الحلم الموؤود...قصّ قصيرة
الحلم الموؤود...قصّ قصيرة
خرج من بيت أبيه و الغضب
يتطاير من عينيه الجاحظتيْن كما يتطاير الشّرر الحارق..مسرع الخُطى كجلمود صخر
حطّه السيْل من علٍ..لا يلوي على شيء إلاّ داسه و عبر..لا يكاد يبصر شيئا لا من
بين يديه و لا من خلفه..لا يمنة لا يسرى
فقد انمحت الجهات من جغرافية عقله..كيف حصل هذا؟ أيعقل أن يقسوَ الأب عن ابنه
الوحيد ؟ هل وصل الوضع إلى أن يطرد الأب فلذة ابنه المدلّا؟..أنْ يلفظ فلذة كبده و
يرميها إلى ذئاب الشوارع الجائعات و أخواتها الضباع الجافلات ؟؟..كيف له أن ينسى
ذلك الحضن الرّحيم و هو يداعب خصلات شعره الأسمر الأدهم..كيف له أن يمحوَ ذكريات
لا تزال فتيّة ليّنة هيّنة ..ذكريات حفرت عميقا في جداريّة نفسية طفولته السّادرة
الغافلة..تلك القبلا الصباحية كصبوح بارد سائغ للشاربين..تلك الدّعوات الصّباحية
المسائية العريضة..و هي تخترق بيسر و لين و حبّ حجب سمعه، ودفاعات روحف، و تحصينات
قلبه..تلك الكلمات الجميلات المنتقاة كما ينتقي الحبيب لحبيبه أطايب الثّمار..أنّى
له أن يمحوَ عن خياله ابتسامات أمّه المهرّبة و هي تراقب من قرب تلك المشاهد الأبويّة
صباحا و مساءا و ما بينهما فتكتفي بإرسال زخّات ابتسامات عابرة لكلّ حدود نفسهية
ابنها "حسام"..تلك التمتمات و اللّهجات التي لا يكاد يعقل منها شيئا
لولا دموع تنهلّ على خدّيها الورديين فيخالها قطرات ندى و قد شكّلت إكليلا يغرّ
الأنظار و الأرواح العاشقة للجمال و البهاء..
قطع "حسام" شارع
حيّه بسرعة الضوء ليطأ قليلا من جنون خطواته يعبّ من ذلك الصباح البارد المشهود
كاسات من الآهات المتقطّعة ليستلم بعدها تحت وقع زخّات دمع غزير سقى به قبر أمّه
رحمها الله تعالى..يشكو إليها غدر الزّمان و تقلبّ الأحوال و قساوة الأيّام ..فقد
تزوّج أبوه امرأة عشرينيّة و الخمسينيّ و قد سدّت عليه آفاق نفسه الوالهة سدّا
منيعا فلم يعد يرى إلاّ شمسها المشرقة، و لا يسمع إلا همسها و صمتها ..قد زاحمه
على عرش أبيه توأم ذكران هما في عينيه أزهر من البدر ليلة التّمام، و أغلى من كلّ
غال و نفيس..
آه يا أمّي: يا نبع الحنان ،
و يا قرّة العين و الجَنان و الزّمان..ها قد أصبحت من بعدك سقطا من المتاع..لا
مأوى يحمين..و لا معين أسلم له روحي..لكن أعدك يا أمّي أن أصير ذلك الفتى الذي كنت
تأملين..فكم من مرّة كنت أسترق كلماتك و أنت تناجين ربّك: ربّي بلّغه مأمنه ، و
اجعله بين النّاس محبوبا مقبولا..و ارزقع العلم و الصلاح و السّتر.." و ها
أنذا يا أمّي قد عقدت العزم على تحقيق حلمك بعد أن طردني أبي من بيته..عذرا أمّاه
قد لا أعود يوما لزيارتك ، و لا أدري أين ستقذفني عواصف الهجرة العاتية..و أعتذر
لك أمّاه فقد التحق بد خالي الوحيد بعد شهر من رحيلك..نامي بسلام ..استودعك الله
الذي لا تضيع ودائعه..فوادعا وداعا..
كان هذا آخر وعد قطعه على
نفسه و هو يلفظ آخر أنفاسه و قد التهمه الموج بعد غرق قارب حلمه و نهاية مسيرة
حلمه..
06/03/2024

تعليقات
إرسال تعليق