رسائل سلام لكلّ رجل هُمام للشاعرة الجزائرية أم_غسان_مسعودة_عزارنية

رسائل سلام  لكلّ رجل هُمام للشاعرة الجزائرية أم_غسان_مسعودة_عزارنية

بورتريه الحقيقة و خريطة طريق



1-                    عندما تتحوّل المشاعر الجيّاشة إلى كلمات و إشارات و تواصل رحلتها لتصير عبرات و تتلفّع بالصدق تبحر أرواحنا عبر أجنحة دلالاتها لتلامس الأحزان         و تشارك مصيبة شاعرتنا المفجوعة..من يستطيع فعل هذا حقّ له أن يفتخر..

هو نوع من السحر الحلال تزيده أنهار البكاء هديرا و ثورانا..فكيف ببكاء شاعرة ..لن تدرك معنى هذه الكلمات إلا حين تتطذّر و تغتسل بماء البرد و الثلج..عندها تدخل حصن الأجداث آمنا و مؤمّنا..و آن لك أ نقرأ مع الشاعرة تراتيلها الجنائزية :

                 "حين بكيتُ...

تساقط الزّمن من حدقتيّ..

تهاوى الفؤاد حبّات مطر

تضوّعتْ دموعي رائحة الأجداث..  

مسَحَتْ العتمة ظلّك."

بكاء شاعرة أنثى يساوي بكاء قبيلة من الرّجال و إن حام الشك حولك فهاك التّرياق             و البلسم على لسانها :

"حين بكيتُ...

هوَتْ عيناي.. في اللّاحياه.."

هي حيّة لكن في اللاحياة ..قمّة العزاء و الوفاء ..ألم أخبرك سابقا بأنّ مأثما جنائزيا واحد لأنثى شاعرة يعدل حزن البشريّة جمعاء...و لكن للشاعرة أم غساسنة كلمتها الأخيرة و عبر كلمات أربع تميط اللّثام و تعلن موقفها دون خوف و لا تردّد و لا مداهنة  ..فماذا هي قائلة ..هكذا بصيغة المتكلم توجّه قناعاتها للمخاطب الذي لم تفصح عن كنهه و ماهيته.. هل هو التّاريخ.. أم الضمير الإنساني أم أخوها الإنسان الذكر أم هو شيء آخر و لا نستطيع أن نحدّد ماهية المخاطب و كأنها إشارة منها قويّة لضرورة الالتفات لمضامين الرسالة بدل الاهتمام بمن وجّهت له الرّسالة.. و هذا أسلوب قرآني بامتياز كقوله تعالى" و الذين إذا ذُكُّروا بآيات الله.." لم يعيّن الله و يخبرنا بماهية المذكّر أهو عدوّ أم  صديق ..حكيم أم بليد كبير أم صغير..امرأة أم رجل.. لأن الذكرى مقصودة بذاتها و الحكمة ضالة المؤمنين.. فما هي رسائلها المرسلة و ما مدى صدقيتها و تأثرها في نفسية المخاطب ؟

 

2-                    الكلمة الأولى : بجرأة كبيرة و ثقة راسخة تعلن الشاعرة مواقفها الحاسمة...

- اتخاذ القرار الحاسم في اللحظة التاريخية المناسبة.

- التّخلّص من قيود الشّعور بالضعف و النقص .

- اتخاذ رواسب الماضي و تجاربها رصيدا قيّما و جسورا آمنة مأمنّة و موصلة إلى مدن الحاضر و المستقبل الواعدة.

إذ ليس من السّهل لامرأة التّغلّب على هواجسها و على قناعات باتت من حكم الواقع و مفاصله..ليس من السّهل أن تتحرّر المرأة من سجون الماضي و الأعراف و التقاليد    و أغلال الذكورة لتقول ها أنذا.. حرّة أبيّة..أحمل حرفي و و قفّتي و ضعفي                     و قوّتي..كسّرت قيود العبث المسلّط عليّ و قررت أن أرفع رأسي شامخاة ..رسالة قويّة جليّة تقرع بها أذان العابثينو المستهترين ..فاقرأ معي رسالتها:

تركتك الآن..

تخلّصت من كل حثالاتي

أستطيع أن أحيا

وأن أقول:

أنّك آخر التّرسبات

وآخر طريق للعبث

مررتُ بها ذات مرّة.

