غربة ُالحنين و شدّةُ الأنين في قصيدٍ حزين للشاعر التّونسي البشير المشرقي..
غربة ُالحنين
و شدّةُ الأنين في قصيدٍ حزين للشاعر التّونسي البشير المشرقي..
الشاعر البشير المشرفي ..شاعر تونسي من المكثرين و المجيدين .. نشر
عشرة دواوين شعرية منها :همسات الى الزمن
الهارب ؛على نقر المطر والذكريات ؛ تحليق خارج حدود الحلم و غيرها و له صولات و
جولات في ميادين الأدب و الشّعر التونسي خاصة ويكفي إطلاله سريعة على عطاءاته في
الفايس تعطيك صورة عامة عنه .. يمتاز شعره
بوضوح الفكرة ،و جزالة اللّفظ ، و دقّة اختياره ، و كثرة الصّور البيانية التي
تحيط بعوالمه الشّعرية ..
و من خلال متابعاتي
العديدة و المتكرّرة لشعره الرّصين المرّصع
في جداريته فقد لاحظت جنوح قوافيه إلى الحنين ،و إلى مرابع الماضي ، و الشّوق إلى
أحبائه و مرابع الشّباب .. و الغربة لا تعني عنده انتقال الجسد من وطنه
الأصلي إلى وطن ثان أو ثالث فهي عند غربة
نفسيّة و ما أقساها و أشدّها على نفس شاعر محبّ ،مرهف الحسّ ، جميل الشّعور ، عاشق
للحرف و غرق إلى حد الأذقان في بحر محيطه الكبير الهادر.. إنّه شاعر يحبذّ العيش
في فضاءات طيوف الذكرى و له مع الغربة وقفات و ذكريات .. ولزيادة البيان و طمعا في
استدرار فوائد شعره وقع الاختيار على هذه القصيدة لنعيش لحظات جميلة بين أشعاره و
نعم الحياة هي..
بداية لم أهتد إلى
عنوان القصيدة فقد نشرها هكذا ليقحمنا مباشرة في دائرته الشعرية التّواصلية ملتزما بالتّرصيع(يندم/يتضرّم) في البيت
الأوّل.. إشارة منه واضحة و قوية لالتزامه الصّارم بقواعد الشّعر العمودي الأصيل، و إنْ
كان من عادة شعراء العرب أن يصّدروا أشعارهم بالنّسيب ، و هو غزل عذريّ عفيف ومحبّبٌ للنّفوس العاشقة للحرف العربيّ عامة و
الشعر خاصة غير أنّ شاعرنا جعل من قصيدته كلّها نسيبا محترقا ممّا أغناه عن بيت أو
بيتين و تلكمُ إضافة ذكيّة و قيّمة من شاعر فحل مجُيد.. لحاجة في نفس يعقوب آثرت
أنْ أقسّم هذه القصيدة إلى أربعة مقاطع بالرّغم من وحدة القصيدة الموضوعية فهي
تعكس روحا عاشقة هدّها الشّوق و أتعبها فحنّت لتلك المرابع فأنشدت في حبّها بدل
الكلمات حشرجات و وجيب و آهات عساها أن تخفّف من تلك نيران الشّوق المضرمة و هدير
الحنين المتلاطم..إنّها لقطة نفسية غارقة في البكاء..حكاية عشق رابضة متجدّدة ..و
كلّما مرّت الأيام و السنوات كلّما اشتدّ لهيبها و توسّعت نيرانها فأتت على كلّ
جميل في نفسية الشاعر و حسب الشاعر عذابات و معاناة يشيب لها الصغير ..
