أدب الدّعاء بين الخوف و الرجاء في قصيدة "" الله .. الـعـفـوُّ " للشاعر اليمني مهدي أمين سامي رحمه الله تعالى
أدب
الدّعاء بين الخوف و الرجاء في قصيدة "" الله
.. الـعـفـوُّ " للشاعر اليمني مهدي أمين سامي رحمه
الله تعالى
" الله .. الـعـفـوُّ "
ما يلفت الانتباه
لهذا العنوان هو جمع الشّاعر اليمني مهدي أمين سامي إلى اسميْن عظيميْن من أسماء
الله تعالى..الله و العفوّ و قد فصل بينهما بنقطتين كإشارة توجيه للقارئ ،فهذا
التّرتيب مقصود بذاته فالله اسم الذّات الإلهية الموصوفة بنعوت الكمال و صفات
الجلال ، و العفوّ اسم من أسماء الله تعالى يندرج ضمن تلك الذّات الإلهية المقدّسة
ليعكس هذا التّرتيب أوّل أدب في الحضرة الإلهيّة ..و معنى اسم العفوّ الذي ورد على وزن فعول و بصيغة المبالغة، ومعناه
:الذي يمحو السيئات، ويتجاوز عن المعاصي، وهو قريب من اسم الغفور كما ورد في نصوص
العلماء .و السؤال لماذا جمع الشّاعر بينهما ؟ هل كان في نيّته تخصيص لقصيدة بهذا
التّشكيل مثلا..الله..الغفور..الله ..الحكيم..و هكذا حتى يستوفيَ باقي أسماء الله
تعالى الثابة في القرآن و السنّة..يبقى هذا احتمال و لا أملك قصائد أخرى كما لا
أحوز على ديوانه الذي نشره رحمه الله...أم أنّ هذه القصيدة فريدة عصماء كانت ضمن
مجموعة من القصائد الواردة في الديوان؟ و هذا محتمل أيضا..إلى أن يتبيّن الخيط
الأبيض من الأسود ..لكن مثل هذا الجمع قد ورد في القرآن الكريم ليس بهذا التّشكيل
لكن يصبّ في مصبّه و ذلك في قوله تعالى:" ﴿ قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَٰنَ ۖ
أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ ۚ وَلَا تَجْهَرْ
بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا﴾[ الإسراء:
110] "، ،فقد جمع الله بين الذات الإلهية و اسم من أسمائه للدّلالة على عظمة
اسم الرحمان و دعوة عباده لدعائه بهذا الاسم العظيم ؛فكذلك فعل شاعرنا مهدي أمين
سامي ، و لا شكّ بأنّه كان قارئا ذكيّا لكتاب الله و سنه رسوله صلّى الله عليه و
سلّم..
و أمّا ترجيحه
لاسم العفوّ و خصّه بقصيدة كاملة فيعكس الظّروف النّفسية و الإيمانية التي كان
يعيشها الشاعر نفسه و قد ذكرت أخته القاصة وسيلة بعضا من سيرته الشخصيّة المثيرة
عنه ..لكن في غياب معلومات عن ظروف و مناسبة كتابة هذه القصيدة يمكننا الاعتماد
على الدلالات اللغوية و الأبعاد التّأويلية من خلال اعتماد النّص الشعري نفسه..
ترجيح الشّاعر
اليمني لاسم العفوّ فيه دلالات معرفية و إيمانية و صوفية باسقة الظلال و
ارفتها..فالعفو قريب من الغفران لكنّه أعمق و أخصّ منه..فالغفران هو محو للذّنوب
بعد عرضها أي تذكير المذنب بها و إعلامه بمعاقرته لها بينما العفو هو محو لها بصفة
نهائية من صحيفة الحساب و هذا و هذا معنى أخصّ من الغفران تماما كما تعفو الريّح
الآثار عن صفحة الرمال..و بهذا يتبيّن عمق إدراك و فهم الشّاعر لهذا الاسم بالذّات
..معنى يجمع بين التوحيد و التّصوّف ..و هذا معنى قد مزج بين خوف و حذر شديدين و
رجاء و أمل كبيرين في عفو الله تعالى ..و بهذا يتجلّى أدب الشّاعر حين أراد أن
يطرق أبواب الدّعاء فقد أحسن الطّرق و من دوام الطرق فُتح له الباب كما يقول
العارفون..
