رحلة العشق و الانتشاء في قصيدة "حلم اللّقاء "للشّاعر التونسيّ منير الصّويدي

رحلة العشق و الانتشاء في قصيدة "حلم اللّقاء "للشّاعر التونسيّ منير الصّويدي


 

حُلمُ اللّقَاء..  ليس كلّ حلم ممكن التّحقيق ولكن قوّة الشّعور بذاك الحلم يزيدك جرعات جديدة وشديدة المفعول والتأثير للمضي قدما في طريق تحقي أحلامك مجتمعة أو منفردة.. وكم من أحلام تبخّرت وخرج الحالمون من هذه الدّنيا فارغي اليدين، يجرون خيباتهم جرّا فزادتهم رهقا.. فهل يفلح الشّاعر منير الصّويدي بالظفر بمأموله وتحقيق حلم ذاك اللقاء المرتقب؟ لنقرأ له هذه القصيدة المفعمة بالأحاسيس والمملوءة بالصّور الوجدانية لنستطيع الإجابة عن هذا التساؤل الذي صدّر به الشّاعر قصيدته وما نقاط الاختصار إلاّ أنفاس حروف وحشرجات صدر فضّل كتمانها وقد يصرّح بها في ثنايا قصيدته هذه..

القصيدة من النّوع الموسيقي وذات إيقاع داخلي رنّان وتجنح إلى شعر التّفعيلة منه إلى النثري ولعلّ التّفاعيل فعولن ومفاعيلن ومفاعلتنا أضفت على القصيدة حركيّة مميّزة وكأننا نرى أنفاس قلب الشّاعر ونبضاته رأي العين مشكّلة لنا سيمفونية ساحرة لا تمُّل ولا تُشبع..

والقصيدة هي من قبيل العشق الصّوفي وعلى طريقة المتصوّفة والدّراويش وإنْ تحلّت بالأدب الجمّ مع الله تعالى وهذا ديدن الصالحين منهم والأتقياء.. وهذا ما أفصح عنه الشّاعر في خاتمة قصيدة حيث قال:

" ويسألُ رُوحِي..

عُرُوجًا إلى النّورِ..

إلى الله...

والعِشقِ.. والانتِشَاء.."

وما أروعها من نهاية حين يفوز العبد بنيل مبتغاه وتحقيق حلمه وما العشق والانتشاء إلاّ مقدمات لذلك اللقاء بل هي من قبيل سابق بشرى المؤمن...القصيدة على العموم إبحار في عالم الملكوت ..هذا العالم الرّحب و المشحون تسيح فيه الروح دون أجنحة و يغوص فيه القلب دون أجهزة تنفس ..عالم لا أوّل له و لا آخر و الأغرب في ذلك أنّ السائح فيه بين النّاس لم يغادر مكانه قيد أنملة و لكّنه في عالم غير عالمهم و تتغشّاه حالات هي أقرب للعجب و الوهم منها إلى الحقيقة ..من الصّعب تقسيم القصيدة إلى مقاطع لأنّها كتلة روحية واحدة مشعة و لكن ربّما تقسيمها إلى مقامات تأمليّة هي أقرب لروحها و تجلياتها ...

المقام الأوّل: هذا المقام يعلن فيه الشّاعر عن بداية رحلته التّأملية عند كلّ مساء؛ فالرّحلة تنطلق في هذا الوقت المخصوص لتستمرّ للحظات أو ساعات أو الليل بكامله.. فموعد الرّحلة معلوم لكن مدّتها ومحطّة وصولها ارتأى الشّاعر إخفاءهما زيادة في التّشويق والإثارة لكنّه أفصح عن نيّته من هذا السّفر المسائي الليلي وبعض الملابسات التي صاحبته أو تصاحبه ...

يقرّ الشاعر أنّ هذه الرّحلة هي من قبيل العلاجات والأدوية التي يستعملها لتضميد جرحه.. ليس جرحه ماديا بل روحيّا وفي ثنايا هذا التّضميد يحاول لملمة حروفه الناسكة المتبتلة المهاجرة في الملكوت وكأنّها تأبى الرّجوع والانصياع والطّاعة من بعد ما شتّت الحبّ شملها والتّأمل وحدتها...ويستعين على لملمتها وجبر كسرها وهيامها بسكب دموع عينه وقلبه فتذعن له رقابها وتلين له ليكتب قصّة حبّ لدنيّ طاهر رقراق.. وما إنْ تبدأ القصّة في التشكيل والتأليف حتّى يسمع للكيان هزّات ورجّات ويزداد تسارع نبضات القلب إيذانا بحصول شيء عظيم يشبّهه الشاعر بالأمنيات ...لكنها من جنس الأمنيات التّي تحقّقت وكشفت عن أسرارها وخباياها.. وتأمّل معي سياحته المباركة وإرهاصات قصّة حبّه الصوفيّة.

وَعندَ المَسَاء..

أضمّدُ جُرحِي..

ألمْلِمُ حَرفِي..