الكلمة الثانية : تمرّد أبيض لامرأة مسالمة قرّرت في حين صحوة و يقظة ضمير أن تصنع مستقبلها بنفسها متناسية بل و متحديّة لجبال من العواقب و التقاليد و القيود و العقبات ..تريد أن تبني مدينتها الجديدة و تزرع أنوثتها في جنباتها و تعلن انتصاراتها متناسية لخيبات الماضي و تقرّحاته..غير آبه بخساراتها و خيباتها و كثرة عقدها ..هدفها بناء وطنها الموعود الذي يسعها و يسع أفكارها و أكثر..قرار حاسم لا ردعة فيه و هي تعلم حجم التضحيات التي ستبذلها في سبيل بلوغ هدفها المرام...و إليك تفاصيل خريطتها التّحررية :

تركتك واقفًا

على ظلال مدينتي

سقطْتَ كرةً

في شباكي

هدفًا للانتصار.

تخلّصتُ من كل عقدي

تقيّأْتُكَ والهزيمة

وأجهضتُ كلّ أفكاري

التي نبتت على أرضك

وعدتُ انسيابًا..

لِغُربةٍ مشوِّقة

تناديني..

لأبحث عن وطن

عن وجهٍ فيه كلّ الوجوه

يجمع كلّ دموعي

في بقعة واحدة.

3-                    و النتيجة : تساؤل بريء لمقدمتين سابقتين تعلن فيه انتصاراتها و تسأل ربّما التّاريخ أو الرّجل أو الضمير القائمة مفتوحة...و بعد هل بعد تحرّري و إثباتي لذاتي و ماهيتي و قدراتي ترشّحني لأكون ملكة جديدة للنساء..كبلقيس و ملكات أخريات..        و تنزل من عليائك إلى فراشي و تضع رأسك على مخدّة انتصاراتي و تقتنع بانهزاماتك  ..ترى هل اقتنعت أم لا زالت الشكوك تحيط بأنظارك و أفكارك و قناعاتك...

تُرى..

هل ستنصِّبني ملكة

على كلّ النساء؟

أو ستجعلني أميرة

على كلّ الصّبايا؟

وتُدثّر كلماتي

بين حنايا وسادتك الصّغيرة

وتُقبِّلَ حروفي آخر اللّيل.

و تستمر شاعرتنا في تبيان كلماتها مسجلة نقاط انتصارات واعدة و مقبلة بل مغيّرة لقواعد لعبة الحياة الجديدة  و ما الكلمة الثالثة و الرّابعة إلا تفصيل بيان و خريطة طريق لانتصارات جديدة و ترسيم حدود جديدة تحترم فيها الملكة الجديدة أو الأميرة المرتقبة .. الكلمة الثّالثة :

تركتك جاثمًا..

أعرف أنّي مزّقتُ صمتك

وكلّ أوراق تفاهاتك

و رميت بك في بؤرة العذاب

الكلمة الرّابعة  :

تركتك وحدك

تستلقي على وهاد الحنين

لتشتاق لآخر وجه يلاقيك

هو وجهي..

وآخر حوّاء تضمّك

قد تحمل عيونًا

سوداء كعيوني.

المرأة هي الحياة

و الرجل على قيدها..

4-                    لما تتمايز الأشياء و تتوضح المهام و المسؤوليات لك أخي الرّجل أن تنظر للمرأة من زاوية الجمال التي تشاء..و لك أن تبدع و تنساب مع الخيال إلى أبعد الحدود ...لك أن تصفني بأجمل الأوصاف و أن تكتب فيّ قصيدتك العصماء و لك أن تعلن للوجود بأني " أحلى قصيدة يوقّع الرّجل هواها في الوجود، ويتنفس شذاها إن أحسن التعامل معها".ألا فلتعلم بأنّي نبض أنفاسك و شذا عطرك المميّز لن أفارقك لحظة بل أنا ظلّك حيثما سرت أو قررت أن تسير...قضي الأمر و استوى القول ...

 

5-                     رسالة أخرى للشاعرة تعلن فيها استعدادها للعب دورها في الحياة كامرأة أو قصيدة يسير بها الرّكبان و قد تجلّت الرؤيا و وضح الطريق ..وقتئذ سأناديك و أبقى أناديك بأحسن القصائد و أجمل النعوت و ألطف العبارات و ألين الإشارات لتدرك ماهيتي و حقيقتي و بأنّي منك و بك و إليك... و ليس أجمل من نداءاتها :

 

أناديك.. يا كل شعري

أناديك.. و بعض الشّعر قتّال..