- المقطع الأول: النّدم تأسف شديد أو حسرة كبيرة
تصيب القلب من جرّاء فعله لشيء ما أو العكس أي تركه و هو قصيدة الشّاعر يأخذ من
النّوعين معا و بهذا يبلغ النّدم عند قمّتهُ. و إن حاول أن يبحث لنفسه عن مبرّر ما
يخفّف به من هول ما يجد حين استدرك قائلا:"و المرء يندم" غير أنّ دوافع
هذا النّدم في حقيقة إنّما هو شوق في
القلب مضرمة نيرانه و الشّوق نوع من العجز الذي يصيب الروح لعدم تمّكن الشّائق من
لقاء محبوب أو عزيز بسبب بعد قاهر على الأكثر و التّعبير بالضيم "ضامني"
زيادة في معنى تمكّن الشوق و غلبته..و الضيم نوع من الظلم و المعنى محتمل فكأنّ
الزّمان قد ظلمه حين فرّق و باعد بينه و بين أحبابه.. و الضيك كذلك إذلال و هذا
المعنى محتمل أيضا فكم ذلّ الشوق أشخاصا أقوياء حين باعدت بينهم و بين محبّيهم
ظروف زمنية و مكانية..و المعنيان محتملان فكيف بها إذا اجتمعا على قلب شاعر مرهف
الإحساس ..
ندمتُ على ما
فات و المرء يندم
وقد ضامني
شوق لهم يتضرم
و الطيران المجنّح هو
من الأساطير السّومرية و هو معنى لأنثى الجن في آثارهم و منها الثور المجنّح
مثلا..فالشّاعر لم يجد وسيلة لإطفاء نيران الشّوق غير امتطائه لأجنحة الحلم
"يحلم" و لجوئه إلى الأساطير للتّخفيف منها ..و التّعبير
بـ"لولا" حرف امتناع لوجود أي أنّه لم يتحرّك أساسا من مكانه الجاثم
فيه..و ما تصرّفه هذا إلا وسيلة للتنفيس عن معاناته النفسية من جهة و هو نوع من
الهروب من العالم الماديّ المحسوس إلى عوالم الحسّ و الخيال.. و تشبيه حاله بحالة طير
عاجز حالم لم يبرح مكانه قيد أنملة فيه زيادة تأنيب لنفسيته و إعلان صريح بعجزه و
ضعفه..
و لولا اتقاء
اللوم طرت مجنحا
كما طار طير
بالخمائل يحلم
أحط على دوح
الأحبة ضارعا
أقبل أفياء
الغصون وألثم !
و نلاحظ بأن الشّاعر البشير
المشرقيبالرّغم من تأكّده الجازم من عدم تمكنّه من رؤية الأحباب غير أنّه شبّه
نفسه و تخيلاتها بذلك الطير الذي حطّ على دوح أي شجر الأحبّة يستعطف ودّهم في صورة
متيّم ضارع يقبّل عتبات أبواب حبّهم الموصدة "الغصون" و يلثم أي لا يكفّ
من تقبيل تلك الأبواب استعطافا لقلوبهم و استجرارا لرضاهم..و هذا تشبيه بلغ أوجّه
بله كونه بديع جديد مستحدث..و التعبير بالأفياء كناية على قوّة الأمل و تجدّده بين
لحظة و لحظة كما تداعب أشعة الشمس ظلال الغصون فمرّة تسطع و مرّة تختفي..نوع من
المغازلة عساها تقرّبه من أحبابه زلفا..
- المقطع الثّاني: و كأنّ للشّوق أزمنة
كحال زماننا الذي نعيشه بل و له حدّ كبير و صغير و متوسط و كأنّي بالشّاعر يشير
كناية عن طول مدّة الشّوق و الفقد و الغربة التي مضت و توارت حتّى أقفرت مجالس
اجتماعنا مثلها مثل صحار فارهة فاها من شدّة الفراغ الذي حلّ محلّنا حتى ظننت بأن
ظلمات الليل قد خيّمت و غزت كلّ بقعة منه و زاوية ..تشبيهات و كنايات تتظافر كلّها
لتصوّر غربة الحنين الذي أقام و عرّش و أفرخ..حتّى أنّ الشكّ بدأ يتسرّب إلى نفسه
فيوسوس في نفسه بأنّ تلك المجالس القديمة و ذلك الترنّم و الغناء الطفولي و ذلك
الشدو المميّز من ذلك الطّفل الذي هو بقلب طائر لم يكن له وجودا ألبتة..تصوير بديع
و مشاهد كئيبة تجعل الروح يبابا..و نلاحظ كميّة ألفاظ الحزن و النّدم الكثيرة [الماضي/الإقفار/الفراغ/التّخيييم..]
