تأملات في ديوان "محطّات" للشّاعر الجزائري نورالدّين درويش

تأملات في ديوان "محطّات" للشّاعر الجزائري نورالدّين درويش



العنوان: "محطّات" مفرد محطّة و لابدّ للمسافر من حطّ الرّحال يوما ما و إن طال الغياب ، و بعدت الشّقة ..و ما أكثر المحطّات التي يقف عندها المسافر ثمّ لا يلبث بعدها من معاودة التّرحال إلى محطّة أخرى ليؤوب بعدها إلى ذكرياته يستنطقها و يستخلص منها العبر و الدلالات ، و اللبيب من اعتبر و تزوّد عند كلّ محطة و وقف وقفة متأمّل متبصّر و أهدى للبشر بعد ذلك خلاصة ترحاله و زبدة أسفاره و ثمرة تجاربه مشاركا غيره مغامراته و الأنسان يأنس بغيره و يرتاح لحكايات غريمه ؛ فالمحطّات مرحلة ضرورية في حياة الفرد إذ أنّها جُعلت للتزوّد لا للتمتع و للاعتبار لا للتنزه..

و قد تعدّدت و تنوّعت أسفار الشاعر نورالدين درويش من محطّات جمالية و سياسية و فلسفية و اجتماعية ..خليط من هذا و ذاك صاغها تارة بالتّصريح و المباشرة و تارة بالتلميح و الإشارة و ثالثة بالغموض و الألغاز و الإثارة.. فكانت مجموعته الشعرية " محطّات" تجربة فارقة و مائزة لمن أراد خوض تجربة كتجربته أو الاستفادة من خبراته الذكية المبسوطة في ثنايا قصائده العمودية و النثرية..

أسلوب الشّاعر نورالدين درويش من السّهل الممتنع على الأغلب إلا قصيدة " ترنيغة ن فسير الدّلام،ص57-58" و أين جنح فيها للتشفير و الوحشيّ من اللّغة ربما لتأثره بسجع الكهان للشيخ البشير الإبراهيمي رحمه الله تعالى ..و ما يميّز أسلوبه أيضا عموما اعتماده على الحجاج البلاغي لإقناع المتلقي /القارئ علّه يدخله في دائرته التّواصليّة و يشركه كطرف فاعل و مؤثر فيما يطرحه من أفكار و طروحات..لذلك عمد الشّاعر إلى الاتكاء على محدّدات معينة و الإكثار منها ، و استدعاء التّاريخ و الجغرافيا و التزامه بجادة الوضوح في طرح أفكاره و خلاصة تجاربه إلاّ في حالات نادرة مستثناة..

 و قد جمعت مجموعته الشّعريّة بين الشّعر العمودي و النثري و التفعيلة (11 قصيدة) و بذلك يرسل رسالة واضحة بيّنة بأنّ الضابط و الحكم الفصل في جودة الشعر من رديئه هو الذّوق الجمالي للمتلقي أي القارئ بغض النظر عن الشكل أو القالب الذي أنشئت فيه ؛ فالذائقة الشعرية للقارئ تعلي من شأن النذص الشعري أو ترديه أو تجعله بين صاعد و هابط.. فعنده بأنّ أذواق القرّاء تتعدد و تختلف لذا جاء هذه المجموعة لتلبيّ رغبات كلّ فريق يتغنّى بليلاه مع المحافظة على سمو القضية و قوّة الطرح و وضوح الموقف و ربانيّة الغاية ..

بعد هذه المقدمة التّوضيحية الضرورية نلج تجربته الشعرية في ديوان" محطّات" من خلال ما يلي:

1-              المزج بين العاطفة الدينية و الشاعرية:العاطفة الدّينينة في قصائد نورالدين درويش تضفي على الشاعريّة سحرا رهيبا لا يقاوم و أبعادا كونية خالدة تتعدّى رقعة هذه الأرض بما رحبت ..و حدود هذا الزمن الفاني إلى عوالم الخلد و اللانهاية..

العاطفة الدينية في شعره قوّة ربانية معنوية تمدّ الشاعر بعناصر الحياة و الاستمرار و الثبات ..قوّة تهوّن الصّعاب و تلين الحديد و تمهّد الطريق نحو آفاق عامرة مدهشة.. العاطفة الدّينية هي للشاعر نورالدين سفين آمن يبحر به إلى آفاق غيبية و مقامات إيمانية تجعل منه و من أشعاره و حروفه أداة طيّعة في خدمة القضية و الرسالة و المفاهيم التي يؤمن بها..

العاطفة الدّينية وقود معين يتزوّد منها الشّاعر كلّما استقرّ في محطة  كلّما استقر  و انتقل إلى أخرى ..و هي بعد ذلك فخر و اعتزاز ..و هويّة و انتماء..و حياة أو ممات..؛فالفرق بين العاطفة الدّينية و الشاعريّة بالرّغم من انطلاقهما من مشكاة واحدة أي النّفس أنّ الشّاعرية تمثّل نبضات اللغة الشّعرية الأدبية بينما العاطفة الدينية تمثّل وقود النّفس المؤمنة التي تمنحه القدرة على الاستمرار و التّحدّي و بذل الغالي و الرّخيس من أجل إخراج قصيدة مجاهدة خالدة  تكون للشاعر و من يؤمنون بقضيّته جسرا ممهّدا يعبر من خلاله إلى عالم الروح و الملكوت و الخلود..