ورد في السّنة
النبويّة حديثا عظيما شريفا عن أبي هريرة يقول
فيه المصطفى: «إن لله تِسْعَةً، وتِسْعِينَ، اسْمًا، مِائَةً إلا واحدا مَنْ
أَحْصَاهَا دخل الجنة. [صحيح] - [متفق عليه]" ..و تعدّدت شروح العلماء لهذا الحديث
العظيم ، و ممّا قرأته قديما قول ابن القيّم رحمه الله فيما معناه بأنّ إحصاء الأسماء
مراتب ثلاث..أوّلها حفظها و ثانيها فهم معانيها و ثالثها العمل بمحامدها ، و
الشّاعر مدرك لهذه المراتب جيّدا و هذه القصيدة على قصرها تعكس ذلك و زيادة و هذا
أدب ثانٍ يميّز شخصية الشاعر المؤمنة ..بعد هذه المقدمات نلج صلب القصيدة التي تكشف عن نفس مؤمنة تقيّة خائفة راجية ..
سأسوقها بإذن الله في شكل مقاطع قصيرة تعكس حالاته النّفسيّة و أدبه الجم م الله تعالى في حالتي إسراره و
إعلانه..
1-
المقطع الأوّل:
يارب
أين الُمولَّى * لمذنب ساءَ
فعلا
والصدرُ
يكوَى بهم * بناره القلبُ يصلى
والأرض
ضاقت وتبدو ** من سمِّ خيطٍ أقلا
صدّر الشاعر قصيدته
بدعاء " يا ربّ" حاذفا لياء المتكلّم "ربيّ" ليقطع رجاءه من
كلّ شيء ،مشيرا لشدّة قربه من الله تعالى ،مبرزا لعبوديّته لله تعالى التي تجمع
بين الحبّ و الخضوع و بين الخوف و الرجاء..و تتمثّل هذه الرّبوبية حسبه هذا المطلع
البارع في:
-
الاعتراف بربويّبة الله تعالى له و التي من معانيها الخلق و التّصريف و
الملك و الحكم و التمليك و التربية بنوعيها الخَلْقي و الخُلُقيّ...
-
الاعتراف بعبودية الله له و التي تقتضي الوقوع في المعاصيّ و الذّنوب إذ لا
مفرّ للعبد من مقارعة المعاصي بشكل من الأشكال...
و لتحصيل تلك
المعاني و استدعائها عمد الشاعر رحمه الله تعالى إلى توظيف "أين ؟" التي
تفيد السؤال عن المنقلب و المرجع و هو يعلم في نفسة الجواب إذ لا مفر منه إلا
إليه..ليفيد هذا السؤال معنى تقريريا لا استفهاميا أراد به التّأكيد على حتمية
لقاء الله تعالى بعد انقضاء و تولّي هذه الحياة الدنيوية...ثمّ يشير بإشارة ذكيّة
واضحة إلى أثار تلك الذّنوب و وقعها الشّديد في نفسه موظّفا لآلية التشبيه حيث
أورد المشبه"القلب أو الصدر" ، و المشبّه به" النّار" و وجه
الشّبه" الإكتواء/الإصطلاء" و هذا التشبيه هو أقرب إلى الكناية منه إلى
التّشبيه..و هذا أدب آخر استدعاه الشّاعر رحمه الله بين يدي ربّه كناية على شدّة
النّدم الذي يعتري صدره الذي يحوي القلب من باب الإشارة بالجزء على الكلّ..و كلّها
مقدّمات عاشق صوفيّ، و عارف مقصّر توحي بأدب كبير جمع بين الرّجاء و الخوف... و لا
يكتفي بهذه الإشارات المعرفيةالإيمانية الصوفية بل يعمد ثانية للاقتباس من القرآن
الكريم كناية على اطّلاعه الواعي على كتاب الله تعالى الذي يستمدّ منه قوّة وجوده
و استمرار، و هذا من تمكّنه من رقاب البيان و البلاغة..و قد ورد ذلك في البيت
الثاني صدره و عجزه.." عند قوله :و الأرض ضاقت" مصداقا لقوله تعالى
" حتّى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت" [التوبة:الآية 118]، و قوله
" من سمِّ خيطٍ أقلا" في قوله تعلى" إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا
بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ
وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ ۚ
وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ[ الأعراف:الآية 40]" و هذا أدب قرآنيّ
كبير يدلّ على معرفة الشّاعر و درايته بمواقع القرآن الكريمة من جهة أولى و ليس
أحسن من دعاء الله بما ورد في القرآن الكريم و سنّة نبيّه ثانيا..و هذا أدب ثالث
ساهم في استدعاء الرّحمات ، و أوضح بأنّه ليس الوحيد الذي غرّته بهارج الدّنيا
فوقع فيها كما يقع الفراش الهارب من النّار إلى النّار ..و لا يخفى لقارئ كتاب
الله ما ورد في هاتين الآيتين من دلالات تخدم صدق توجّهه و صفاء روحه و صدق توبته
و رجوعه إلى الله و اعترافه بمقارعة الذنوب و عفصها..
