همسة في أُذن النّقد..الشّاعر التونسي الشاذلي القرواشي و مدرسته الجديدة ..

همسة في أُذن النّقد..الشّاعر التونسي الشاذلي القرواشي و مدرسته الجديدة ..



بين العشق الصّوفيّ و المدرسة الرّمزية يحطّ الرّحال شعر الشاعر التّونسيّ الشاذلي القرواشي ..فالتّصوف عموما في شعره له اتجاهان ..اتجاه عمودي رأسي فلسفيّ تأمليّ و اتّجاه أفقي متناغم مع الأشياء و الأسماء و الألوان..و مدرسة التّصوّف هي أشهر من نار على علم و ما الحلاج و ابن عربي إلاّ قطرة صغيرة في محيط هادر من الأسرار و الكرامات و الفيوضات الرّبانيّة..و المتأمل لشعر الشاذليّ  يلاحظ تصاعدا مستمرّا منكسرا تارة و متسارعا تارة أخرى ليصل إلى أبعد الحدود الممكنة التّي قد يبلغها عبد من عباد الله تعالى ...و تنطلق رحلته من الأسماء و الأشياء و مسمياتها لتلج فضاء الألأوان و تستمر صاعدة لتضمحل الألوان و تتلاشى من جديد لتحلّق في عالم الأنوار الكاشفات ثم تبدأ الأنوار بالتلاشي و التناقص لحساب الإشارات الرّبانيّة الخفيّة لتصير اللّغة عاجزة في فهم تلك الإشارات و عاجزة بدالها و مدلولها عن التّعبير عن تلك الحقائق العظيمة  أو تلك الإشارات ذات الأمواج العارمات و الكتل الغلابة المبهرات و الذي يمكن أن نعبّر عنه بعالم الإشارة اللدنّي.....

و لك أن تقرأ  مثلا عن هذه الصّورة الشّعرية التي تجمع بين الرّمزية و العشق الصوفيّ  في قصيدته "أناي" من ديوانه الأخير "حداء:

ذهبتُ مع النّاس

في كلّ أرض

شريد الخطى و الثّنايا

و عدتُ وحيدا

أهشّ – أناي –

و ذلك الغروب دمي

و تلك اريّاح عصاي..

و سأعيد هنا ما أثبته في قراء سابقة لي :" و تبرز قصة موسى عليه السلام كأنّها تشاهد رأي العين و هذا من التجديد و روعة الإسقاط حيث يوظّف قصّته في تبيان  حالة غربته و قساوة النتائج التي عاد بها من رحلته أثناء بحثه عن أجوبة لتأملاته الفكرية   و سعيه الحثيث لفك شفراتها الغيبية المستعصية ... و ها هو يقرر بأنّه في البدء لم يكن وحيدا في رحله بحثه و لكنه في نهاية الرحلة يجد نفسه وحيدا و قد تخلّف عنه الركب ليكمل ما تبقى من رحلته وحيدا شريد الخطى و الثنايا لينتهي به المطاف إلى اللاشيء ... و الاقتباس القرآني في قصيدته سمة بارزة زادت من روعة بنائه الشّعري غير أنّه أعطى لها مضامين جديدة تتناسب و ظروفه النفسية و المكانية و الزمانية..

فعصاه التي يهشّ بها على أناه إنما هي في ثوب رياح عاصفة و ما غنمه إلا أناه   و بذلك يصوّر لنا مشهد التشتت و الحيرة و التردد التي يحياها أناه...و استعماله للرياح و بالجمع  كان عن قصد  ليستحضر القاري في ذهنه هبوبها و شدة عصفها  و توزعها ليقف على مدى الحيرة التي يكابدها فكره و الشتات التي غطّى  عليه أفق رؤيته...   

