فصول مثيرة من رواية الهجرة إلى معبد الغرباء للروائي التّونسي محمد بليغ التّركي

 

فصول مثيرة من رواية الهجرة إلى معبد الغرباء

للروائي التّونسي محمد بليغ التّركي




 

رواية الهجرة إلى معبد الغرباء بحر طام من المعاني المتمرّدة فلا تكاد تسلم من موجة عاتية حتّى تفاجئك أمواج أكثر عتوا وغضبا ... فصول تصبّ روافدها الهادرة الغاضبة في مصبّ واحد.. مصب الحقيقة المرّة التي يختفي وراءها جيش من اللاعبين والمقامرين وتجّار اللذّة والعهر والسياسيين وطبعا أكداسا مكدّسة من البائسين الأشقياء.. فبدون هؤلاء البؤساء الأشقياء لن تكتمل اللعبة ولن تكشف خيوطها..

ووسط هذا التيّار الجارف الذي نزعت منه الرّحمة والشفقة باسم مسميّات عديدة حفاظا على استمرار مملكة العهر والغنى الفاحش والاستغلال الأرعن يبزغ صوت خافت يعاكس التيّار العام ويحاول أن يخالف وجهة السّرب.. إنّه مثال الموظّف الملتزم المنضبط ذو الثقافة الموسوعية وصاحب القلم السيّال والرّوايات المشهورة والأفكار الجادة المستنيرة...مثل هذا المواطن يعدّ خطرا محدقا ومقلقا ومحرجا في تفاصيل اللعبة الكبيرة التي يلعبها الكبار والسّاسة وتجار الرداءة والرذيلة والرّقيق.. إنّه الرجل الكاتب صاحب الأفكار التنويرية التي تهدّد عروش الطغيان والاستبداد..

مثقّف يمثّل الاستثناء.. يمثّل بذرة الأمل لمجتمع المحرومين والمغفّلين.. هو بمثابة الشّمعة المضيئة في ليل بهيم.. صوْت متمرّد حرّ أعلن رفضه لهذه الأوضاع صراحة فما كان منه إلاّ أن يختار المواجهة ولكنّه لا يملك عدّة وعتادا وأموالا طائلة ومؤسسات إعلامية كبرى تسانده. إنّه لا يملك إلا حرفا حرّا أبيّا لا يشترى بالمال ولا بالذّهب.. ولا بالإغراء ولا بالتهديد.. ولكن حاله حال حرّ في زمن العبيد...امتحن في رزقه فصبر.. لم يأبه بكتاباته فلم ييأس.. واصل الذوبان تماما كشمعة أعياد الميلاد.. آثر أن يكون آخر دفاعات البؤساء الغافلين فما كان منه إلاّ أن يدخل في صراع نفسيّ مع دواخله ليقرر الانعزال والهروب إلى حيث لا يعرفه أحد أين يجد بعض السلام الداخلي...ويا لها من غربة نفسية قاتلة.. أن تعيش ببدنك وسط وطن وأناس ولكنك تظلّ غريبا عنهم بما تحمله من أفكار.. إنّها لعبة الحاضر الغائب.. الحاضر بالبدن الغائب بالنفس.. والغربة النفسية من أقسى أنواع الغربة ومن أشدّها إيلاما على النفس حيث يبقى جرحها مفتوحا نازفا إلى حدّ التقرّح والانفجار والموت البطيء...

ولعلّ القارئ يشفع للكاتب تعبيراته القاسية جدا والمخجلة في بعض الأحيان وهو يعرّي ويصف واقعه المرّ الشّديد.. تلك الألفاظ إنّما سيقت لبيان خطورة الوضع المعيش وما ستؤول إليه الأمور في نهاية النفق، نجده مثلا يقول:" صاح رجل صبغ فمه بأحمر الشفاه، وكان يلوك متوترا علكة، جهد في الابتسام لعاهرات جاثيات على ركبهنّ انتقوهنّ حسب الطلب."[ص.17] أو في قوله في موضع آخر:” لا وقت تضيّعه حتّى تدرك أنّ الجميع في الخراء حتّى النّخاع" [ص.38] أو قوله: "كلّ ما نرى صار زائفا! أشباه حقوقيون يبيعون ذممهم كالمومسات الرّخيصات لأول حريف في الحملات الانتخابية وفي جنازات "أبطال الوطن" والمزايدات حول "معجزة" الثورة ... " [ص.52]. ...فالكاتب يريد استفزاز القارئ بأغلظ الألفاظ وأقسى التّعابير لعلّه ينتبه للخطر الدّاهم فينقذ ما يستطيع إنقاذه...إنّها الغيرة على وطن يغرق وشعب يموت وخيرات تستنزف وأجندات أعدّت تحت جنح ظلام في ليالي حمراء مجنونة تباركها مومسات عاريات وماركات خمور عالمية وأموال مسروقة بعناية أمنية ومباركات شيطانية...

