رواية " عملاق قسنطينة" :عوْد على بدء للكاتب سعيداني الهاشمي رحمه الله
رواية " عملاق قسنطينة" :عوْد على بدء للكاتب
سعيداني الهاشمي رحمه الله
"
عملاق قسنطينة " رواية قديمة نشرت سنة 1984 بمناسبة فوزها في المسابقة
الأدبية التي أقامتها مديرية الثقافة و السياحة و الإعلام لولاية قسنطينة و
الرّواية هي من مقتنيات والدي الكريم رحمه الله تعالى ..تردّدت كم مرّة في الإقدام
على قراءتها و أخيرا تجرّأت و فتحت أبواب فصولها فوجدتها ممتعة فلم أطلق سراحها
حتى أتيت على آخر كلمة منها ، و لعميق تأثيرها على نفسي سجّلت هذه الملاحظات
فأحببت أن أشاركها غيري تعميما للفائدة من جهة و إحياء لذكرى أديب صحافيّ مترجم
كرّس حياته للأدب و الثقافة و الفكر..
1-
العنوان : " عملاق قسنطينة" عنوان يوحي
بالكثير في مخيال القارئ و العنوان له خصوص و عموم..فهو و إن كان يتحدّث عن شخص
بعينه غير أنّه يعمّ جميع الشخصيات حيث يعكس بجلاء صورة كلّ مقاوم و مقاومة معروف
النسب و المصير أو من المجاهيل ..فالعملاق صفة ونيشان لمن جعلوا من أرواحهم جسورا
لعبور الأجيال اللاحقة نحو الحريّة و ميادين الشرف التي حرموا منها ..و العملاق في
المخيال الشعبي يوحي إلى الضخامة و القوّة و الانتصار و إشاعة الخوف في قلوب
المستعمر و المعمّرين..
2-
فصول الرواية الثّمانية تعمد إلى أسلوب الإيحاء النّفسي
و يركّز كثيرا على الأجواء و الأحوال النّفسية التي تنتاب أبطال الرواية و خاصة
البطل الرئيسي "ريبوح" ، و هو صراع طبيعيّ لا يفارق كلّ جزائريّ حرّ أبى
أن يعيش الضيم و الذلّ و المهانة ..هذا الصراع النّفسي الحاد و المرير و غير
المنقطع يغرق البطل في صراع مع نفسه و مع أقربائه و المجتمع و قد انعكس في صورة
فكر رابض مستمر، و قلق متراكم ضاغط و بذلك يقرّر الكاتب بأنّ النّصر الحقيقي يبدأ
من داخل النّفس قبل أن يتجلّى في جهد و دفاع و كفاح ، و تعكسه السيطرة الكاملة على
هواجس النّفس الضاغطة و الأحاسيس المقلقة المتجدّدة ..و هذه الحالة النفسية قد
تجسّدت تقريبا في كل شخصيات الرواية بكميّات متبانية و لكّنها تصبّ جميعا في رفض
المستعمر و بضرورة مقاومته و رفع الغبن
المسلّط على الشعب و التراب ..
3-
أبطال الرواية: عمد المؤلّف إلى اختيار أبطال و شخصيات
الرواية من عموم الشّعب و بسطائهم أي ليس ممن تعلموا و تحصلوا على أكبر الشهادات
من جامعات كبرى أو ممن يعرفون بأعيان القوم و وجهاهم و أغنيائهم و مزج بين الذكور
و الإناث حتى لا يغمط من حق المرأة الجزائرية و دورها الكبير المائز في إنجاح مسار
الثورة و تحقيق النصر و التحرير..و تمثّلت هذه الشّخصيات في:
2-1- "ريبوح" : شاب من عموم النّاس لم يسعفه الحظ في بأن
يقرأ و يتعلم لكنه شخصية تمتاز بكارازمية خاصة من صرامة و رقض للذل و الصغار و
الحقرة من أي جهة كانت و كان من نتائج هذه الأخلاق عواقب عدّة من تهميش و طرد من
العمل و زج في السجون و حصار كبير و هجرة و اغتراب..
2-2- عمار البونته:هذا الفدائيّ المقاوم المخفي الذي لم
يأخذ حقّه الكامل في الاعتراف ببطولاته الفذة رغم ما قدّمه من تضحيات جسام انتهت
باستشهاده ..و هذا البطل يعكس بحق رحال الظلّ و نساء الظل كذلك و ما أكثرهم و كيف
ساهموا في إنجاح الثورة بعملهم السّريّ الخفيّ ..هذه الفئة التي لم تنل حقّها أثناء
أو بعد الثورة و لم يذكرهم التاريخ إلا عرضا و ناذرا..
2-3- جعفر أخ
ريبوح: تعمّد المؤلف إقحام هذا الصنف من الرجال الأبطال الذين كانوا في
ظاهرهم عملاء و مقربين من المستعمر غير أن حقيقتهم أنهم كانوا قد وظفوا من طرف
الثورة كمخبرين و عملاء ليسهل عملهم في نقل الأخبار و جميع خطط و مشاريع العدو ..و
كم ظُلم الكثير من هذه الفئة و عانت أهاليهم بعد الاستقلال الأمرين و الويلات و
الضغوط النّفسية ..
