بورتريه في قصيدة ..شّاعرة الجنوب اللبناني جميلة مزرعاني

بورتريه في قصيدة ..شّاعرة الجنوب اللبناني جميلة مزرعاني



1.   الدّموع كلمات بلا حروف ..رسائل مكنونة مضمرة في شكل عبرات سائلة..فكيف إذا كانت للحرف كبد رطبة تستزفّ مآقي عين الحرف فيدمع لألمها أو فرحها..تلك هي حكاية دمعة بعين الحرف أطلقتها شاعرة الجنوب جميلة مزرعاني ..فما عساها أن تقول و ما موضوع رسالتها ثمّ هل من قلب يسمع فيخشع فيعطف.."دمعة بعين الحرف" ..لكن الملفت بأنّ هذه الدمعة بحرف العين و ليس من حرف العين لتحيل القارئ إلى حقيقة منابع الدّموع .. فما الدّموع إلا انعكاس لثورة بحار الوجدان المنتفضة الهادرة..


2. هسهسة الحرف أسلوب مهذّب راق تماما  كتسلسل الماء  في صفاء ينعش أرواح أرض عاشقة طال انتظارها... قمة الأدب و الرحمة و الحرص حتّى لا تكاد تخفي حديثها إخفاء كما يهسهس المتسارّان كلامهما ..تشبه النّجوى إلى حدّ كبير لكن في وجهها المشرق البنّاء المثمر   ..  و لتزيل اللبس عرضت حال هذه الهسهة في شكل لوم و عتاب لا عنف و خصام و لا يخفى على أهل العشق و المودات ما للعتاب من أثرحسن جميل على النّفوس المتحابة الوالهة ..فاللوم لغة المتحابين بل إنّه لتودّد و تفهمّ بألطف العبارات وأرق المعاني وللشعراء والمحبين في ذلك دواوين وفنون.. فكأن هذا اللوم قاطع لكلّ شكّ أو اتهام أو سوء نية كما قطعت جهيزة قول كلّ خطيب. 

الشّاعرة جميلة تتصف برهافة الإحساس و نبل الشّعور و صفاء السّرية لذلك لا محالة من أن يسمع قلبها هسهسة حرف لائم عالق ..فلا هي سقطت فأزاحت بسقوطها أثقالا و أثقالا و لا هي أحجمت فأخفت هموما و غموما..هي كحال المعلّقة لا إلى هذا الوجود و لا إلى ذاك الوجود..و أصعب الأمور بين و بين. و شتّان بين زوايا النّظر فما يراه الرائي من وهج و بريق فيحسبه  جواهر حسان إنّما هو  همّ جاثم فأما الحقيقة فتستقرّ في الأعماق و أمّا الزّبد فيصعد و يظهر للعيان..تصوير فنّي بديع... تلك الدمعة العالقة و ذاك الزّبد الذي يغلي غلي المرجل إنّما ردود حقائق كبرى أبت إلاّ أن تتستّر بحجب الوجدان الكثيفة.                                

"هسهس الحرف لائمًا..

في عيني دمعة عالقة ..

من غمرة الوهج ..

يحسبها الرّائي ..

لؤلؤة بارقة ..

مذ الطّرْف ..

عن صنيعي ارتدّ ..

غادٍ في قصيّ الأمد ..

وفي أحشائي يغلي الزّبد .."


3- لكن لمن تبثّ شكواها و قد ملأت عليها الدّنيا أستارا و حُجُبا.. هل سيكون حالها كيعقوب أو أيوب عليهما السلام أم سيكون لها موقف آخر و اتجاه جديد...آثرت جميلة الجنوب أن تهرب للحرف..للكلمة حين تشتدّ لسعات لظى عقرب ماكر جاثم قد استحلّ العرض و النسل ..و بسرعة مذهلة ترتمي بين أحضان مداد حرف و تلك إشارة عن الشيء بإحدى لوازمه..فما كان المداد إلا ليخط حروفا و كلمات و عبارات..إنها انتفاضة مشروعة  و هروب منطقيّ لمن عدم الوسيلة و العدّة و العتاد...

"شكواي أبثّها ..

حين يلسعني لظاه كعقرب ..

سرعان ما ترى المداد ..

قد انتفض .."

و بياء النّداء تنادي صنفا من البشر مميّزين جمعهم حبّ الله و جلاله ..تستذكر قول الخنساء:

و لولا كثرة الباكين حولي ***على إخوانهم لقتلت نفسي..