تلك الغربة النّفسية المتسلّطة ألجأت الكاتب للهروب من واقعه المعيش والتّفريط حتى في منصب عمله وعائلته وأحبابه والهروب إلى أبعد نقطة ممكنة تكون حاجزا بينه وبين أفكاره التّحرّرية التصادمية.. فما كان منه إلاّ الهجرة إلى معبد معزول في جهة معزولة كان قد نشأ فيه النّشأة الأولى فربّما يهنأ بالراحة قليلا ويتفرّغ لكتابة روايته الأخيرة "الهجرة إلى معبد الغرباء"...

الرواية و إن التزمت بمقومات علمية من سرديات ماتعة و وصف دقيق مدهش للأشياء و الأشخاص والأماكن والأحداث وحوارات متنوّعة ومونولوجات عميقة هادفة إلاّ أنّ اللافت للأنظار تضمّنها لمجموع رسائل موجّهة بعناية فائقة في شكل فقرات قصيرة و متباعدة و كأنّنا كقرّاء نشعر بأنّه أراد منّا إعطاءها أهمية أكبر و نظرا أبعد و أعمق و عناية خاصة...و لو تتبعنا تلك النّصوص لرأينها تميل إلى طبيعة التّعاليم المقدّسة التي تعمل على تنوير البصيرة و العقل و النظر...وتأمّل هذا النص المختار جزافا" أحدّثكم عن رسوم مطلوبين حرموهم من حقّ الحياة، أثواب بالية، إذا رقّعت طرفا تقطّع الطرف الآخر. دفنوهم في صمت جماهيريّ. مُحيت أسماؤهم من التّاريخ الرّسمي و من كلّ مخططات الازدهار...إلى أن يقول: ذات "كن" سيسدل السّتار ويبدأ العرض الأصلي" [ص.74] و لو رحنا نتتبّع هذه الرسائل المشفّرة أحيانا و الواضحة الجليّة أحيانا أخرى لاكتشفنا بسهولة و علم نظرة الكاتب للتّغيير و خطّته في الانتقال بالثّورة إلى مراتب متقدمة من الإنسانيّة والرفاهية والازدهار؛ ولكن لا حياة لمن تنادي..

الكاتب أراد الاستدراك والتّعويض قليلا عمّا عاناه من تعاسة خانقة طوال أكثر من عقدين من الزمن بعيدا عن أسرته ووجد بصيص أمل في ذلك المعبد الذي يعرفه جيدا وخاصة وقد تبادل عبارات الغرام مع ابنة سيّد المعبد التي كانت في سنّ ابنه ولكن الحبّ لا يعترف بالأعمار ولا بالطبقات بل ولا حدود له مطلقا تحدّه فهو كالطوفان الجارف وتسونامي الهادرة، ويا لها من نهاية درامية لعاشقين دمعهما الصفاء والنقاء "في تلك الليلة غنّيّا والدّمع في عينيهما، وفي الغيب، نسج كفن حكايتهما. " [ص.86].

وتزداد حالته مأساوية بعد رحيله عن معبد الغرباء وحبيبته الصغيرة ليفصل عن وظيفته ويركن إلى مصير آخر ينذر بأكثر قتامة وبؤسا وشقاء.. وها هو يحدّث نفسه: "إبادة الانسان لم تعد حدثا، ابتذلت حتّى أذاعوها بين ومضة إشهارية عن برنامج ليلة رأس السنة وتقديم أمنيات القناة بمناسبة السنة الجديدة لجميع مستهلكيها "الأوفياء"." [ص.93] .

إنّها للحظات فارقة يخلو فيها الكاتب في مواجهة نفسه وكيف أضاع سنوات عمره بين أنياب الوظيفة الحادة القاتلة حتّى إذا انتهت المسرحية كانت النّهاية مأساوية جدا فقد:"أيقن أنّهم سرقوا حياته كغيره من الموظفين المساكين العاطلين ". [ص.93].

ونحن على مشارف النّهايات حريّ بالقارئ أن يلتفت إلى هذه الأمور:

01-  شخصيات الرواية.

02-  القيم الإنسانية والمثل العليا التي تضمنتها الرواية.

03-  توظيف أسلوب السخرية و التّهكم.

