أنا و المحجرون صحيّا...
أنا و المحجّرون صحيّا..
معادن الرّجال لا تبوح بأسرارها إلاّ إذا خبرت غورها و
جرّبت السير فيها..فالمواقف لا تؤخذ من أفواه تقطر عسلا و بيانا و لا من كلمات
رنّانة فضفاضة ذلك أنها تشبه التّبر حين تفتنه بالنّار فيرمي خبثه و يعلن عم حقيقة
جوهره الذهبيّ الخالص ؛فكذلك هي أخلاق الرّجال
و النّساء على حدّ سواء حين تواجه
الحقيقة .
عايشت رجالا و نساء طيلة مدّة الحجر الصّحيّ و قبله
فوجدتهم على قلب رجل واحد و كلّهم على استعداد لبذل ما يملكه من أجل خدمة أفراد لا
تربطه بهم قرابة و لا مصلحة ذلك أنّ الأقدار جمعتهم و فرضت عليهم منطقها بحكم شدّة
و ضراوة المجنة التي يمرّون بها..شباب في مقتبل العمر قد تخدعك مظهر لباسه و نوع
تحليقة شعره و بعض تصرفاته الصبيانية لكنه عند المواقف الجادة الإنسانية الحاسمة
ينقلب إلى شخص ودود ، راق يفيض حنانا و شاعرية و أدبا رفيعا ..يبذل كل ما يملكه من
أجل إدخال الفرح و السّرور على قلوب منكسرة تعاني في صمت جرّاء ظروف قاسيّة متعبة
طال أمدها و اشتدّ إيلامها نتيجة مرض عضال طال أمده أو غربة فرضتها ظروف الحجر
الصّحي أو لقلة ما في اليد و غيرها من الأسباب ..
في اللحظات الإنسانية الفارقة يبرز إلى السّطح نبل
الإنسان الجزائري المسلم و شدّة غيرته و بذله اللامتناهي لإخوة و أخوات يلتقي بهم
لأوّل مرّة ، لا تربطه بهم صلة قرابة و لا مصالح مادية متبادلة فقط رفقاء سفر
محتوم لحجر معلوم نتيجة لوباء الكورونا المتفشّي ..
و من حسن الأقدار أن يجتمع أفراد جزائريون في رحلة عودة (تونس/الجزائر)
يغيب فيها دور الحكومة إلا نادرا لتنوب عنها أخلاق المروءة و الرّجولة لأفراد
محجّر عليهم فتراهم يتهافتون كالنحل و الفراشات فهذا يحمل حقيبة شيخ أو عجوز و ذاك
يقدّم طعاما أو شرابا لمن يريد و يحتاج ، و ثالث يسعى و يهرول ليشتري زجاجات ماء
ليقدمّها لمن لا مال له و لا حيلة ..مظاهر تكافل لا تراها إلاّ في عالم القصة
الجميل.. تآزر منقطع النّظير مستمر غير منقطع .. تضامن خياليّ عجيب يشعر فيه المرء
بقيمته و كرامته الإنسانية و بعظمة دينه و بروعة انتمائه لوطنه الجزائر..
نعم ففي طيلة طريق العودة قد غابت السلطات و لكن حضر
الإيثار و المروءة و التّضحية ..مظاهر إنسانّة مؤثّرة حدثت أثناء رحلتنا من تونس
إلى الجزائر و أخرى أثناء إقامتنا في فندق "إيفيان" بالقالة تركت الحليم
حيرانا..
لقد كان كلّ المجرين كالجسد الواحد و على قدم مساواة
واحدة حيث اختفت كل مظاهر التمايز المادية و الفكرية و العمرية و برز الإيثار
كقيمة إنسانية عظيمة لتميط اللثام عن عظمة الفرد الجزائري و نفسيته الطيبة الفريدة
المائزة و نبله و طيبته و حبّه للخير و التّضحية اللامشروطة و الصدق و الوفاء..
مواقف كثيرة استوقفتني و زادت من احترامي لديني و جزائريّتي
و هويتي.. و للأمانة التّاريخيّة فبمجرّد وصولنا إلى مكان إقامتنا هرعت السّلطات
إلى مكان استقبالنا و خدمتنا و توفير جميع شروط الراحة و الإقامة الطيبة و كان في
استقبالنا و خدمة جميع الإداريين و الأمنيين و الممرضين و حتى بعض المواطنين الذي
أغدقونا بتبرعاتهم السّخية و لا أنسى دور بعض الجمعيات المحلية المدنية التي لم
تقصّر في خدمتنا و تخفيف الكثير من معاناتنا و نحن في تونس الحبيبة..منذ لحظة
وصولنا إلى الفندق انقلب الوضع و دخلنا مرحلة نقاهة و متعة و رعايّة شعرنا فيها
بقيمة انتمائنا لدولتنا الجزائر المجيدة..و قد حظينا بزيارة والي الولاية و
السلطات المحلية و الأمنية و كذا المجتمع المدني أين صرّحوا لنا عن استعدادهم اللا
مشروط و المتواصل للسهر على خدمتنا و التّكفل بكامل انشغالاتنا ...و كذلك كان
الحال طيلة إقامتنا فشكرا للسلطات المحلية و الأمنية و للجمعيات المدنية و
للقائمين على النّزل ..و شكرا للمواطنين الذين لم يبخلوا علينا ..شكرا للجميع شكرا
لا أوّل له و لا أخر ...
القالة في 05/06/2020

تعليقات
إرسال تعليق