أنا والضوء..قصّة قصيرة

أنا والضوء..قصّة قصيرة



لما أراك دائما تهوى الظلال و تخشى النّور.. قال لي الضوء.. نظرت إليه نظرة فيها الكثير من الإشفاق و الحسرة..

صديقي الضوء: نعم أكره الأضواء و أعشق الظلّ.. ففي الظل أنظر إلى الأشياء نظرة تعمّق     و تأمل بعيدا عن فوضى رقصات الضوء و تجاذباته.. نعم يعجبني قوس قزح.. أهوى ألوانه..    و كلّ لون فيه هو بمثابة حبيبة معشوقة لي ،و لها في قلبي هيام هادر لكن حبّي للظلّ أكبر     و أعمق..

نظر إليّ باستغراب قائلا: ألا فلتعلم بأنّ الضوء نار و نور.. كالشمس و القمر ..فالشّمس تمدّك بالشهرة و تعلي من شأنك و تقرّبك زلفا من مواقع التّأثير و النفوذ.. و القمر يهديك إنْ تشابكت بك الدّروب ، و يهبك فرصة الفرار إليه بعيدا عن نظرات النّاس ، نفاق المخادعين و جشع أبواب الطّامعين..

التفتّ إليه و حدّقت فيه و بابتسامة عابرة قلت له: في الظلّ أحيا حياة هادئة لا صخب فيها و لا تهريج.. فالظلّ فراشي و غطائي و سريري و وسادتي.. أبثّ إليه أحزاني و أفراحي و بقايا من نزف جراحاتي.. فيبادلني شجنا بشجن.. ثمّ نتعانق كعناق عاشقين و نهيم في عوالم هي الأنوار لكن لا يراها إلا العشّاق.. نقرأ ابياتا للشعر.. نستدعي من العشّاق من نشاء و في الوقت الذي نريد و بالقدر الذي نرغب فيه.. ننادم قيسا و عبلة.. ليلى و عمرو ..أبا نوّاس و نزار.. نسمع أحلى الأناشيد على أصوات حداء و أجراس موسيقى..

قاطعني الضوء قائلا : ما لي أراك مختلفا عنباقي البشّر.. أنّا الضوء يعشقني الأغنياء و الأثرياء.. و يطلب ودّي الحكام و الأمراء.. فلا يحلو لهم لقاء بدوني ..أنير لياليهم.. و أخطب في منابرهم و لي فيهم أعاجيب و غرائب..

قلت له: حسبك حسبك.. فالظلّ يمنحني مزيدا من الحرية و التّحرّر و الحركة.. و يريني بأدم جمّ الكثير من نقائصي و عيوبي.. يعرّيني ثمّ يغسلني ثمّ يسبل عليّ إزاره الليلي الفضفاض السّاتر.. في الظلّ أخاطب روحي بروحي..  تارة أغضب و تارة أهدأ كحركة مدّ و جزر يتغازلان و يتراشقان ..في الظلّ لا أخفي عن نفسي شيئا و لا أستحي من كشف كلّ أسراري ..و لن أخشى فضيحة و لا نقيصة و ازدراء و لا مقت و لا مدح و لا إطراء..

تعجبّ الضوء و بصوت ملائكيّ حنون قال لي: ألا تعلم بأنّ في الضوء حياة مثيرة ..صاخبة.. هادرة ..يحجّ إليّ كلّ من هبّ و دبّ.. يأتيني الفنّانون و الموسيقيون.. و المغنيون  و الراقصون و الرّاقصات.. و لا يحلو لهم الغناء إلا تحت أنواري الكاشفة ..أنا كعبة الحالمين و أمل اليائسين..

قاطعته ثانيّة ثانيا معطفي حيث الظل الوارف ..أحثّ الخطى مسرعا إلى زاوية من زواياه بل من حناياه ..أتلهّف إلى صمته الحكيم و هدوئه الرّهيب أخطّ من سدوله أثوابا تسترني و تدفئني إلى حين.. التفت إليه التفاتة أخيرة متمتما بيني و بين نفسي: لو تعلم يا ضوء ما أنا فيه من نعيم لكسّرت أسرجتك و اتخذت لك بين جوانح الظل ملجأ و ملاذا..

بولمدايس عبد المالك

الجزائر في 04/03/2024 

تعليقات