى..

أجفانَنَا.. يَا سُهْدَهَا..

هَل تَستَكِينُ العَيْنُ..

دُونَ  مُرِيدِهَا..؟..

بولمدايس عبد المالك /الجزائر

17/08/2022

  

تعليقات