كدلالة على ذلك الشّوق الكبير الذي سدّ آفاق روحه و لم يترك له منفذا و متنفّسا..
مضى زمن
الشوق الكبير وأقفرت
مجالسنا فيها
الفراغ يخيم
كأني بها ما
كنت أشدو مرنما
كطير على
أغصانه يترنم !
و ها هو يشبّه شدّة
شوقه و حنينه بطير كلّ همّهُ أنّ يرى إشارة هنا أو هناك تدلّه و ترشده إلى محبوبه
و لعلّ التّعبير بالنّخيل و بهفوّه نحو رياح مرغوبه و طالبه و دليل ذلك كثرة البوح
و الكتم معا..و إيراده لهذا الطّباق (أبوح/أكتم) زيادة في تصوير تردّده و حنينه
إضافة لما ينتجه هذا الطّباق من إيقاع داخلي و موسيقى تعكس صورة مقرّبة و مهرّبة
عن نفسية الشّاعر المتردّدة و العاشقة..
أطير آشتياقا
للنخيل إذا هفا
أبوح بأشواقي
لديه واكتم
ثمّ يكشف عن أحوال قلبه
و ما ألمّ به من وجد دفين أذاب كلّ شعور منه و فيه و أنتج أوجاعا نتيجة كثرة
هجومات أوجاعها و تذكارها على روحه الحبلى
بالاشتياق والحنين ..و ما ذلك لضعف فيه و
خور و إن لم يسلم ذو كبد رطب من تألم و ووجع ..
بقلب براه
الوجد حتى أذابه
وأوجاع تذكار
على الروح تهجم !
وما كنت يوما
استقيل من الجوى
وإن كنت من
جرائه أتألم
- المقطع الثّالث: بعد هذا الوصف الدّقيق
للحالة النّفسيّة التي سيطرت عليه يسلّم الشّاعر بسلطانها القاهر ، و يردّها إلى
سلطان المقادير..هكذا بالجمع إشارة كثرتها و سطوتها..و بتساؤلات بريئة أقنع به
نفسيته المهترئة يحاول جاهدا معرفة طُرق الصدّ و المواجهة حتى اتهم نفسه بما ليس
منه " و أعرف أنّي بالمواجع مغرم" ..و يواصل الشّاعر مناجاة نفسه و
مسترسلا مع هواجسه و تساؤلاته ليقنع نفسه البريئة بأن دائرة الأيام قد تآلبت و
اتفقت على هتك مشيئته و ما زاد في انهزاماتي و انكساراتي معارضة مشيئتي و مخالفاها
حتى غدت أقداري محتّمة لا قبل لي بها و لا سبيل لمواجهتها ، و ما ذلك إلاّ لديمومتها
و استمرارها ..و ما التّعب الذي أرهقني و سامني سوطه إلاّ علامة فارقة في طريقي و
مصيري..و أمام هذه الضربات القاصمات لم يكن بدّ من الشّاعر إلاّ اللجوء إلى رحاب
التمنّي " يا ليتني" لعلّها تحنّ يوما فتهيّأ له و لأحبابه لقاء تهنأ فيه
الرّوح وتسعد بين روابيه النّفس فيعيش عيشة أمن و سلام..
مقادير هذا
الشوق كيف أصده
وأعرف أني
بالمواجع مغرم ؟
تآلبت الأيام
ضد مشيئتي
وأتعبني منها
مصير محتم !
