يوم في الغربة..

يوم في الغربة..



كعادتي عند كلّ صباح أتناول فنجان قهوتي في مقهى قريب من منزلي، أتناوله واقفا وعلى عجل فإذا وجدت المقهى عامرا يعجّ بالزّبائن والضجيج انزويت في زاوية من الفضاء الخارجيّ التابع للمقهى لأخلو بنفسي للحظات.. ومن حين لآخر أرفع رأسي متأمّلا حركة الناس ذهابا وأيّابا لعلّ مشهدا يشدّني أو موقفا يستوقفني أو سلوكا عابرا يثير انتباهي فأفتح معه بابا من الأحاديث والخيالات..

فالغربة تعلّمك أن تصمت طويلا، وتراقب كثيرا وتتحدّث قليلا فأنت في موطن غير موطنك وأمام أناس لا تدري ما يخفون في أنفسهم وما يضمرونه لك من مشاعر ومواقف.. فمن اغترب عن وطنه وأهله وجب عليه أخذ الحيطة والتّسلح بالحذر وأن يحسب تحركاته وتصرفاته حسابا دقيقا لأن ثمن الخطأ باهض وربّما قاتل مهلك؛ فإذا أردت أن تدرك المعنى الحقيقي لأهلك فتغرّب؛ فالمرءْ عندما يألف أمرا ويعتاده قد ينسى قيمته ومكانته وفضله ولكن عندما يفتقده وخاصّة في وقت الحاجة الماسّة إليه يقف مكرها مدركا قيمته النّفيسة وتأثيره الفعّال في تغيير النتائج ومسار الأحداث.. وهذا درس بليغ من فصول كتاب الغربة المثير..

وهنا أفتح قوسا على طريقة طه حسين رحمه الله لأتساءل والقارئ: لماذا نرى شبابنا في الغربة يحترمون نظم الدولة التي يقيمون فيها بينما نراهم في أوطانهم الأصلية يقعون في محاذير كثيرة ولا يبالون بل بعضهم يبلغ إلى درجة السّخط المطلق والتّمرّد العلني؟ ألم نسأل أنفسنا لماذا؟ ألا نّ الغربة تجيب بلسان عربيّ مبين.. لأنّهم في وطنهم يشعرون بانتمائهم وأحقيّتهم في كل شبر من أرض وطنهم.. يشعرون بالأمن والأمان بين أهلم وأحبائهم وجيرانهم وعموم أفراد شعوبهم...أليس الوطن مرتع آمن وحضن دافئ...ذلك هو الجواب الذي طالما بحثتّ عنه.. وكنتيجة عامة فالإحساس بالأمان وطمأنينة بين الأهل وفي ربوع الوطن قد يوقع صاحبه في محاذير ويجعله يتجرأ ويعارض وربما يفسد...أغلق القوس وأعود إلى حديثيّ السّابق..

أتعدّل ارتشاف فنجان قهوتي لأقوم مسرعا أحثّ الخُطى أسترق دفء حرارة شمس هادئة لأجدّد بها تسارع حركة دماء جسميَ وأغيّر بها صفحة قديمة ...فما أكثر الصفحات التي لابدّ للمرء أن يطويَها فاتحا صفحات جديدة بل ملاذات فرار وممرّات نجاة جرّاء ذكريات جاثمة نازفة وهواجس تراكمت واستفحلت وهموم سدّت على النّفس آفاق رؤيتها وأحالتها سردابا مظلما مطبقا مخيفا..

بعد ربع ساعة من السّير الحثيث على الأقدام أصل إلى السّاحة العامة عندها أقف برهة لأقرّر. هل أنضمّ إلى مجموع رواد المكتبة العامة وأشاركهم رحلتهم في خفايا التّاريخ وزواياه أم أفضلّ الجلوس على المقاعد المخصّصة للزائرين؟..  يبقى القرار رهين توجّه النّفس ورغبتها وميل القلب واختياراته في تلك اللحظة الفارقة.. فالوقت كالسيف إن لم تستغلّه وتستثمره ضعت وشردت وخرجت من الدّنيا تجرّ خيبات حسرة مريرة وأثقال تفريط مريع..

فأمّا إنْ اخترت المكتبة العامة فسأعمل جاهدا على اختيار العنوان المناسب طبعا بعد رويّة ودقّة فعمري الخمسيني وخبرتي المتراكمة تحتمان عليّ طبيعة الاتجاهات المعرفية والفكرية التي ترغبها روحي الظمأى للحرف والكلمة والمعنى وتداعيّاته..

