الأسرار المخفيّة في هلوسات وردية للشّاعرة الجزائرية وردة بوعفار

الأسرار المخفيّة في هلوسات وردية للشّاعرة الجزائرية وردة بوعفار



الهلوسة معروفة و هي واقع عقليّ يعيشه صاحبه دون غيره و لا يشاركه فيه أحد لأنه في حقيقة من صنع عقله ..تلك الأحاسيس النفسية مجرد فبركة عقلية تجزّ بصاحبها في عالم فريد لا أول له و لا آخر لكن أن تتصف الهلوسة بصفة الوردية أي إلباسها أثواب الأحلام فثمة العجب العجاب.. هلوسات خبر لمبتدأ محذوف تقدير "هذه" فما مدى صدق أو كذب أخبارها التي تريد أن نشاركها فيها ..وما سرّ هلوسات شاعرتنا وردة بوعفار و ما هي الرسالة التي تريد إبلاغها بلغة الشعر و علم النفس و كثير من الجماليات و المشاهد المشوّقة...

القصيدة مصدّرة بفعل أمر "دعْ" بمعنى اترك و التفت لما سأخبرك به فربّما ينفعك في قادم أيّامك ..طلب أمر يفيد التّرك ..و فعل الأمر إذا كان بين الأقران و الأصحاب فإنما هو من باب الإستئناس و المجاملة و تقوية الأواصر و العلاقات...و هذا  غرض الشاعرة و مقصدها..فما الذي تطلبه من القارئ أ يتركه و ما الذي تريده أن يلتزم به ..فالفعل دعْ يفيد المقصدين معا و هذا من البلاغة ..الشّاعرة تريد الخروج عن النّص كنوع من التّمرد أو التحرّر أو التّحدي ....النّص مفتوح على مصارعه و لا يمكن للعقل أن يحدّه و هذا بعد فلسفي عجيب..الشّاعرة تريد من القارئ أن يتخل عن القلم رمز الكتابة و القراءة و عن الورق وعاء الكتابة و القراءة و تريد خروجا عن النص المستعاد ..كأن تطلب لقاء مفتوح على انفراد تكون فيه المشاعر حروفا و كلمات  ..أو انعزال في مكان سحيق..أو تفتح المجال للمشاعر أن تتحدّث و للعيون أن تعبّر و لقسمات الوجوه أن تكتب ...أو تركب و القارئ متن السّفر و الأحلام و يقومان معا بجولة خارج النّص..هو رجاء من شاعرة عساه أ يتحقق يعكسه الفعل"تعال" و ما يضفيه هذا الفعل من جوّ حميميّ دافئ.. فما السرّ الخطير التي تحتفظ به الشّاعرة و تريد من أحدهم أن يشاركها فيه ؟..سرّ من جملة مواصفاته أنّه لم يكتب بعد و لا يزال طليقا يرفض أن تحتويه محبرة مداد ..سرّ ليس من جنش الأشعار التي تحبك هنا و هناك و يتغنى بها الركبان في أسفارهم و لا الشعراء في نواديهم العكاظية ..إنّه سرّ من جنس آخر...هكذا تطلق الشاعرة سرّها و تصرخ في آذان الوجود و استمع إليها و هي تدندن بألحانها المنتشية الجيّاشة:

دع عنك القلم، و الورق......

و تعال خارج النص

حيث لا أحد......

لي سرّ خطير

لم تحضنه محبرة

من هذه اللحظة تلتجأ الشاعرة لأحضان "ليس" لتقرر حقائق أخرى عن ذلك السرّ الدّفين التي خبأته في جنبات روحها الحالمة الورديّة.. فمن أخصّ مواصفات هذا السّر أنّه ليس من لغة الشّعر و إن عبّرت بالشعر عنه و ليس من أغراضه تحقيق الألق و التّميز و الانفراد إذ هو عصيّ عن الذوبان في الآخر لقوّة الحياة التي يحملها و لطبيعة المثل التي يتحلّى بها فهو إن حضر فلن يغيب مرّة أخرى لأنّه سرّ صادق و أصيل كما أنّ الاحتراق لا يزيده إلا أصالة و ثباتا  و تمايزا...و هذه مواصفات أخرى تأهّله لأن يخلد و يستمر..و التّعبير "أبدا و "لن" ليفيد الأبدية و الديمومة                و السّرمديّة..