أمّا ما تعلّق بشخصيات الرواية فهي مختارة بعناية فائقة و إن لم تفد خصوص السبب بل تعدته إلى عموم اللّفظ و تعدّده إذ هناك شخصيّات أكثر خطورة و وحشية و قسوة و لكن سيقت هذه الشخصيات لتعطي فكرة عامة عن طبيعة نذالة و خسّة بعض الأصناف البشريّة التي هي أشبه ما تكون ببرامج و آليات مبرمجة لحماية السيّد من جهة و إبادة كلّ صوت حرّ أبيّ و بأبشع الطرق       و أشدّها خساسة و وحشية...و لعلّ ضابط الشّرطة عيّنة لتلك الفئة من الأدوات البشرية المدمّرة و كذا تلك العجوز المومس و كلاهما كانت نهايته تراجيدية بعد عذاب نفسيّ و ماديّ فظيع و تلك نهاية الظالمين المتوحّشين حين يختلون بأنفسهم بعد قضاء سنوات الخدمة ...

وهناك صنف آخر من الشّخصيات يمثّله ذاك العجوز الملاكم الذي برع في الملاكمة وتقلّد فيها أرقى المراتب ولكن الإهمال طاله وها هو يهوم بين الشّوارع يبيع المناديل الورقية لتوجد بعد ذلك جثة هامدة مرمية في إحدى الشّوارع العامة.

ولا ينبغي أن نغفل عن الصحفية "الأرض المحتلّة" وما اسمها إلاّ دلالة رمزية على غفلة العرب عن قضيّتهم المركزية "فلسطين" وقد جاء ذكرها عرضا في الرّواية ليدلّ عن فشلنا الذريع في الحفاظ على إرثنا المقدّس..

وبعض الشخصيات آثرت التموقع مع الفئة المسيطرة الحاكمة وقد كانت من قبل تدّعي التزامها بالمبادئ ومواثيق النّضال وتلك الخرافات والتفاهات التي يتداولها الرّفاق في اجتماعاتهم السريّة والعلنية أحيانا...

وهناك شخصية الكاتب بطل رواية معبد الغرباء الاستثناء الوحيد الذي آثر المواجهة والتّحدي حفاظا على آخر حلقة في خطّ دفاعات التحرر والإباء..

وأمّا ما يرتبط بالمُثل والقيم الأخلاقية فكان له حصّة معتبرة في فصول الرّواية...ومن المثل من غير ترتيب:

- مشكلة المعايير المزدوجة فلسطين مثلا والانتقاء مقصود للأعمال الصحفيّة..

- مشكلة التّولّي والانتكاسات والخيانات للمثل والمبادئ المعلن عنها وإيثار التخندق في صف البقرة الحلوب.

- مشكلة الكتابة ومفهومها إذ هي حسبه " لا تنير شيئا ! بل ترينا فحسب حجم العار الذي يلفنا إلى حدّ الاختناق " [ص.96].

- السّعادة هذه القيمة المتخيَلة المعشوقة التي لا وجود لها أصلا في أرض الواقع.

- وقيم أخرى كالوقت وطمأنينة والحبّ ومآل الظلم وغيرها...

- وأمّا ميله إلى الإكثار من أسلوب التّهكم والسّخرية فلسببين وجيهين... السّبب الأول استفزاز القارئ وجعله يرى رأي العين بشاعة مآل الانصياع إلى قطيع الخراف.. والسّبب الثاني تعرية حقيقة الوضع وإظهاره في الصورة المناسبة له كمّا وكيفا وعمقا ونتيجة؛ فكأنّه يريد اصطياد عصافير بحجر واحد.. وربّما هناك أسباب أخرى فعلى القارئ اكتشافها والوقوف عليها.

أنهى الكاتب روايته وفضّل أن يوزّعها على الأطفال لأنهم يمثّلون الأمل أو تلك البذرة التي ربّما ستنمو يوما لتصير شجرة وارفة الظلال كثيرة الثمار ضاربة جذورها أعمق نقطة في كبد الإنسانية...ولم تفته أن يترك رسالته الأخيرة" في وجه المسافر المتجعّد كأرض عطشى، زرعت بابتسامها الفرحة، ابتسام أنار القمر حين اغتسل ليلا في البحر. بعد خيانة الرفاق كان قدري أن يحمل كلب وفيّ جثّتي إلى مسكني ترافقني صيحات غراب. " [ص.131].

صورة لنهاية كئيبة وكأنّ الشعب برمّته أيتام وقدرهم أن يعيشوا عيشة ذليلة حقيرة وليس كاللجوء إلى الله تعالى كمهرب آمن وملاذ أخير لألم ما زال يكبر وأحلام "خطّوها على جدران لم تكتمل. " [ص.132].

ولمّا فتشوا أغراضه الشخصية لم يعثروا إلا على "صورا لابنه ومخطوطا ومسبحة وسجادة ودمية" [ص.142]. يا لها من تركة تنأى لها الجبال الراسيات.. ماذا كانوا ينتظرون من رجل مثقّف عاشق...

 

بولمدايس عبد المالك

الجزائر في 04 جانفي2022

 

تعليقات