وهناك أغرق شيئا فشيئا في أعماق الفكر والأدب والشّعر لأخرج بعد سويعات وقد ارتوت نفسي مرددا في قرارة نفسي هل من مزيد.. هل من مزيد.

وأمّا إذا استحسنت نفسيَ الجلوس في الهواء الطّلق فإنها لا محالة فستستثمر رحلتها الدّاخلية وتستفزّ مكنونات رابضة بكلّ الطرق الممكنة والأساليب المتاحة.. فالسّياحة الباطنية النّفسية تعلّم الانسان حسن التّفكير وحسن استثمار اللحظة ومحاولة البلوغ بالنّفس إلى أقصى نقطة ممكنة من عالم الوجدان الباطني المشحون والمثير. ففي القراريْن أنا الرّابح طبعا.

فاستثمار الوقت في الغربة ضرورة من الضرورات التي يفرضها الواقع المعيش إذ أنّه يندرج ضمن الالتزام العام والدّقيق بنظام الدولة المستفيضة؛ فمن أهمّ ما يتعلّمه المغترب حسن التّقيّد بالنّظام.. نظام البلد المستضيف من جهة ونظام حياتيّ صارم مخصوص..

ففي الأوّل عدم الالتزام يعني التّرحيل وفي الثاني يعني الجوع والفقر والتّشرد والمعاناة..           لا تنتظر في الغربة أن يرحمك أحد أو يشف عليك وإن حدث وحصل لك شيء من ذلك فإنّما هو من الشاذ الذي لا يقاس عليه فليس في كلّ مرّة تسلم الجرة كما يقال..

ففي الغربة يدرك الغريب معنى "من أساء الأدب طاله العقاب" وأنت مجبر بالتّقيّد بالنظام حرفيا ولو لم تكن مقنعا ولا راضيا.. تفعل ذلك على سبي الإجبار لا على سبيل القناعة والاختيار.. لست مخيّرا أيّها المغترب فأنت في بلد غير بلدك وبين أهل ليسوا بأهلك.. بعدما أشعر بالرّي والرّضى أغادر لأقتنيَ بعض الحاجيات الضروريّة من خضر وفواكه وخبز ليبدأ طور جديد من نظامي الثاني الخاص أحضّر فيه ما يسدّ جوعتي ويحافظ على سلامة بدني وعقلي إذ المرض في الغربة قد يعني ببساطة ووضوح نهاية المغامرة والعودة إلى الدّيار محملا على الأكتاف أو فارغ اليدين مثقلا بالخيبات والنّكسات..

هي سويعات أخرى أقضيها بين مطبخي الصّغير وحاسوبي.. عين على الفكر وعين على الطّعام وعين ثالثة على الأهل وأحوالها.. هي تقاطعات تعلّمك قيمة الأشياء التي تحيط بك          أو التي تبعد عنك أو التي تفتقدها أصلا..

أنتظر عودة ابني مساء من مخبر البحث وكلّي شوق وحماس.. وما هي إلاّ لحظات قصيرة ويلج ابني المنزل لنفتح معا فصلا جديدا وإنْ بدا روتينيا في نظر البعض.

نصلّي العشاء بعد أن نكون قد تناولنا ودبة العشاء السّاخنة ليتّجه كلّ واحد منّا إلى أعماله المعتادة..

 بلهفة الأب أفتح جهازي الحاسوب لأتّصل بالعائلة سائلا عن أحوالهم فردا فردا و بشيء من التّطويل غير الممل و لا المخلّ ؛فعائلتي تعدّ بالنّسبة إليّ كلّ شيء فسعادتها من سعادتي      و ألمها من ألمي و كم يزداد الجرح اتّساعا و الألم إيلاما حين تشعر في قرارة نفسك بأنّك عاجز عن تقبيل قلوبهم الجيّاشة  و ضمّهم إلى حضنك و خاصة إذا شعرت بأنّ أحدهم في حاجة ماسّة إلى يد عونك فتكتفي بالدّعاء العريض لهم و بعض الابتسامات المصطنعة و قلبك يحترق احتراقا    و قد سيطر الحزن بأجناده على شغاف قلبك ..ذاك شعور لا يعرف ألمه إلاّ المغتربون ..

ساعة أو ساعتين أو أكثر أقضيها بين العائلة وأحوالها والإبحار في عالم النت لعلّني أظفر بشيء ذي بال وقيمة..

 

تعليقات