مخاض ولادة القصيدة في قصيد "عذر خاص " للشّاعرة الجزائرية وفاء بن حمودة
مخاض ولادة القصيدة في قصيد" عذر خاص " للشّاعرة الجزائرية وفاء بن حمودة
بعض القصائد النّثرية تتوشح بوشاح خاص
يميّزها عن غيرها ..تماما كالثوب السّاحر ..فالبعض ينظر إلى ألوانه المزركشة و
توزّعها ، البعض ينظر إلى طبيعة الخيوط التي حيك منها..و آخرون ينظرون إلى تفاصيل
تقطيعاته و تفصيله و صنف آخر ينظر لمناسبة ارتداء هذا الثوب من غيره و لطبيعة
الشّخص الذي يرتديه..و هكذا تختلف الرؤى و لكن باجتماعها و تظافرها يتبيّن الخيط الأبيض
من الأسود ..فكذلك هي قصيدة شاعرتنا وفاء بن حمودة إذ لا
تستطيع أن تجزم بشيء ذي بال و قيمة حتّى تفكّ تلك الشفرات الموزّعة في صلب القصيدة
و مخّها..
لن أكتب ،لن أرّتب، لن أبحث، لن أرقص، لن
أكون أنا .. تكرار
فتأكيد فإقرار فإدلاء بحكم في متتالية متعديّة ..
لجأت الشّاعرة وفاء إلى حضن "لن" لخمس مرّات متكرّرة
.. هكذا بضمير المتكلّم المستتر
"أنا" إلاّ في آخر مقطع تصرّح به و تجعله ظاهرا للعيان .. و لنْ :حرف
نفي ونصب واستقبال يدخل على المضارع فينصبه، وينفي معناه، ويُحَوِّله من الحاضر
إلى المستقبل، وقد يكون نفي الفعل على سبيل التأبيد كما فصّل ذلك أهل الاختصاص...
إذن
هي دعوة صريحة من الشّاعرة وفاء بن حمودة تفيد نفيها للكتابة ليس على سبيل التأبيد
بل لهذا المساء فقط لأنّها اعتادت الكتابة كلّ مساء كما تتحدّث عن نفسها ؛ لكن
تحقّق النّفي من عدمه فيه نظر لأنّ فعلها
الكتابي يخالف تصريحها ..فما الرّسالة التي تريد إرسالها و تبليغها للقارئ ؟ و هل
هي حالة نفسية عابرة أو مزاج نفسي ظهر فجأة و سرعان ما يختفي ؟ و هل تقييد النّفي
بالمساء يحمل دلالات متوارية أمام دال القصيدة ؟ أم لشيء في نفس شاعرتنا ؟ أسئلة و
تساؤلات تتوالد و تتكاثر كلّما سرح العقل و استسلم للخيال و التّصور ..
الإجابة طبعا في متون نصوص مقاطعها
الشعرية النّثرية ..
المقطع الأوّل: لن أكتب فالشّاعرة تريد
عقد سلام ناعم بينها و بين الكتابة فتلطّف موقفها و تقيّده بالمساء و كفى إذ
الكتابة كعادتها تسري في روحها سريان الدذ في البدن و هل تستطيع الحياة و
الاستمرار بدونها..فقط شكل من أشكال التمّرد السّلمي لتلفت انتباه القارئ لهذا
الموقف المفاجئ و غير المتوقّع من حرف يسيل لعابة كلّ مساء ..و يتبع هذا الإعلان
الأولي موقفا عمليا ثانيا..لن أرّتب..ماذا ترتّب ؟ للشاعرة خزانة ماض كبيرة تخفي
فيها ذكرياتها و أنفس ما لديها ..و كلّما عادها الحنين إلى ذكرياتها عاودت ترتيبها
من جديد لتعيش في روحها لحظات مسائية ممتعة...ذكريات الطفولة..الحيّ الدار و اللعب
و الفرح و الحزن و القائمة طويلة لا يأتي عليها عدّ و لا حصر...و يبدو أن للشاعرة
رفّا لكلّ نوع من الذكريات أو الطيوف الرائحة و الغادية..و ما ظيوف روايتها إلا
تلك الأحداث الفارقة و حتى الساذجة في مسار حياتها المشحون..حتى أنّها لتتخيّل
نفسها طبيبة نفسيّة تستحضر فيها ضيوف روايتها لتسائلهم و تطّلع عن أحوالهم و تبثّهم حزنها و فرحها و ماجدّ لها لترّتب
من جديد ما استجد من أحداث و أحاديث..كعادتها كلّ مساء ..هو شكل من أنواع الهروب النّفسي من ضغط الواقع
و حتى من روتينه يدفع بالكاتب أحيانا للتمّرد أو الجنون أو على الأقل للسلام
النّاعم كحال شاعرتنا هذا المساء...أرتأت فترة راحة تخلو بنفسها بعيدا عن ما ألفته
كلّ مساء و الحياة ساعة و ساعة...و ها هي بلسان حالها تقول:
لن أكتب هذا المساء ...
