للغربة سلطانها ..الجزء الثاني
للغربة سلطانها ...الجزء الثاني
1- عدوّ
الغربة اللّذود..
الرّوتين هذا الشّبح المخيف، الظّاهر الخفيّ، النّاعم الفتّاك.. ماهر في
التّخفي و التّسلّل لأعماق النّفس و أغوارها، يداعب بجميل دندنته أوتارها فيحسن
استدراجها و هزّ أخصارها ببطء شديد و رتابة كرّارة جرّارة حتّى يأتي على الأخضر و
اليابس منها ما لم تتفطّن لخداعه و تعلن ثورتها البيضاء و تمرّدها المسالم.
و ما الغربة إلاّ تربته الطبيعية الخصبة، و ألحانه العذبة المفضّلة كغرّ
غمر عاشق وجد قلبا فارغا فتمكّن و استحكم معلنا بداية قيامة دولة الحبّ. إنّه
الرّوتين هذا الكابوس الرّابض الجاثم الذي نُزعتْ من الرّحمة والحنان والشّفقة..
لا يرقب إلاّ وذمة ولا يقرّ بشرع وقانون ولا يعترف بعهد وحقّ.. إذا رفع سيفه
القاطع لن يضعه إلاّ وقد فتك بخصمه فتكا مريعا آتيا على آخر لبنة من دفاعاته فهو
من صنف "وإذا بطشتم بطشتم جبّارين"..
إنّ البعد عن الأوطان ومفارقة الأهل والخلاّن يفرض على المغترب انتهاج نظام
صارم في حياته اليومية والمستقبلية بأهّله للاستمرار والذّهاب بعيدا، وجمع ما يمكن
من الأموال لإسعاد أهله خاصّة وسدّ حاجياتهم وتلبية طلباتهم بحسب المتاح والمستطاع.
هذا النّظام الصّارم ما لم تتخلّله لحظات هروب و تسليّة، و فضاءات ترويح و
مناورة فقد يقع صاحبها في قبضة الرّوتين الحديدية و يسحق تحت أنيابه و أضراسه الفتّاكة فإن لم
تقتله و نجا تركته صلدا عصيّا و أفرغته من كلّ معنى جميل و تصرّف رحيم لذلك فلا
عجب و لا استغراب إذا ما رأى أحدنا مغتربا بخيلا شحيحا و أنانيّا بغيضا حتّى مع
أقرب الأقرباء عدا أهله ..ألا إنّ ذلك أثر من آثار الرّوتين المدمّرة المتراكم
بمرور السنوات و سطوة البعاد، فمع تقدّم العمر و
طول مدّة الاغتراب واقتراب نهاية المغامرة يستفحل شبح الرّوتين و يحكم سيطرته
المطلقة مرسلا برسائل نفسية صامتة تصبّ كلّها في مصبّ الانتقام للذّات التي ضحّت
برعيان شبابها و قوتها و سنين عمرها من
أجل إسعاد أهله و توفير لقمة عيش كريمة ..كلّ هذه التّضحية المتواصلة التي التزم
فيها بنظام روتينيّ شاقّ حرمه من الالتفات إلى روعة الحياة و جمال الطبيعة و السياحة في أرجاء المعمورة و مشاركة أهله
لحظات السّعادة و الحزن ..
المغترب قد ينجح ماديا لكنّه قد يفشل معنويا وشعوريّا وإن بدا في عيون
المستعجلين الأغرار من المحظوظين والمميّزين ...
للغربة نصيب من حصاد العمر قلّ ذلك أو كثر ما لم ينتبه المغترب ويوازي بين
ضروريات سلوك ذلك النّظام الرّوتيني الصّارم وجماليات العيش الكريم السّعيد،
وانتهاز لحظات السّعادة وعدم تفويتها بل تخصيص وقت لها مع نفسه وأهله وحضن الطبيعة
ودفئها..