2-4- زوجة
"جعفر ": عمد المؤلف لإزالة عمالة جعفر و شبهات تقربه من
المستعمر إلى إقحام زوجته في العمل الفدائي و ذلك بتنفيد عملية بطولية استهدفت
رأسا كبيرا في الجيش الفرنسي مضحيّة بنفسها و ذلك عن طريق تفجير عبوة تخفيها تحت
ثيابها ..و هذه التفاتة من المؤلف لتلك الفئة المظلومة و انتصار لها و تخفيف عنها
من تلك الضغوط النفسية التي عاشتها عائلاتهم من بعدهم..
2-5- زبيدة حبيبة ريبوح :زبيدة هي قصة حب و عشق قديمة
انتهت بزواج ريبوح منها و إقحام فكرة الحبّ في أحداث الثورة ليبين المؤلف نفسيات
أولئك الأبطال المرهفة و بأنهم أرواح تشعر و قلوب تنبض بالمشاعر الحيّة
الإنسانية..
4-
تفنن الكاتب في إقناع القارئ عن طريق سرده للشواهد
الكثيرة التي تثبت بأن الثورة قادها الشعب في صورة رجال بسطاء و نساء بسيطات لم
يحوزوا على شهادات تعليمية عالية لكنّهم كانوا يملكون استعدادا منقطع النظير من
الوعي و الولاء و الاستعداد للتضحية بكل شيء حتى أنه وصف بعضهم بالإنحراف كممارسة
الزّنا و شرب الخمر ..
5-
مشاركة المرأة في إنجاح الثّورة و تحرير البلاد و العباد
قضيّة جوهرية و تعرضهن لأنكل العذاب و أمر الذل على أيدي قتلة لا رحمة في قلوبهم و
لا إنسانية ..
6-
الأمثال الشعبية كشواهد و أدلة على عمق الرواية الشعبي و
كيف ساهمت في إضفاء حركية مميّزة في متون الرواية ..مثل قوله مثلا:"البركة في
القليل" و قوله "المدفع يسكته المدفع" إشارة إلى المثل العربي
"لا يفل الحديد إلا الحديد "..و للأمثال الشعبية تأثير كبير و آسر في
نفوس القرّاء على اختلاف مستوياتهم الثقافية و اعتمادها يغرق القارئ في بحار هويته
و ثقافته العربية الإسلامية و لا يخفى القيمة الدلالية الإجرائية للأمثال الشعبية
في العملية التواصلية .
7-
الجغرافيا و الأماكن و دورها في إغناء النص الروائي:
يتضح جليّا بأن الكاتب رحمه الله عارف بجغرافيا مدينة قسنطينة و خباياها و شواعرها
و تمثّل ذلك في سرد أكبر عدد ممكن من أسماء الأحياء و الشوارع هذا نزر منها بغير
ترتيب:الكدية- نهج مصطفىى عواطي – الشّارع
– باب القنطرة – عين الباي – القصبة – ساحة الشهداء الفجوة قديما – سيدي مبروك –
شارع البساتين – البطحة – قهوة النجمة – سيدي راشد – الحامة بزيان – سوق العصر –
مسجد سيدي حسن الباي – جبل الوحش – شارع فرنسا رود فرانس- السويقة – الطريق جديدة –
الجابية – رحبة الجمال – لابريش – نهد فرنساالسطحة- المنصورة – الفوبور – باب الواد
- .. و هذا يدلّ على إحاطة كاملة و قريبة بقسنطينة و أسرارها و خباياها لتساهم هذه
الأسماء في إعطاء صورة واضحة عن عظمة هذه المدينة و بأنّ كل شبر منها قد قاوم
الاستعمار ..
8-
الأرياف و القرى و الدُّشر و دورها الفعّال في إسناد
الثّورة مؤكدّا بذلك على الدور الفعّال و القويّ لها و بأنّ هذه الأخيرة كانت قد
تعرّضت لأبشع العذاب و أمرّه و بعضها مُسح أهلها عن بكرة و دمروا تدميرا رهيبا
وحشيا دون نسيان التعدّي على أعراض النساء و شرف الرجال و أكباد الصبيان ..و يكفي
أنّ بطل هذه الرواية جاء من خارج قسنطينة أي من هذه الدّشر و القريات..
9-
يشعر القارئ بأن الكاتب تعمّد ذكر شواره و حارات قسنطينة
بأسمائها القديمة إلا نادرا ليعلّم الأجيال المستقبلية تاريخ و جغرافيا مدينة
العلم والعلماء و الهوى و الهواء لأنّ الكثير من الأسماء قد تغيّرت و سميّت بأسماء
الشهداء و الشهيدات و هذا ملمح تاريخيّ جدّ هام و نافع..
هذه بعض الخطوط العريضة التي تناولتها الرّواية بغض
النّظر عن لغتها العربية الفصحى المتقنة و كثرة التشبيهات و الكنايات و الاستعارات
و انفتاح النّص على احتمالات عديدة و تأويلات كثيرة و تسلسل أحداث الرواية المنطقي
و نجاح الكاتب في تبليغ رسائله و أتصحيح بعض الأفكار الشائعة المغلوطة عن الثّورة
..
هذا فإن أصبت فمن الله و إن أخطأت فمن نفسي و الشيطان...
بولمدايس عبد المالك
قسنطينة /الجزائر في 18 /08/ 2024

تعليقات
إرسال تعليق