لن أرّتب رفوف الحنين
كعادتي ..
وأستحضر ضيوف
روايتي العتيقة
كعادتي ..
المقطع الثاني:هذا المقطع صدّر بواو العطف ليفيد اتصال هذا المقطع بالمقطع السّابق و أنّ تقريراتها مع "لن"
ستستمر و لكّنها تأخذ منحى جديدا في كل نفيّ و نصب و استقبال...
في هذا المقطع هو تفصيل لما أدلت به في
المقطع السّابق بل و كشف لما أشارت إليه و رمزت له مع إضافة عناصر جديدة مصاحبة
تعكس حالتها النّفسية هذا المساء من شدّة آلام موجعة و نسيان للحظات تفاصيل
روايتها المخبّأة بغير ترتيب في خزانتها القديمة و تصوير لطفولتها البريئة أو
بدايات خطواتها الأولى في الكتابة و متابعتها الحثيثة و القريبة لمفارقات تلك
البدايات من عويل و رحيل و فرح و ألأم و تمنّي و انتحار و ضحكات و مواعيد و حروب و
كثير من النصّوص التي أبت أن تبقى صامتة فلا هي ولدتْ لتحيا و لا هي أصدرت أصواتا
...صور تترى و كنيات كثيرة و تشبيهات بليغة و استعارات و مجازات هي بعض ما تحويه
خزانتها العتيقة و ذكرياتها التليدة التي ما تاق إليها الحنين هذا المساء... و
مهما كتبت و وبيّنت فلن أوفّق فلندع الشّاعرة وفاء بلسان حروفها و حالها تقرب لنا
تجربة الكتابة و مخاضها العسير :
ولن أبحث عن نفسي القديمة ..
فقد آلمني جداً
صوت الأماني
وهي تتدحرج على خدود الأرض ..
كطفلٍ لايُتقن الخطوات ..
آلمني جداً
عويلُ الصبا ..
رحيل سرب الطيور ..
من واحات التمني ..
وانتحار آخر الذكريات ..
آخر الضحكات ..
آخر مواعيد السلام ..
لتعتنق الحرب
كل أحرفي الصامتة ..