تونس في 13/03/2021
طه حسين و
المعذّبون في الأرض..01
هل
ثمة معذبون في الأرض لا يزالون يمثّلون تلك المعادلة التي صنف في بيان معاليمها و
نتائجها الاديب طه حسين كتابه
"المعذبون في الأرض" ..ذلك الكتاب الجامع العميق الدقيق في شكل قصص
متنوّعة و شيّقة و هادفة تشترك دميعها في ضرورة الانتباه إلى هذا الصنف من النّاس
الذي لفّته بُرُدُ النّسيان من كلّ جانب و
جثم عليه ليل رابض و أقسمت النّجوم بأن تتوارى عن سمائه و الشمس أن تحتجب عن الظهور في ساحه ..
لا
أعتقد بأنّ الجواب يغيب عن عقل القارئ الحصيف بل إنّه لجليّ جلاء البدر ليلة
التّمام و لكنّه فقط غيّر من صورته و طبيعة مظهره و تستّر برداء الحضارة الحالمة و
لثام المدنية السّاحر و كثير من زخارفها البرّاقة الرّنّانة و حللها الخلاّبة
الفاتنة.
و
الواقع العربي يحفل بآلاف من قصص المعذّبين
في الأرض و السؤال: متى يُلتفَتُ إليهم ؟ و متى تمتدّ أيادي الرّحمة لتمسح على
قلوبهم المعذّبة و نفوسهم المؤرقة بالرّغم من وجود ملايين من الأغنياء و آلاف من الجمعيات الخيرية الاجتماعية التي
تحارب في الميدان و تكابد و تعاني ؟.
فمع
وجود هذه الضّمادات الآنية الحانية لا
يزال المعذّبون في الأرض يسمع لهم زمجرة و ها هم يقتاتون من أرغفة الخيبة و فتات
موائد الإهمال و النّكران و يجرعون من كؤوس الهموم و الغموم تماما كمدمنيّ الخمر
أو قل أشدّ ؟..
فهل
يتطوّع لفيف من الأدباء و الإعلاميون لإحياء ما كان قد بدأه عميد الأدب العربي
رحمه الله ، و ليس بالضرورة أن يكتبوا قصصهم بمستواه المتفرّد المائز و لعته
الرّاقية العميقة و أحاسيسه الجيّاشة الصّادقة ..و لكن حسبهم لفت أنظار المجتمع
بجميع فئاته إلى هذه الفئة المعذّبة و يكفيهم إثارة الأحاسيس النبيلة الإنسانية
نحوهم و تشخيص أحوالها و أدواءها و التّدقيق في تفاصيلها و خباياها و التنقيب عن خفايا أسبابها ..و ما أصدق قول
ابن باديس حين قال:
و
اهزز نفوس الجامد.....ين فربّما حييَ الخشبْ
و
نعدّل قوله قليلا تماشيا مع طبيعة الطاهرة و مأسوية الموضوع :
و
اهزز نفوس الغافليـ...ن فربّا بطُل العجبْ
فتحسّنت
أحوالهم و تجمّلت عند الطلبْ
و
غدا الغنيّ يغاز.....لُ بطن فقير مرتقبْ
يطفي
لظى متعذّبٍ من سطوة ذاك اللّهبْ
تونس في 07/11/2021
نبوءة توفيق
الحكيم في "الرباط المقدس"..02
رواية "الرّباط المقدّس " لتوفيق
الحكيم تثير فكرة الصراع الدائرة رحاه بين الغ
عقل
و العاطفة أو بين الفكر و الحبّ تخصيصا.. رواية في حقيقتها عبارة عن حوار مفتوح و
معمّق بين سموّ فكر هادئ و ثورة حبّ مسعور يعمل كلّ منهما و يجتهد في إثبات ذاته و
أحقيّته و لا يغفل في بذل ما يستطيعه في الإطاحة بالآخر و إعلان النّصر الكبير.. صراع
محتدم على أشدّه حاول فيه الحكيم انصاف طرفي الصّراع و بيان حجج كلّ منهما و
الموازنة بينهما و الخروج في نهاية هذا الصراع إلى برّ الأمان و
السّلامة .
و
أمام بداية موجة تحرّر المرأة و انعتاقها من قيود المجتمع الموروثة و إحساسها
المفرط و البغيض لتلك التّقاليد الاجتماعية التي تحدّ من انطلاقة المرأة ككيان و
حقّ و شعور يحاول الحكيم أن يقف على أرضية مستقرّة منصفة لا يظلم فيها المجتمع و
لا المرأة و لا حتّى الدّين الحنيف و لا القيّم النبيلة الفاضلة.