يا يوميَ المنصرم

فالبعض للكلّ ميّال...

أناديك.. يا نبضيَ ما بالك؟

منادى اللغة يُنصب،

و منادى الفؤاد مرفوعٌ.

دوما من ضمِّه لا نتعب...

يا صوتيَ المبحوح

و يا بوْحيَ الموؤود

لحظة خروج حواء من ضلع آدم

تريَّث حتى أهديك غصّة

يا أوّل أيامي.. و بقيّة من القادم

6-                    و ما أوضح رسائلها و هي تدعو النّساء إلى إدراك حقيقتهن التي خلقن من أجلها و قد جمّلتها و نمقتها و أخرجتها في أبهى حلّة :

         إلى كل امرأة تحاول الاتّكاء على واقعها الهشّ دون الآخرين، ليستقيم جدارا منيعا...

إلى كل من تبلور حزنها إلى فرح، صانعة من نفسها مثالا يحتذى به...

إلى كل من تنهض مزيحة عنها كلل الأمس البغيض...

إلى كل امرأة قوية أخذت عهدا ألاّ تبالي بكل أقاويل العالم التافهة حول خرافة "ضعف وخنوع المرأة"...

إلى كل من وقفت وتقف ضد عواصف الزمن الهوجاء، رغم ما تمرّ به من ويلات الحرب و الدمار عبر العالم بأسره.... إلى كل من ينزف قلبها البهيّ حبّا وعطفا وحنانا...

إلى كل من ينزف يراعها لتطرح حروفا تضيء الوجود...

رسائل شاعرة علّمتها حرائق الحياة كيف تصبر و تصابر و تعود أقوى مما كانت عليه...رسائل شاعرة محترقة الفؤاد شقّت طريقها بين الصخور العاتيات و قرّرت أن تكون     و تحيا حياة كريمة تتقاسم فيها مع أخيها الرّجل أعباء الحياة و مشاقها و تبعاتها...و ما هذا الكمّ من الرسائل المرسلات و المقرّرات الواضحات إلا دليل على حرصها الشّديد على أن تكون شقيقة الرجل و سنده و هي في الأخير حضنه الدافئ و ملاذه الآمن حين تكشّر الحياة في وجهه...له ما لها و عليه ما عليها...معادلة قائمة أبدية...  و ما سفرها في الزّمن المرّ و تعريشها بين راحتي الرجل و إنارتها لشموع قلبه إلاّ رسائل تترى ليتبيّن الخيط الأبيض من الأسود من الحقيقة...

7-               لم يكن الصمت يوما ضعفا بل إنّه إعلان موقف و نشوة انتصار في زمن جعجعته أكثر من طحينه..

و ما فرارها للصمت المطبق إلاّ لقناعة راسخة مستمدة من صلب الحياة بل و من لبّ معركة الحياة...و إن عبّرت عن ذلك بصيغة الجمع المذّكر إعلانا منها لاحترامها للرجل و مكانته المرموقة في خريطتها الجديدة : "مجبرون على الصمت، ليس لأننا لم نجد ما نقوله بل.. لأننا سئمنا من الكلام.. سئمنا من الثرثرة البائسة التي لم تعد تجدي مع الذين استباحوا إذلالنا..."

8-                    و بعد تجليتها لرسائلها و نشرها  تعلن لمن أراد أن يجدها و يراها و يعمل معها موقفها المبدئي و بلسان حروفها و حالها تقول:

"أنا الآن في عتمة سكوني...

من أراد رؤيتي، فليجعل من أصابعه شمعا ينير الدرب للوصول إلى آخر نبضات صمتي..."

رسالة تختصر مواقفها و توضّح منهاجها في الحياة دون محاباة و لا غموض         و تعتيم ..فمن أراد رؤيتها فقد أبانت له الطريق حتى لا يتعب كثيرا و يضل طريقه...و ما عليه إلاّ أن يحترق كالشّموع ليهتدي إلى الطريق إليها...و هي على استعداد لفتح كلّ أبواب صمتها ليصل إلى أبعد نقطة في نبض قلبها الكبير...

ما أرق قلب شاعرتنا و هي تعلن رسالتها لأخيها الرّجل و في هذا رسائل مبطّنة و أخرى مشفّرة لن يحلّ شفرتها إلاّ أصابع رجل محترقة...هذا و بالله التوفيق

  

تعليقات