ليس شعرا أو ألق

عصيّ لايذوب ولا يسمح

له بالغياب وإن أشعلوه

أبدا لن يحترق

و تستمرّ الشاعرة وردة بوعفار في سرد مواصفات هذا السرّ دون الإفصاح به لتزيدنا تشويقا لاكتشاف سرّها الذي هذه بعض مواصفاته .. و عبر الروي "القاف" تقلقل الشّاعرة فضولنا المتزايد في معرفة ذلك السر المكنون في هلوساتها الوردية و تزيدنا مواصفات أخرى عسى القارئ أن يدرك كنهها و مرادها من الاحتفاظ بهذا السر العجيب.. و مثل هذا التدوير للفكرة إنما هو من باب زيادة التشويق و إعمال الفكر التأملي أكثر و ما أجمله من تدوير ..من مواصفات سرّها أنّه ليس نبض من مشاعر أي ردّة فعل لمشاعر عابرة أثارتها اللحظة و هيّجتها مشاهد معيّنة لحظية ..كما أنه ليس همسا أكثر من الطرق ليفتح له الباب و لا شوق دفين محترق حركته رياح الحنين و صور الذكرى و لا هم من جنس "العشق" الذي يفنى في المحبوب و يغيب تاركا عقله و وجوده و ماهيته و حياته...و من المفارقات العجيبة أن هذا السر العجيب له وقت مخصوص فلا يجيئ إلا مع الليل.. و لا يعرف له سبب  و لا مصدر محدد.. فلا هو خوف عن أمر مستقبل تخشى الشاعرة قدومه و لا هو دمع أريق لفوات محبوب أو لسطوة حزن رابض قد تراكم و لا هو أرق جرّار هجم على حين غفلة من حراس العقل ...و هذا لسان حالها يعرب بفم و لسانا و شفتين..

ليس نبضا من مشاعر

ليس همسا ليس شوقا

او عشق

لا يجيء إلا ليلا ليس خوفا

ليس دمعا أو أرق

و تستمرّ الشاعر في الدوران حول سرّها لتزيدنا قرائن جديدة و شواهد أخرى عاكسة  لنا حجم الهموم     و الأثقال التي تخفيها روحها الشفيفة المرهفة جرّاء سرّها الثقيل ...و في هذا المقطع تفصح الشاعرة عن بعض ملامح سرّها و كأنّها في حاجة ماسة إلى حضن يدفئها و تلتجأ إليه أو إلى ملاذ تفرّ منه من سطوة المشاعر الرابضة في وجدانها المضطرب...ها هي فجأة تستسلم و تترك العنان لمشاعرها لتتحدّث لتنتقد نفسها بنفسها بعدما صرّحت بأنّ هذا السرّ مختلف تماما  عن بقية الأسرار..ها هي تصوّر لنا حالتها النّفسيّة التي تسيطر عليها.. ضيق في الصّدر غطّى آفاق البوح على رحابتها و سعتها.. ليصير ذلك البوح كثوب ممزق و مقطّع تقطيعا يصعب رتقه و تصليحه و تلك هي الرسالة التي تريد أتبعثها لهذا القارئ المنتظر أ الحبيب المرتقب أو المنقذ الأسطوري ...و الثوب و ليلى إنما هو استدعاء لموز ..فالثوب ستر و زينة و "ليلى" هو تجدد حكاية ليلى التي كانت نهايتها فراق أبدي لقبين تحابا و اتحدا...و لا تخفى ظلاها على القارئ الذكيّ ..و حتى الورق الذي تلجأ إليه حروف نفسي قد تمزّق و صار مزقا هو كذلك..فلا ملجأ و لا مفرّ..هل أدرك القارئ سرّ ضيق ذرعي من الكتابة و مستلزماتها من ورق و حبرمحبرة... بالرغم من حجم تبعات هجرة الكتابة إذ أنها نوع من الموت و الضياع و الهم و الغرق في أعماق النسيان و التيه ..بل إنّ شدّة رغبتها في الكتابة و عشقها للحروف و هيامها بالكلمات يجعل أصابعها تتمرّد على إحساسها و رغبتها و تهفو مسرعة لتمسك بالقلم الذي رمته و هجرته في لحظة ما.. و خاصة إذا مخادع الحروف هيّجتها موسيقى القلب و توسلات الحرف و ازدحام المعاني و هي الضعيفة و المتيمة بالكتابة...ما ذنبها حين تقرّر في لحظة ضعف ركوب متن ذلك الأفق الرحب بحثا عن ملاذات الحرف و مقامات المعنى و أسرار الكلم ...و لنستمتع معا بتلك الحدائق البهيجة التي فتحت أسرارها و خباياها بلغة عربية فصيحة و أسلوب خلّاب ساحر و معان سامية راقية تؤسس لميلاد و مخاض الكتابة من وجهة شاعرة تتقن مغازلة الحروف و تجعلها مرئية رأي العين ...

ضاق صدر البوح

صار مزقا

ثوب ليلي والورق

ضقت ذرعا بالكتابة

بيد أن هجرها موت

وضياع وهمّ وغرق

وأصابعي أين ستذهب

حين مخادع الحرف

تغيب في الأفق؟!!!

فهل أدرك القارئ سرّ الدفين العجيب؟...

إنّ ذلك السرّ الذي لا مهرب منه لا سبيل لها من معاقرته ..إنّه الشغف بالكتابة و الموت فيها..الكتابة ذلك الرتاج المفتوح في أوطان نفسيتها و ممالك عقلها يدفعها دفعا عنيفا لمواصلة هويتها و رحلتها في عالم الكتابة و الورق و القلم و الحروف...

تونس في 19/06/2022

بولمدايس عبد المالك 

تعليقات