و
هكذا و بعد صراع مرير لبطلة روايته يكاد يجزم بأنّ الغلبة ستون لتمرّد المرأة و
ممارسة حقّها الطّبيعي في أيّ وقت و مع من شاءت و بالكيفية التي ترغب فيها و
ترتضيها و لو كان ذلك على حساب الدّين و القوانين و الأعراف و العادات و التقاليد
..و ما ذلك المشهد الذي يفقد فيه الفكر اتّزانه أمام سطوة الغواية الجارفة إلاّ
اعتراف ضمنيّ من الحكيم على قوّة تأثير الحبّ و شدّة عواصفه الهوجاء لولا استفاقة
الضمير في اللحظة الأخيرة التي أرادها الحكيم بعد سبق إصرار و تعمّد لينقذ الفكر
السّامي النّقي من بطش الغواية و سطوتها الزّاحفة عبر مشاهد فاتنة لا قبل لعقل
الانسان منها.
و
لكن للحقيقة فقد كان الحكيم منصفا إلى حدّ كبير في عقد هذه المقارنة و بالرّغم من
ذلك فإنّه كان يعمل جاهدا على أن يمثل وجهة نظرهما ثم يترك للقارئ بعد ذلك الحكم
النهائي و القرار الذي يراه و يؤيّده.
رواية
"الرّباط المقدّس" فيها من الاستشرافات المستقبلية التي تركها الحكيم
لعامل الزّمن و كأنّه ينظر بعيون الغيب لما ستؤول إليه الأوضاع الاجتماعية بعد قرن
و أكثر ..و كم كانت رؤيته صادقة و بصيرته نافذة و ها هي المرأة تفوز في النّهاية و
تزحزح الرّجل عن موضعه الطّبيعي و تكاد تستفرد بالجمل و ما حمل..و بذلك تصدق
نبوءته و يتحقق الكثير من مخاوفه و هواجسه و إن كان قد ساقها في شكل سرديّ حواريّ
واضح جليّ ..
و
يبقى الرّباط المقدّس هو أنفس ما يمتلكه الانسان فمتى أبرمت العهود و عقدت فقد كان
لزام على الطرفين رجلا و امرأة الوفاء لتلك الحقوق و الواجبات و التّقيّد بشروطها
و بنودها ..فتلك في نظر الحكيم حريّة
مقيّدة مسؤولة تقي المجتمع من سطوة الفوضى و رجّات التحرّر المنفلت و أغنية
الحريّة المشوّهة الدّخيلة.
تونس
في 14/11/2021
مع النحاتة
الشاذلي القرواشي في "ظلام منحوت"..03
الرّوائي
الشاذلي القرواشي يعيش أحداث روايته و ينمج فيها حتّى لكأنّك في بعض الأحايين لا
تستطيع أن تفصل بينهما و حسبه هذا .. و يكأنّه شبيه ظلّه الملازم لأصله
ملازمة الغريم لغريمه.
فالرّواية
ذات عمق فلسفيّ و بعد انسانيّ و توجّه صوفيّ بآليات نفسيّة و أخرى علميّة ناهيك عن
جمال السّبك و قوّة السّرد و دقّة الوصف
أدبيات الحوار الهادئ المنطقيّ و مخرجات
أحداث و موضوعات الرّواية التي تصبّ كلّ روافدها في النّهاية في مصبّ واحد جامع
مانع و هي محاولة للملمة شتات الإنسانية و جمع ميراثها المسلوب و المهرّب في
محصّلة واحدة أو نتيجة واحدة كبرى تكون أمنا و سلاما للإنسانية جمعاء ..فالحبّ
بالنّسبة له هو التّرياق العجيب لكلّ ما يهدّد البشرية من خراب و فساد مهما كان
شكله و حجمه و قوّة تأثيره و تدميره (طوفان، بركان، وباء،
حرب عالمية مدمّرة) ..
