إزاحة السّتار عن سرّ الأسرار في ديوان "حين ترحل أزهار الدّار" للشاعرة الجزائرية وفاء بن حمودة
إزاحة السّتار عن سرّ الأسرار في ديوان "حين ترحل
أزهار الدّار" للشاعرة الجزائرية وفاء بن حمودة
ديوان
"حين ترحل أزهار الدّار" خزّان مشاعر محتدمة، و بركان عواطف جيّاشة
ملتهبة تعكس حبّا دفينا ،صادقا ممتدّا لم تخب نيرانه مذ عرف الحياة بحلوها و مرّها
..إنّه حضن الأم و ما أدراك ما الأمّ ...
مناسبة
هذه المجموعة الشّعرية المائزة ترجل والدة الشاعرة وفاء بن حمودة و التحاقها
بالرّفيق الأعلى ..فاجعة مؤلمة أليمة و إن اجتهدت الشّاعرة بأسلوبها العاطفي
الهادئ تلطيف تلك الأجواء النّفسية القاتمة ذلك حين وصفت الأمّ بالأزهار جمعا لا
مفردا فكأنّها أي الأم هي كلّ أزهار الدنيا برغم وجود الأب و الأخوات و الإخوة و
الأخوال و الخالات و الأعمام و العمّات ؛لكن للمشاعر حكمها النافد و قرارها الحاسم
ثمّ إنّ للشّاعرية بعد ذلك القرار الفصل من تحليق و خلق و إبداع و دهشة ..
مجوع
قصائد الديوان 34 قصيدة لم تشر فيها الشّاعرة للأم صراحة إلاّ في ثلاث قصائد و
البقية اكتفت بالرمز ..قصيدة "حين ترحل أزهار الدّار"(ص 15)، منتخبات (ص82)
و أخيرا "جمرة الشّوق" (ص63) حين ذيّلت قصيدتها بملاحظة" عن أمّي
أتحدّث" ..
و
قد تعمّدت الشاعرة وفاء إيراد قصيدة كاملة تحمل نفس عنزان مجموعتها الشّعرية و
كأنّها توجّه القارئ إلى الوقوف مليّا عند عتبات هذه القصيدة القلادة التي تعدل في
ظنّها مجموع قصائدها مجتمعة ، ماعدا ذلك فقد عبّرت الشاعرة عن الأم بألفاظ من باب الدّلالة
على الشيء بلازم من لوازم معناه أو تعمّدت قصدا الاختفاء وراء ظلال ضمير الغائب
المتكلّم لعلمها اليقينيّ بأنّ القارئ يفهمها و يفهم مشاعرها المكبوتة المباشرة و
غير المباشرة..و نحت الشّاعرة وفاء في التّعبير عن الأم بوجوه أربعة على الأقل:
1-
التّعبير المباشر بلفظ الأمّ و قد مرّ بيانه و ذكره.
2-
الحوم حول معاني "أزهار الدّار" و مرادفات و
لوازم الأزهار كالورد و النّسرين و الجوري و الأقحوان و البتلات و الزهر و كلّها أوصاف و نعون تليق بالأمّ و لعلّ بيئة نشأتها "البليدة" ساهمت
كثيرا في إيراد هذه الألفاظ لشهرة المدينة بمدينة الورود ..و الورود جمع خاطئ شائع
و الصحيح ورْد أو وردات.
3-
التّعبير بألفاظ هي من لوازم معان ي الفقد و الفاجعة مثل
الرّحيل و الجفاء و الذّكريات و الوجع و الفقد و الموت و الإعدام و غيرها كثير ..
4-
الاختفاء أو الانطواء تحت ستار ضمير الغائب المتكلم و
مخاطبته و مناقشته و البوح له عن مشاعرها المخفية و أحاسيسها الدفينة كوسيلة
للتنفيس أو الهروب أو التّخفيف من وقع "فقدان الأم" أو ما تجده الشّاعرة
وفاء من أحزان تترى ، و هموم تتهاوى ،و غموم تهافت، و حسرات تتوالى، و دموع تتساقط ،و ألوان
من الوجد الدّفين و البكاء الصامت الحزين..