وأكتبُ بالدّمعِ قِصّةَ حُبّ..

تهُزّ الكَيَانَ..

وتبعثُ في القلبِ نَبْضًا..

كما الأُمْنِيَات..

المقام الثاني: ويحدث الزلزال الرّوحي لتتبعه هزّات روحيّة متعاقبة متتالية وقد صاغها الشّاعر في شكل ثنائيات.. مقدمة مرفقة بسببها.. وقد أبدع فيها أيما إبداع فخرجت صوره أصفى من الماء الطّاهر وأحلى من العسل المصفى وأجمل من كلّ غانية وريم...

تَدُكّ سُكُوني..

بِهمسِ الفرَاغ..

تَهُدُّ حُصُونِي..

بِوَخْزِ الغِيَاب..

أُغالبُ شَوْقِي..

بِحُلمِ اللّقَاء..

أُهدْهِدُ قَلبِي..

بِطُولِ الرَّجَاء..

أربع مقدمات بأربعة أسباب أحاطت بذلك الطوفان الجارف أو الزلزال المدمّر لنفسه المؤمنة المحلّقة في تلك المقامات الربانيّة السامية...

(دكّ السّكون/همس الفراغ) ،(هدّ الحصون/وخز الغياب)،(مغالبة الشّوق/حلم اللّقاء)،(هدهدة القلب/طول الرّجاء)و لك أخي القارئ أن تقف على عظم هذه الحقائق الكبرى و هذه التحوّلات الرّوحية العجيبة و تدرك بحسّك            و فطنتك نوع الهزّة التّي أصابت روح الشّاعر و نفسيته...و قد جمع الشّاعر في هذه الثّنائيات بين التناقضات            و المستحيلات  و كيف يشكلان في النّهاية طريقه نحو تحقيق ذالك اللقاء المرتقب ..من دكّ السكون بطول الصمت و التّأمّل يولّد همس لكنّه أخ الفراغ ...فكأنّ الشّاعر يخبرنا بأن طول التّأمل و الصمت يفتح لك عوالم ما كانت لتفتح إلاّ بدك السّكون ذاته.. أينّ يستحيل كلّ ذلك السكون إلى تسبيح و تهليل ..بل إنّ الغياب في تلك العوالم الصامتة هو عين الحضور  و هذا ما تشعرك به الثنائية الموالية...و في ظلّ احتدام نيران الشوق لتحقيق حلم اللقاء يلجأ الشّاعر إلى المغالبة و التّصبّر و المصابرة  فلا سبيل لنيل المراد المأمول إلاّ بركوب متن المغالبة...ليختم ثنائياته العاشقة بمواساة قلبه العاشق المتلهّف المستعجل بتطويل الرّجاء ...و التّعبير بالرّجاء أقوى و أسلم و أوكد من التّعبير بالحلم أو الأمنية ؛فالرجاء في الله متحقّق لا محالة إذا ما سلك العبد طرقه و تسلّح بالأسباب و التصّبر و أمّا التمنّي فقد يتحقق و قد لا يتحقق .

المقام الثالث: ويختم الشاعر هذا التّحليق الرّوحي والسّياحة التّأملية بقرب تحقّق رجائه وإن كان على يقين من ذلك لكن لكلّ أجل كتاب.. ومن حقّ من كان ذلك شأنه وديدنه أن يسائل الليل ثم ليستمع بأذن قلبه للإجابة فذاك عالم لا يعرف إلاّ بالتجربة والعروج..

غير أنّه في هذا المقام الأخير يجمع بين الشيء و ضدّه و هذا من الحجاج البلاغي البديع و قديما قالوا: “تتمايز الأشياء بأضدادها" فبين لواعج الحبّ و الهجر ينمو الشّوق و الحنين ..و بين الوجد و الغدر و الكبرياء تذوب المسافات و تتحقق الأمنيات ...و بين هذا و ذاك و مدّ و جزر و شدّ و ارخاء و ضحك و إعراض تتبيّن غاية الشّاعر و سبب رحلته المسائية الليليّة و معاودته لها عند كلّ مساء ..إنّه العروج إلى الله تعالى حيث مقامات النّور       و العشق و الانتشاء...و بذلك يكشف عن طبيعة هذا الحلم و منه هذا اللّقاء المتجدّد كل مساء في انتظار عروج الرّوح الأخير إلى بارئها و خالقها و مبدعها...

وأسألُ ليْلِي..

عنِ الحُبّ والهَجْرِ..

والوَجْدِ والغَدرِ..

والكبْريَاء..

فيَضحَكُ مِنّي..

ويُعرِضُ عَنّي..

ويسألُ رُوحِي..

عُرُوجًا إلى النّورِ..

إلى الله...

والعِشقِ.. والانتِشَاء..

ما أقدسها من رحلة وما أروعه من حلم و لقاء و ما أصفاه من عروج ...

بولمدايس عبد المالك

تونس في 12/03/2022

  

تعليقات