بكائية حلب بين حرف مرتقب و معنى مستلب للشاعر السّوريّ عبدالحميد ملحم

بكائية حلب بين حرف مرتقب  و معنى مستلب  للشاعر السّوريّ عبدالحميد ملحم



البكاء على الأوطان أشدّ مرارة على قلب الفتى العاشق المحزون..و الوطن في حقيقته قطعة من الفؤاد إن تخلّفت عاش صاحبه طول حياته مشرّدا منبوذا ..الوطن للقلب حضن دافئ و ملاذ آمن و حياة ثانية و ثالثة         و رابعة..

و عندما يبكي الشاعر وطنه بحرف دامع و معنى نازف فتلك علامة بلوغ اليأس أوجّه و الحزن غايته لأن الشاعر دائما ما يكون آخر المغادرين على غرار ربان السفينة و قائد الطائرة و زعيم الثائرين...و هذه القصيدة للشاعر السوري عبد الحميد ملحم صيحة في فراغ أطلقها بعدما استفذ قدراته الممكنة عساها أن تجد آذانا مصغية في عالم تنكّ{ر للقيم الإنسانية ..عالم لا يؤمن إلا بمصالحه و مصالحه و فقط..

و مدينة "حلب" و ما أدراك ما حلب ..حلب الشهباء مدينة الهواء و طواحين..مدينة العلم و العلماء..مدينة تتنفس بمليون رئة ..أهلها طيبون و ترابها ميمون و داخله آمن مأمون...و يكفي العاقل جولة في متون التاريخ ليتبين له الخيط الأبيض من الأسود من الروعة و الجمال و الحضارة و الرقيّ و السناء..و تبتدئ القصيدة بجملة تساؤلات    و ما هي بتساؤلات و لكنها تقرير لفظاعة ما آلت إليه حلب و مصائر أهلها ..و ما طال أهلها من تشريد و ضياع و ضعف و هوان و ما أصاب ترابها من قحط  و يباس و جذب و هجران..حتى أنّ الشعر الذي كان يشربه أهل حلب شربا سائغا و يدار في كؤوس مجالسهم بين الجلساء و الحضور قد استحال إلى مشرّد منبوذ يبحث لنفسه عن دار قرار أو كأس تدار أو ظهر يستند إليه في غربته الممتدة المتقرّحة النّازفة ...

لا طعم للشعر ..لا كأس له..لا ظهر يسنده..لا رجل يمشي بها..لا قطهة خبز يقوي بها صلبه المتهاوي..لا ناد و لا مجلس..لا أرض و لا تراب فقط وعود مهترئة..و تصريحات مخادعة..و بيانات منددة و مزيدا من التشريد    و التهجير و التفقير و المخيمات ...و تأمّل هذه الحال على لسان شاعر بل فارس من فرسان الشعر :

على  أي  متن  أحمل  الشعر  يا حلبْ؟

وظهري  من  قش.....

وساقاي  من  قصبْ!!

ومن  أي  راح.....

أُشربُ  الحرف  رشفة

وفي  الكأس  لا خمر......

وفي  الكرم  لا عنبْ؟

و يواصل الشّاعر وصف حالة حلب و أهلها و ما آلت إليه قصيدته المشرّدة الباحثة لها عن قطعة خبز       و رغيف تسدّ الرمق و تحيي شموع الأمل المنطفئة..و تختلط الأشياء في مخيّلة الشّاعر و تتداخل و يمعن الشاعر       في تصوير غربته و غربة وطنه و قد طال أمد الغياب و استفحل و لا حلّ في الأفق و لا أمل يحوم و لا صوت نجدة يسمع و يتردد..و ما حيرة الشّاعر و اختلاط أجزاء الصورة في نظره إلاّ من هول الصدمة و مآلات الوضع المتردّي    و قسوة القريب و البعيد و الغريب ..و يستحضر الشّاعر قصة يوسف عليه السلام و لكن بنهاية مخالفة و تراجيدية أشد إيلاما و جرحا و قد أجذبت الأرض و غار ماؤها و يبست سنابلها و لا يوسف لها ..تصوير بليغ و تشبيهات فاقت الروعة و القسوة و الحسرة و كنايات متظافرة و مجازات مرسلة ..كلّها تؤول إلى خاتمة حزينة و نهاية مؤلمة وحيدة  هي غرق حلب و أهلها و تاريخها في مستنقع التهجير و التشريد و النسيان...

