إعجاز آية و تجليّة غاية ما فتح الله به إشارات:01

1- هبوط دون هبوط...



مما يسترعي انتباه القارئ لكتاب الله عزّ و جلّ المعاني المتواريّة وراء السيّاقات ،  و الظروف المكانية و الزمانية و الشّخصيّة ، و من ذلك قول الله تعالى:" اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ ۗ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ۗ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ"[ البقرة: الآية 61 ] ، و قوله تعالى من نفس السورة:[ قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ (الآية 123 )]، فالهبوط في كلتا الحالتين هو انتقال من مكان عال إلى مكان أسفل و إن اختلف  جمهور المفسّرون في تحديد معنى الهبوط و اختلافهم  من باب التّنزّع و زيادة البيان و ليس هنا مجال بسطها و عرضها.

و الملاحظة الجديرة بالذكر و التّنويه كون هذا الهبوط هبوطا في الرّتبة و المنزلة و الشأن و القدر؛ فبنو إسرائيل بعدما كان ينزل عليهم رزقهم و طعامهم من السّماء كعلامة من علامات رضى الله تعالى و مكانتهم من الله تعالى رفضوا عطاء الله تعالى و كرمه و إحسانه فما كان من الله تعالى إلا أن حطّ من قدرهم و منزلتهم فاستحقوا بذلك نيل المسكنة و المذلة كما بيّنته الآية الكريمة ..و كلّ من يرفض عطاء الله تعالى يجازى بالحرمان و الشّقاء و التّعاسة...و كذلك  الشأن بالنّسبة لأبينا آدم عليه السّلام و إبليس عليه اللعنة ؛ فإبليس قد هبط أوّلا من مصاف الملائكة عندما رفض الاستجابة لأمر الله تعالى بالسّجود لآدم عليه السّلام ثم هبوطه ثانيا إلى الأرض بعدما كانت رتبته في السّماء و بذلك قلّت رتبته و هانت و انحطّ قدره عند الله تعالى و كان بإمكانه الاستدراك لكنّه عاند و كابر و أصرّ و أعلن التّحدي" أنا خير منه خلقني من نار و خلقته من طين"[سورة الأعراف الآية 12] فاستحقّ المهانة و الخزي و النّزول في الرّتبة و الطّرد من رحمة الله تعالى .

أمّا أبونا آدم عليه السّلام فبعدما كان ينعم في الجنة هو وزوجه يأكلان من خيراتها السابغة دون عناء ،و لا كلل و لا تعب ،و لا كدّ  كعلامة من علامات رضى الله تعالى عليهما و منّه و إحسانه هبط هو أيضا في القدر الرّتبة و المنزلة فكان هبوطه من تلك الجنّة إلى الأرض دليل على هبوط في القدر و المرتبة لولا أنّه استدرك و تاب فتاب الله عليه " فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنّه هو التوّاب الرّحيم "[البقرة: الآية 37] ، دلّ هذا على أنّ الصعود      و الهبوط في الرّتبة و الشأن عند المليك المقتدر  إنّما مردّه إلى طاعة الله إبتداءا و انتهاءا و العكس صحيح و الله أعلم بمراده . 

تعليقات