رسائل في الزّمن الضائع : الرسالة الرابعة

رسائل في الزّمن الضائع 

الرّسالة الرّابعة :



لست أدري كيف تهرب منّي الكلمات كلّما هممت بوصلك و أنا العاشق المتيّم ..تحومين حول حماي فأرى ملامحك الجميلة فأمدّ يداي فتعود فارغة لا حروف تزّينّها و معالم تحدّد طريقها..

أيّتها الكلمات الهاربات منّي إليّ بلّغي سلامي لذلك الطيف المتواري عبر ستائر الحياء تارة و احمرار الخجل تارة أخرى..بلّغيه أشواقي المحترقة التي طفقت تأكل بعضها بعضا فما تركت إلاّ مواقع حشاشة روح منتحبة تئنّ بالليل و النّهار...

أيّها الطيف الذي كان يغمر قلبي بالحنان و البشائر و المسرات يوم كنتُ ذلك الفارس الثّائر المتمرّد..تلك مرابعي و مآثري تشهد أنّي كنت أنا العاشق المتمّرد المهووس...ها أنذا أحمل زادي في قفّة القش القديمة و أغرّد كالشحرور..أتنقل بين غصن رطيب و غصن شفيق..فتحضنني حينا أوراق صفصافة مورقة وارفة مخضرّة ..و تضمّني بين ذراعيها سنديانة عظيمة الجذع ، عميقة الجذو حينا آخر..و تغطّيني مساءات مصفرّة باهتة الملامح عميقة الأخاديد حنّ فؤادها فأمست خزانة أحزاني و حافظة أسراري..

أمتب إليك هذه الرسالة و الأشواق تسدّ عليّ أفاق النّظر ، و تشوّش عليّ بارقات الأمل، و تضرب بجدرانها الحديدية موانع صفيدة تحجب عنّي رؤية الأمل المرتقب..و حتى النّور أمسى يخاف من طلّتي و يخشى خيباتي و عذابات مساءاتي...

ألا فلتعلمي بأنّه لا زال بين ضفاف حقيبة روحي الكثير من الكلمات و الأنفاس و النّبضات..لا يزال منها الكثير من المعاني التي هربت منّي حين أدركت هيامي و كلفيبل و جنوني الذي فاق كلّ وصف و خيال...

أيتها الكلمات العاصيات الهاربات تصالحي مع ضربات قلبي المتسارعات و أشواق روحي الغاديات الرّائحات ..تصالحي فالصلح خير...

هيّا فلتمدّي حبالك فحبالي لم تزل ممتدة و لنفسح الطريق إلى المعاني الشريفة لتلج محاريبنا القدسية حيث تبثّ أهاتها و أسرارها فينتشر السرور و الحبور و يومئذ يفرح العشّاق بميلاد يوم جديد و أمل قريب...

بالودّ نفترق و أودّعك و على الودّ نتعاهد و السّلام على روحك الغائبة الحاضرة ...

قسنطينة في 17 /10/2024 

تعليقات