و
الديوان مجموعة و كتلة مشاعر ناء بها ظهر
الشاعرة و هي تعكس بعض مكامن الحبّ الأبدي لمن حملتنا سبعا و وهنا على وهن ، و
وضعتنا كرها و طلقا و ألما ، و ربتنا و غمرتنا من بحار عاطفتها المتدفقة المتجددة
..و "الأم" حتى بعد فقدها و التحاقها بالرّفيق الأعلى لا تزال عطاياها و هداياها تتدفق على الأبناء و
دعواتها تتحقّق و توجيهاتها صالحة لا تفنى ..فالأم لا شكّ هي هي "أزهار
الدّار " و لا فخر.
و
لتكتمل الرؤية و تستبين سبيل القارئ الحصيف للمجموعة هذه مقتطفات مختارة و مقاطع
مقصودة تجلّي و تحلّي ما سبق ذكره.
فمهما
أُوتي المرء من قوّة و رباطة جأش ، و رُزق من مال و جاه يبقى الضعف البشري يلازمه
، و يذّكره بأحبّائه و مراتعه الأولى و ليس أأمن من حضن أم دافئ و كفّ أب رابت حان و ذلك حين سافر وجدانها و
ارتحل قائلة أو مستفسرة :
"أبحث
عن نفسيّ
التّائهة
في زحام التّعب..
و
الشّاردة في خذلان الأماني
لألتقيها
كلّ مرة ..
في
حضن أمّي
و
كفّ أبي الدافئ على كتفي" (الديوان/ص82)
و
كم ضرب الصّمت مدائن شاعرتنا و لم يترك لها إلاّ ألم الذكريات و أوجاع الحنين و
نيران الشوق المحترقة لولا تلك المواعدات الصامتات :
"يواعد
الشوق إليك
مدينتي
الصّامتة كعادته..
كلّما
يدقّ الحنين قلبي
تتسارع
نبضاته لضمّك..
و
ترحل إليك
كلّ
ذكريات العمر"(الديوان/ص62)
وفي
زحمة الذكريات و تقاطعاتها ، و توارد الخواطر تشابكاتها تقف الشّاعرة وفاء بن
حمودة مشدوهة مصدومة لتعيد في كلّ مرّة ترتيب مفار ذكرياتها فاتحة بذلك نافذة من
نوافذ ماضي أمّها المشرق لتتذكّر توجيهات أمّها الماسيّة و نصائحها الذّهبيّة
الخالدة..تتذكر طيبتها..بساطتها..حكمتها..حبّها..مشاعرها..و يبقى التّمنّي هو أقصى
ما تستطيعه و تمتلكه الشّاعرة لعلمها باستحالة عودة جسد لأمّها الطاهر المبارك
بعدما ارتحل لعالم البرزخ والملكوت لتجني الخذلان و تقطف الخيبات و تلبس لبوس الهم
و يرتدي الحنين أكفان الموت خاتمة أشعارها
بدعاء عريض:
"لك
يا أمي..
يلبس
روحك الطّهر
و
الطيب و الورد
لك
الفؤاد يا نظيرة العين
كلّما
دعا..
يبعث
صادقا منّي
و
ذلك وعد"(الديوان/ص17)
ذاك
وعد منها غير مكذوب و كأنّ الشّاعرة تستحضر في ذهنا قول الحبيب المصطفى" و
ولد صالح يدعو له" تلك الصدقة الجاريّة التي لا تتخلف و ذلك الحبل الممتد
الموصول الذي لا ينقطع بين العالمين أة بين والد و ما ولد..و ليس أجمل من إهداء
بنت لأمها الراحلة إهداءها مجوعة شعريّة تعجّ بالمشاعر الصادقة و الأحاسيس
الملتهبة لأمّها الراحلة الحاضرة:
"إليك
يا أجمل أزهار الأرض
أّي
الغالية : حرقاس أزهار
أهدي
كل قصيدي"(الديوان/ص05)
و
بهذه الرّوح الوفيّة الصادقة المحترقة تختم الشاعرة الجزائرية وفاء بن حمودة
ديوانها بمقطع هايكو معلنة:
"نافذة
الانتظار..
دموع
تؤسس الغيّاب
كان
و لم يكن" (الديوان/ص85)
تلك
سنّة الحياة..عطاء و منع..فرح و حزن..شوق و كبت..و لن تجد لسنّة الله تبديلا و لا
تحويلا و بالله التوفيق.
بولمدايس
عبد المالك
الجزائر في 20/06/2023

تعليقات
إرسال تعليق