فالعبد  قليل بمفرده كثير بإخوانه ،و يكفي استحضار طيوفهم و دعوتهم على ظهر الغيب ليخففوا من وطأة الألآم و وحشة الوحدة و قساوة الغربة...

"يا من في اللّه حبّكمُ ..

كم كانت بصمات نظراتكم ..

مشاعل المجد ..

كلّما أملأ الصّحائف زاد المقل ..

أنثر عبيري في ربوع الوجد .."

تباريح حزينة و وجدانيات متقرّحة هي هذه النداءات و كأنّها تستدعي أرواحهم الغائبة لأمر جلل و تذكّرهم بأنّها لا تزال على عهد الحب و الوفاء .. فالنّظرات و مشاعل المجد و الصحائف ما هي إلاّ زادها الذي أذكى تلك الدمعة في المقل و لا يزال في جعبتها الكثيرالكثير  و ما عبير الورد الوجد في تلك الرّبوع إلا شواهد و براهين..

4- ما أجمل التّعبير بالفعل "تهوي"  إشارة لقوله تعالى :"فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِ" و كأنها تجدد دعوة إبراهيم عليه السّلام و هي هنا بمعنى المضي و الإسراع بشوق و حنان و تلهّف ..تلك اللّهفة التيّ تظلّها الرّحمة و السّكينة و الوقار تسري روحها في جسد الكلم ..و من أوتي جوامع الكلم فقد نال حظا وافرا من جمال اللغة و روعة البيان و سحر البلاغة..ذلك الإسراء يجعل الكلم ينتفض انتفاضا و يشتدّ عوده و يستوي و يؤتي ثماره بإذن الله من إثراء للمشهد و غنى مائز و ألق ساحرتعكسه سحابات شعر حبلى و غيوث نثر سردي حالم...

تهوي روحي في جسد الكلم ..

إثراءً وغنى وألق ..

في فمي بحر الهجاء ..

متى ما هاج حفيف النّسم ..

يتناثر الشّعر والنّثر والسّرد ..

الشّاعرة جميلة تتصف بالنبل و المروءة فلم تلجأ إلى الهجاء الذي دانت رقابه لها و لكن آثرت أن تكون حروفها سلوى للحزين و تفريج لغصص الضجر فمثلها مثل غيث عمّ خيره أو بلسم لداء كان مستحكما أو قبس من نار تجدّد به حكاية موسى عليه السّلام... و ها هي تختار وقت السّحر لأنّه الوقت الذي ينزل فيه ربّ العزّة ليجيب من يدعوه و و يفرّج عمن سأل التفريج و المعافاة ..إنّه وقت مخصوص و مبارك تجتمع فيه السماء بالأرض و يتعانقان.. 

كنتُ سلوى الحزين وقت الضّجر ..

أمطرُ الغيث بلسم ..

فما غاب عن مآقيكم قبس ..

ولا ذوى في الظّلماء سحْر ..

5- لذلك الحبّ الحيّ آثاره الجميلة. كما لتداعيات ذلك السّحر المخصوص بركاته  حين تفيض قريحة الشاعرة جميلة و قد استجمعت عناصر الجمال في يدها و فلبها لتجود على البشرية عسلا مصفى من أكله غدا شمعة تضيء عتمات الجهل ..و ما الشهيق و الزّفير في هذا المشهد الوجداني الجيّاش إلا طرقا لباب الأدب من أبوابها الواسعة الرّحبة.. و في آخر سطرين تكشف عن سرّ دفين" إنّما الفقد لعيون ..

ما عادت ترعى في حقل الأبجد .."  

بهذه النّهاية تختم رحلتها المباركة في عالم الحرف و المداد و الحرف و الكلم و هي تستكر عيون جميلة عاشقة حجبها الفقد و حال بينها و بين الاجتماع معها..

"إن فاضت قريحتي ..

ينهال العسل ..

يغدو شمعة تضيء الجهل ..

بشهقة وزفر ..

أطرق باب الأدب ..

فلا تظنّنَّ ملامي هونًا ..

ولا جماد العَبْرة غضب ..

إنّما الفقد لعيون ..

ما عادت ترعى في حقل الأبجد ..

و بعد و نحن على عتبة الختام نكتشف حرفا نورانيّا أضاء حوانب من الحياة مظلمة بلغة ساحرة و مضامين أسمى و بحبّ منقطع النّظير.

بولمدايس عبد المالك

الجزائر في 09/01/2021 







تعليقات