فيا ليتني
ألقى الأحبة في الحمى
فيهنأ قلبي
باللقاء ويسلم
- المقطع الرّابع و الأخير: و يمتدّ
أمله في شكل مناجاة جيّاشة بينه و بين
نفسه المهزوزة المهزومة متسائلا عمّا وراء استمرار سهاده الليلي و امتداد ليله
الطويل الذي لا ينقطع ..و يسأل نفسه و يجيب ليتذكّر من جديد ذلك الطائر الغريب
البعيد الذي حنّ إلى خمائله و بساتينه و كيف تحوّلت أحواله من شدّة وطأة النأي و
البعاد ..و ترجع أيّامه الغائبات الخوالي
و يعود طائره المضل "الحسّون" إلى غصنه من جديد يداعب بأحانه الشجيّة
العذبة أوتار نفسه المتقطّعة من بعد فراق طال أمده إيذانا بعودة الفرحة إلى القلوب
و الإبتسامة إلى الوجوه ..أمل مرغوب مطلوب يسيطر على أنفاس طائر مهاجر ..نهاية
للقصيدة تنضح بالأمل المرتقب المنشود و
توحي بنهاية رحلة سعيد يجتمع فيها الشمل و تحيا طيوف ذكرياتها من جديد و يعود
الفرح و السّرور و يومئذ يفرح المؤمنون...
فقد طال ليلي
في سهاد ولهفة
فما لظلام
الليل لا يتصرم؟
أيرجع طير
للخمائل بعدما
دهته النوى
من هولها يتبرم؟
وينشد حسون
على فنن الهوى
ومن بعد لأي
دهرنا يتبسم !
الملاحظ عن مقاطع هذه
القصيدة الحزينة التي تعكس دقّات قلب غريب هدّه طول السّفر الإكثار من استعمال
الفعل المضارع في نهاية كلّ عجز [يندم/يتضرّم/يحلم/ألثم/يخيّم/يترنّم/أكتم
/تهجم/أتألّم/يسلم/ يتصرّم/يتبرّم/يبتسم] بالرّغم من قدرة الشّاعر على استعمال أسماء
الفاعل و المفعول فما السّر في ذلك؟
أعتقد بأنّ الشاعر
يعتقد بينه و بين نفسه بأنّ لقاء أحبّته من جديد أمر بعيد و الدّليل على ذلك وجود
هذا الكم الهائل من الأفعال المضارعة التي تفيد الاستمرا أي استمرا غربته و تفيد
أيضا التكرار كناية على تمكّن هذا الشعور من قلبه و وجدانه و نفسيته..هذا ما ظهر
لي غير أنّني لاحظت بأنّ هذه الأفعال تبتدأ بحالة نفسية رابضة"النّدم" و
تنتهي بحالة نفسية مفرحة "الابتسامة" و العبرة بالخواتيم كما يُقال..
و الملاحظة الثّانية
توظيف الشّاعر لضمير المتكلم "أنا" ظاهرا و مستترا و متصلا ليكس بذلك
حضورها الطاغي و الطّامي على أحداث القصيدة و تشعباتها و أحداثها و هذا من الأبعاد
التّداولية التي تحيل القارئ إلى عوالم نفسية و معنوية ما كان لها أن تكشف و تعرف
لولا توظيف مثل هذا الضمير الشخصي الإشاريّ..
و في ختام هذه الرّحلة
الممتعة المشوقة في رحاب فضاءات الشّوق و التحنان و الغربة النّفسية نخرج بنتيجة
عريضة مفادها نجاح الشّاعر الفائق و المذهل في تصوير غربته و إشراك القارئ في دائرته
التّواصلية حتى جعله يشعر بأنه ذلك الطائر العاني الغريب المجنح الذي يبحث عن
حبيبه و موطنه الأول أيضا..و بذلك يوافق الشاعر أبا تمام حين قال:
نَقِّل فُؤادَكَ حَيثُ
شِئتَ مِنَ الهَوى
ما الحُبُّ إِلّا
لِلحَبيبِ الأَوَّلِ
كَم مَنزِلٍ في الأَرضِ
يَألَفُهُ الفَتى
وَحَنينُهُ أَبَداً لِأَوَّلِ مَنزِلِ
و بهذا تكتمل الرّحلة و
نصل إلى فكّ عقدتها الأخيرة و بالله التّوفيق..
الجزائر في 20/01/2024
.jpg)
دراسة مستفيظة وعميقة لشاعر واستاذ قدير متمكن من ادوات النقد.
ردحذفدام ابداعه.
شكرا جزيلا ..شرف و وسام من متمكنّ همام
حذف