المقطع الثّالث: و تستمرّ الشّاعرة في
سرد تجربتها في مداعبة الحروف و الدندنة على أوتار الحنين لترينا مشاهد أخرى أكثر
إثارة و حضورا..."لن أرقص" الرقص هو ردّة فعل طبيعية لتغلغل الألحان العذبة و الموسيقى الماتعة و تأثر
الروح الجميلة العاشقة للجمال و لكنّ شعرتنا تقرّر هذا المساء ألّا ترقص كعادتها
كلّ مساء ..فما عاد العناء يطربها و يحرّك فيها كوامن الكتابة و ردود الأفعال...بل
إنّ رقصها الغجريّة المحبّبة لنفسها كثيرا قد غابت عنها و أخلفت موعدها هذا
المساء...في هذا المشهد يخيّل لنا بأنّ الشّاعرة فراشة من فراشات الغجر المرتحلة
العاشقة للحل و الترحال و المفتونة بالغناء و الرّقص و المتعة و حبّ المغامرة و
التجديد ...و لشدّة إرهاصات ذلك المساء عجّلت الشّاعرة بإعلان حكمها هذا المساء
" لن أكون أنا" قاطعة قول كلّ خطيب...فالشّاعرة في هذا المساء تريد أن
تخوض تجربة جديدة لتتناغم مع القدر الحلو الجميل على غير عادة مساءاتها الصارمة
المنقضية و تجربتها في كتابة القصيدة ...و لأنّ طبعها الشّعريّ المعتدل و طبيعة
روح الفراشة الغجرية الطيبة المرحة تعتذر للمساء لأنّها هذا المساء هي غائبة
بروحها حاضرة ببدنها ..مستسلمة للقدر و ما يقدّره من أقدار ،لتختم قصيدتها
بقولها:" فاعذر غيابي ..أيّها
المساء" ..فعل أمر طلبي يختلف فيه النوعان اختلافا بيّنا ..فعل أمر طلبيّ
مؤدّاه اعتذار ليّن لطيف و فيه إشارة بمعاودة الرّجوع في مساء الغد المرتقب و ما
النّدا "أيّها المساء" إلاّ فتح باب الأمل على مصراعيه للقاء قريب واعد...و
لك أيّها القارئ أن تقف بنفسك عند هذه المفارقات أو المحطّات و تغرف من جماليات
بحارها ...حاولت وسعي أن أعثر على إدابا شافية لهذا التغيّر الطارئ المسائي و ما
توفيقي إلاّ بالله العليّ العظيم.
لن أرقص به رقصة الغجر ..
مُجدداً ..
لن أكون أنا
بمساءٍ
كان كما يشتهي القدر ..
لا كما تشتهي
نفسي القديمة ..
فاعذر غيابي
أيّها المساء ...
و ختاما فلا يخفى على القارئ بأنّ
الشّاعرة وفاء صوّرت لنا بهذه المقاطع حالة نفسية الشاعر خاصة و سرعة تقلبّاتها
التي تعتريها من الحين و الآخر و لكن بلغة شاعريّة تتناغم بين سردية متينة و
حوارات هادئة و توصيف دقيق مقصود و هادف و مونولوج تراجيدي و بذلك تكون قد حقّقت
هدفها و زيادة ، فنحن أمام نص سردي شعريّ بامتياز و للحقيقة فالقليل من يفلح في الجمع بين
الجنسيّن الأدبيين...و هذه إضافة فارقة في نصوص شاعرتنا الجزائرية وفاء بن حمودة..
ثم إنّ تصوير الحالة النفسية الطارئة و تجسيدها كأنّها مشهدا تصويريا يمرر فنّ
أسلوبيّ فاتن و لا يتقن السير فيه إلاّ من أوتي أدواته الفنّية و هذا ما نجحت فيه
الشّاعرة.. و يمكن رؤية نصّها النّثري من زاوية اللحظة و المناسبة نفسها فنجزم بأن
نصّها هذا هو تصوير للحظة ولادة القصيدة
بعد مخاض عسير و أوجاع "لن"
المكررة و أحكامها الآنية المؤثّرة...و هذا ملمح فنّيّ يبيّن إرهاصات و تمخضات
ولادة نص شعريّ و هذه إضافة تنضاف إلى مجموع الإضافات و التجارب في هذا الجانب
بالذات...و لا يزال النّص يحتاج إلى تعمّق أكثر و إلى استفزاز أشد ليبوح ببعض
أسراره فيصيبنا بعض رذاذه فنلين ثم نهيج و نخضرّ و نستمتع و نهنأ...
لحظة الكتابة النّفسيّة تختلف من شاعر و
آخر و مناسبة سياقها و حيثيات ولادتها تختلف أيضا من كاتب و آخر فليس من ولد ولادة
طبيعية كمن خضع إلى عملية قيصرية ..و ليس كلّ جنين كامل النّمو و الأعضاء كآخر
مشوّه لم يكتمل نموّه و تشكيله ثم للحظة الفرْق و الإطلاق أهميّتها القصوى في
صناعة مظاهر الدّهشة و الإعجاب و الرضى ....
بولمدايس عبد المالك
تونس في 01/06/2022
الشاعرة وفاء بن حمودة .

تعليقات
إرسال تعليق