"ظلام
منحوت" رواية بحقّ هادمة بنّاءة .. تهدم قناعات متجذرة موروثة هدّامة و تؤسس
لفكرة تعايش انساني سلمي آمن إذ تبحث عن سرّ البدايات و كنه العناصر و الماهيات
التي شكلّت الانسان الأوّل و ما الصّور التي ظهر فيها و يظهر و ما مساحة التشارك
الواسعة بين الانسان و أخيه الانسان و بين الانسان و الحيوان و الانسان و النبات و التّراب و
الماء و الهواء و الطّاقة..
فالرّواية
في محاولتها الجريئة للوصول بالقارئ الانسان إلى مرفأ الأمان فتحت فتوحات واسعة و
سلكت طرقا شتّى تراوحت بين التّدين الصادق و التّصوف العاشق و الفلسفة العميقة و
علم النّفس الناقد و آفاق المعرفة
الرّحبة العجيبة موظفا قلمه السيّال و بلاغته المائزة و بيانه السّاحر و سعة اطلاعه
للرّبط بين هذه المجالات الكبرى ليخرج منها بعد جولات سالما معافى و قد صفت الفكرة
و تجلّت و زالت الشّكوك و تبخّرت و اتّضح
الطريق الأبيض من الأسود و تحدّدت معالمه ..
و
أخيرا ففي هذه الرّواية تتجلّى مسارات جديدة و ينتابه تشويق مثير و أسرار جمّة و
مفاجآت غير متوقّعة ..فقط تنتظر من يقرؤها و يعيش أدوار مغامرتها و يستكشف ما
انطوت عليه الرّوية من ذخائر و كنوز.
تونس
في 22/03/2022
من آليات
الاقناع في رواية "ماكاريا"
لسلوى البحري..04
تستند الرّوائية سلوى البحري في روايتها
"ماكاريا" على آلية تداولية حداثية ألا و هي "الإيهام" أي
إيهم القارئ و محاولة تضليله إلى حين ثمّ مفاجأته بالقفلة الصادمة التّي تزيل
أوهامه الأولى عن القصة و بذلك تعمل على
ترسيخ فكرة القصة و تحمل القارئ على تبنّي وجهات نظرها و الاقتناع بطروحاتها أملا
في استمالة القارئ إلى صفّها و الانتصار إلى توجهاتها و أفكارها المعروضة بحرفية
كبيرة و اقتدار بيّن و
جمالية لافتة، و هذه ظاهرة لا تكاد تتخلّف في كلّ قفلة قصّة من قصصها المثيرة الرّصينة.
تركّز
الروائية التّونسية على الجانب الاجتماعي في قصصها و على رأسها: هموم المرأة و
انشغالاتها.. قساوة المجتمع و ما ينجرّ عن ذلك من كوارث اجتماعية إنسانية مخزية
..محاولة البحث عن مستقبل أفضل يليق الانسان عموما.. تعرية الواقع الاجتماعي و هتك
أستاره...و موضوعات ثانوية أخرى .
و
بخبرتها الطّويلة في التّعليم و بعلم النّفس التّربوي فإنّها جعلت من العاطفة
الجيّاشة مدخلا رئيسا لنفوس القرّاء محاولة منها دغدغة عواطفهم الكامنة و
استمالتهم إلى صفّها معتمدة في ذلك لغة
سلسة عذبة و أساليب متنوّعة مغريّة آخاذة و جملة من
المعاني الإنسانية الراقية و قد نجحت في ذلك إلى حدّ كبير و أعانها على ذلك حسن
اختيارها لألفاظ معجمها الرّوائي و تناسب مجمل ألفاظها مع المعاني المنشودة
المستهدفة فكانت الدّهشة و كان الجمال و إن تقمصت نصوصها بعض المساحات الحزينة
الكئيبة اقتتها السياقات العامة و ظروف الانسان و الزمان و المكان...
و ختاما فمن أراد الخروج ببضاعة معتبرة مميّزة فليس أمامه إلاّ التّسوّق في أجنحة و فضاءات قصص "ماكاريا" ففيها ما يثير الإعجاب و يرضي الأذواق و يروي الظمآن و يشفي قلوب المعذّبين الصّامتين.. هي مائدة فاخرة عامرة فيها ما لذّ وطاب وجمُل.. فهيت لك أخي القارئ.
.jpg)
تعليقات
إرسال تعليق