 و يزيد مشهد الشفق قبل و بعد  الغروب وضعه النفسي قساوة و قتامة إذ يربط بين لونه المحمرّ المتورد بانسكاب دمه القاني كناية على  مدى عمق جروحه النازفة المفتوحة  من شدة يأسه و تيهه و نفضه يديه من البشر و إيثاره الغربة و العزلة عن مخالطتهم ... "

ضمن عالم الإشارة اللدنّي يمكن إدراج التجربة الشعريّة النثريّة للشاعر التونسي الشاذلي القرواشي دون مزايدة أو تردّد..و هذه صورة شعرية أحببت أ أثبتها لأنّها تفي ببعض المقصود:

 من تتراني ذاهلا في وحدتي

إنّيّـتي ليست سوى نَـفْـيٍ معكْ  

مزّقتُ بعضي والثّرى في بعضه

ونزعت كلّي كي أراك وأسمعكْ

إنّي هنالك في الذّرى متفرق

ناديتُ جِسمي كي أكون وأجمعكْ

و تتعاقب الصّور و بلغة الرمز و العشق الصوفي يرسم لنا بل ينحت لنا جدارية خالدة إذ يقول:

أنا الآن ماء..

فلا تسكبوني سدى في طريق الرّحيل

و بي صورة الكون و الأزمنهْ

أنا الآن حشد قليل...

 

و من القرائن التي تساعدنا في فكّ تلك الشفرات لجوء الشّاعر إلى تكرار ألفاظ معيّنة و محدّدة بذاتها و تفضيلها عن غيرها و قد وزعت بعناية فائقة في متون قصائده المنشورة المنثورة..و التّي منها: الماء/الأمواه..العصا؛ أناي؛ سرد الذّات؛ تيهان الأشياء في المسميّات؛ النّفي في ذات المعشوق... و لو أتينا لجمع هذا القرائن لظفرنا بعجم خاص ثريّ و لكن حسبي أنّي أثرت الفكرة.

فالماء مثلا يشكّل قيمة مضافة في شعره من حيث المضمون و الغاية ...و هو من الطبائع الأربع التّي يتشكّل منها الوجود و هي من مفردات عالم التّصوف و الفلسفة على الخصوص...فالماء عنده يدخل في طبيعة كلّ شيء مصداقا لقوله تعالى:" و جعلنا من الماء كلّ شيء حيٍّ" فلا تنفك حياة قلّت أو كثرت منه و لا يخفى ما في الماء من حياة و إعادة تشكيل و لطف و استمرارية و قابلية للامتداد و الظهور في شكل سائل و غازي و صلب ثمّ إنّ الماء رمزية ثابتة للحياة و الأحياء فإينما وجد ماء وجدت حياة و أحياء..

و اللافت في شعر الشاذلي القرواشي خلّوها نسبيا من باقي الطبائع الأخرى كالنّار و التّراب و الريح و إن ظهرت مرّة على استحياء...

و محصّلة إثارتي لهذه النّقطة الحسّاسة هو ضرورة التفات النّقاد لما يكتبه و يضيفه الشّاعر من إضافات ناهيك عن تحكّمه المتقن لرقاب اللغة و تماهيه في معانيها و التّوازن المتناغم بين الألفاظ و معانيها و تنوّع ركوبه للأساليب الفنية و تعدد نظراته و تنوّعها في تبليغ أفكاره كحدة حجاجية بلاغية تعمل على إقناع القارئ كمرحلة أولى ثم التّأثير فيه ثم احتواؤه و توجيهه..و هذا  الفنّ في الكتابة و التأليف لا يتقنه إلاّ الكبار و المميّزون..

إنّ التّزاوج بين العشق الصّوفيّ و الرمزية في شعر الشاذلي القرواشي أنتجا مولودا جديدا و تجنيسا بديعا  في الشّكل و المضمون و الغاية و على النّقاد الجادّين أن يأخذوه بعين الاعتبار و التحليل و الدراسة و المكاشفة و إزالة الغموض في شعره  و الوقوف عند هندسة الصورة الشعريّة  في كتاباته و دواوينه و نحتها البديع الآخاد  و محاولة الغوص في أعمق  أعماق تعقيدات ألفاظه و مضامينها دون أن نهمل قدرته العجيبة في استمالة القارئ  و توظيف حدسه الفنّي و بضاعتته الفنّية و استدراجه الناعم له في فهم و تفسير نصوصه المثبتة ..

و أعيد ثانية قولي السّابق : حسبي أنّي أثرت الفكرة و نفضت عنها غبار النسيان و التهميش و ما توفيقي إلاّ بالله ربّ العالمين...

  

  

تعليقات