2-
المقطع الثاني:
مستوحشٌ
في زحامٍ ** لايرجو في الناس خِلا
قد
جلَّ ذنباً ولكن ** دعا الإله الأجلاَّ
وماَلهُ
منهُ ملجا ** إلاَ له لــيــس إلاَ
يواصل الشّاعر اليمني
مهدي أمين سامي إظهار افتقاره لله ربّ العالمين، و قلّة حيلته، و هوانه و ضعفة
حتّى أصابه داء الوحشة أو الاستحياش فزهد بما في أيدي النّاس و لجأ إلى حضن العزلة
و اعتزال النّاس أملا في إدراك الموقف ، و إصلاحه ما يمكن إصلاح و كأنّي به يشعر
بقرب أجله و يراه رأي العين رحمه الله تعالى...و لم يجد في غمرة هذا الضيق و
العزلة و الأستحياش إلى اللّجوء إلى الله تعالى حيث برّ الأمان النفسيّ مستعينا
بدعاء الله باسمائه الحسنى إذا لا ملجأ من الله إلاّ إليه ، و هذا ملمح قرآنيّ و
سنيّ آخر..مقتبسا من القرآن مرّة ثالثة في قوله تعالى من سورة التوبة:" وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّىٰ إِذَا
ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ
وَظَنُّوا أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ
لِيَتُوبُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ا[التوبة:118 الآية] " مجدّدا تلك الحادثة
و كأنّ يشبّه حالته بحالة هؤلاء الثّلاثة فلعلّه يحظى بخاتمة حسنة مفرحة كخاتمته
بأن يقبل الله توبتهم و يعفو عنهم و يكون من الفائزين..و من شابه هؤلاء فما ظلم و
ما اعتتدى..
3-
المقطع الثالث و الأخير:
فاغفر
لعبدٍ مسيءٍ ** للظلم ينساقُ جهلا
أتاك
في سوءِ فعلٍ **بحسنِ ظنٍّ مُـدلاَّ
إن لم
يكن أهلَ صفحٍ** رآك لـلـفـضلِ أهلا
فيا
عـفـوُّ أعفُ عنه ** فأنت بالعفوِ أولَى
و بعد هذه
المقدّمات الرّوحانية النورانية التي تقلّب فيها الشّاعر بين رجاء و خوف و فرار و
لجوء يكشف عن موضوع رجائه ، وسرّ ذلّه و افتقاره آملا في الظفر بمغفرة الله و
غفرانه و هي من معاني العفوّ كما سبق تبيانه..غير أنّ حرص على الإقرار بعبوديته
لله تعالى التي تعني غاية الحبّ الممزوجة بغاية الذل و الافتقار كما يقول ابن
القيم رحمه الله تعالى ، و يصرّح بذلك تصريح عبد مسيء مقرّ بركوبه لمتون الظّلم و
السّوء..وما الظلم إلا فعل ما لا ينبغي فعله كما يقول العلماء أو هو التّصرف في
ملك الغير بغير حق أو توكيل كما قال فريق آخر..و المعنيان يتعاضدان و باجتماعهما
تتضح حقيقة الظلم و الظالمين..و الإساء ةأو السّوء لا يخرجان من معنى الظلم عامة..
و ها هو يكشف عن جمّ أدبه في الدّعاء حين عبّر بالفعل "أتى" المقرون
بالإساءة معوّلا على حسن ظنّه بالله تعالى و هي إشارة واضحة للحديث النبّوي الشّريف
القدسيّ" أنا عند ظنّ عبدي بي" و
هذا اقتباس آخر و يندرج ضمن حجةّ الشّاهد ..و نرى الشّاعر قد نسب التّقصير و
الإساءة إلى نفسه بينما نسب الغفران إلى الله تعالى فهو أهل المغفرة و الصّفح و
الفضل و كلّها تدرو حول محور و قطب اسم العفوّ ليختم كما بدأ بالعفوّ مع تكراره
لمعاني العفو " مصدرا واسما و فعلا..
ففي صدر القصيدة
قال: "يا ربّ" و في خاتمها قال: " يا عفوّ.." و كأنّ يرسل لنا برسالة ربّانية مفادها بأنّ من
كانت بدايته بالعفو و خاتمته بالعفو فإن الله يغفر ما بينهما و يثبت أولها و
آخرهما ، و يا لعمق هذا المعنى الربّاني الذي شكّل به الشّاعر قصيدته ..و ليس بعد
هذا الجمال من جمال ..و ليس بعد هذا الأدب من أدب...
القصيدة من
بحر المجزوء، و تدرج ضمن أسلوب
السّهل الممتنع لطبيعة السّياق و المناسبة و الظروف التي سيقت فيها..لذلك خلت من
الأبعاد الجمالية البيانية إلا نادرا إذ المقام مقام تجلّي و اعتراف و ليس مقام
تأمل و تفكّر..فشتان بيت المقامين...هذا و بالله التوفيق و رحم الله شاعرنا برحمته
الواسعة...
بولمدايس عبد
المالك
الجزائر في
02/03/2024

تعليقات
إرسال تعليق