وأي  رغيف....

سوف  يغذو  قصيدتي

إذا  كانت  السبع  السنابل  في  سغبْ؟

ولا  عام  غيث  في  تآويل  ما أرى

به  يرتجى  المأمول.......

والخير  يرتقبْ

و هاو هو يصوّر و الأسى يقطّع أكباده قسوة غربته و قد ترامت حلب و أهلها بين أحضان المنقذين من عرب و عجم و لكن لا أمل ابتسم لهم و لا حل  بدا لهم في الأفق المرتقب ...مجرّد وعود للإشهار و ذر الغبار لتبقى لغة الألم هي المسيطرة المتحكّمة و تتواصل غربة قصيدته الحلبية الأصيلة حتى أنّ الدموع قد جفّت من شدّة البكاء     و أضحى الأحرار بين سجين في العتمات و دهشة و اندهاش من هول ما يرى و يعيش...فلا إخوان الدم و القرابة كانوا لها حصن و متن و ذروع و لا الغرب المداهن المخادع وفّى بوعوده و شعاراته التي ملأت الآفاق صخبا          و صراخا..و ما أألمها من نهاية و ما أقساها من مصير و ما أخزاه...دمار يعقبه دمار يتلوه تهجير و هوان و يحفّه إهمال و ترك مع سبق إصرار و تعمّد...و أتركك مع توصيف الشّاعر للوضع النازف بلغته التي تجمع بين قوّة اللفظ    و جزالة المعنى و شدّة  الألم و حرق الحنين و قسوة الذكرى و خيبة الوعود..لغة جمعت كلّ هذا و زيادة:

عربتك...لم  أُفهم...

فأعجمتك  الهوى

لعلي  إذا  أعجمت  تفهمني  العربْ

تريدين  أن  أبكيك؟

حرفاي  واحد.....

سجين  لدى  حزني

وآخر  مستلب

و يختم الشاعر عبد الحميد ملحم قصيدته بقفلة حزينة موظفا لغة الشعر التي ركب متونها دهرا من الزمن ليؤول حاله و حال حلب و أهلها إلى أسوأ حال و قد استفذ آخر ما في كنانته من سهام و هو الملقّب بفارس المنابر و ها هو يمشي على الرّكب بعدما خانته أقدامه و خارت قواها كناية على استيفائه لكل الوسائل الممكنة في سبيل وطنه و لكن ها هو في نهاية المطاف يمشي على الرّكب كآخر جهد متبق من قوّة و رمق...

فالشّاعر لم يكتف بقول الشعر كسلاح وحيد بل بلّغ قضيته في كلّ محفل أتيح له و منبر صعد إليه و لكن لم يجن من نداءاته إلا مزيدا من الخيبات و اليأس و بذلك يذبح آخر حمامات المُنى و يسلم زمام شعره  لقبضة الأطلال يبكيها  و تبكيه...

بلا  سبب......

أحيا  بك  الشعر  متعبا

وأفنى  على  أطلال  شعري  بلا  سببْ

مشيتُ  به  دهرا..... على  قدم  المنى

فلمّا  قضى  يأسا.........

مشينا  على  الركبْ

حياة الشّعر بقوة القضيّة التي يحملها الشاعر فكيف إذا كانت القضية وطنا يغرق و أهلا يشردون و تاريخا يمحى..و الشاعر قد وصف فأبدع و بلّغ فوفّى الذي عليه بلغة شاعريّة ضمّنها مشاعره و آماله و أفراحه و أحزانه         و خيباته ...و حين تلتقي لغة الشّعر بلغة المشاعر الصادقة ينقاد الابداع انقيادا و تسمو القضية في مقاماتهما سموا بعيدا و تحيا في سماواتها و لسوف يأتي اليوم الذي تعاود فيها الكرّة من جديد لتخضر تلك السنابل السبع و يصفرّ القمح    و يجتمع الشّمل و يحيا الكل في ظل يوسف آمنين مأمونين و باللّه التوفيق.

بولمدايس عبد المالك

الجزائر في 12/06/2022 

تعليقات

إرسال تعليق