و المتعمّق فس عر الشاعر نورالدين درويش يرى هذه المعاني و الحقائق رأي العين في كلّ حرف و مقطع و شطر و بيت فلله درّهُ..و هذه بعض الأمثلة الكاشفة المنتخبة:

-       يقول الشاعر:

" كان يدري و قد لاذ بالصّمت عند النّزول

بأنّ الضياء الذي شدّه شدّني " (ظهر الغلاف، مهر الرّؤى الحالمة،ص45) ..يختلط الشّعر بالشّاعر فلا تكاد تفرّق بينهما لشدّة ترابطهما ببعض فكأنّهما أب بابن قد تعانقا أو قلب أمّ احتضنت رضيعها بعد طول فراق أو حبيبة أمسكت بيدي حبيبها في لحظة ضعف و فرح متزامنين .. و ما أحيا الذّكرى إلاّ ضياء لم يفارق الشّاعر طيلة رحلته..و التّعبير بالضياء أبلغ من لفظة النّور ذلك أنّ الضياء من الضوء النابع عن حرارة داخلية أي نابعة من الدّاخل ثمّ إنّ لها لنور يشدّ السّائرين نحو رؤاهم الحالمة ..و لن يكون هذا الضياء إلاّ تلك العاطفة الإيمانية .. و قبلها قال:" كلّ، مالي ،،دمي

مهر هذي الرّؤى الحالمه

قالها و مضى مسرعا في الزّحامِ" (ص43)..و لا ضريبة تكافئ هذه العاطفة الإيمانية إلاّ تضحية في سبيلها ثمّ أطلق العنان لقدميه يستعجل اللقاء و الفوز بتلك الرؤى الحالمة ..و للقارئ بعد ذلك مندوحة في الأخذ بأيّ تفسير أراد بحكم كونه معبّرا للرؤيا مقتدر..

-       و نرى الشاعر يقول أيضا في موضع آخر:" حرقة المكبوت ،حرقتهُ تذيب المفردات ..

أعلنت للآتين رفضي " (صوتي الذي..ص18 ). بنفس الروح الإيمانية و التّحدي الصارخ للواقع المعيش يعلن رفضه بصراحة للواقع المفروض ليعلن عن تحرر روحه من ذلك الكبت الرابض في باطن وجدانه..و التعبير بالرّفض هة إعلان للمواجهة و التّصدي من جهة و إغراء و دعوة للغير ممن يريد قبول التّحدي و إعلان رفضه من جهة ثانية ..و الآتين تعبير عن الأجيال التالية إلى يوم الدّين..

و من شدّة احتراق المكبوت أذاب مفردات اللّغة و أخرج بعض حممه في صورة أشعار رافضة تتحدّى الواقع و تحلم بمسقبل واعد ،و لا شكّ أنّ وراء هذه الروح المتوثّبة عاطفة إيمانية راسخة ..؛ لذلك نراه يقول مرّة أخرى محدّثا عن نفسه و مسيرتها :

"أدّت فرائضها في الحبّ كاملة ..ثمّ استوت خنجرا في صدريَ العاري"(مسافر بأشعاري،ص.40) .. يعلن الشاعر بأنّه أدى الذي عليه من واجبات و لم يقصّر في الوفاء بمواثيق الحبّ و الولاء و ها هو بصدره العري يواجه تبعات لختياراته الحاسمة  ثمّ يختم قصيدته بإعلانه:

"مسافر قدري أن أحتمي بدمي .. و أن أواصل رغم الجرح مشواري" (ص 42)..يعلن الشاعر نورالدين درويش عقيدته التي لا تتبدّل و لا تتخلّف في مواجهة كبته الرابض بأنّه لن يتخلى عن مقود سفين أسفاره و إن كان دمه مهرا لها و سيواصل سفره المقدّر له حتى بلوغ آخر محطة منه..

                   و يؤكّد اختاره هذا حين يقول و الأسى يقطّع روحه و يدمي جنانه : " و لكّنه الآن ...

لكنّني الآن ضيّعت رقم البدايات..

و لا أعرف الخاتمه.." (مهر الرّؤى الحالمة..،ص 46)..يستدرك ثم يستدرك على استدراكه ليعكس اضطراب أبجدياته المعلنة بأنّه بعد تلك الرحلات و الأسفار قد وصل إلى قناعة ضيّع فيها البدايات كما النّهايات لأنّه عاد بعد رحلته الشاقة كما بدأ ..و تلك نهاية غير متوقّعة أصابته بالذّهول و الشّك ..

             وأما الشّاعرية فلا تخلو قصيدة منها غير أنّني سأكتفي بمثال واحد منها يغني عن ألف مثال:

أيا "عبلة " الكلمــــــــــــــــــــــــــــاتُ  شموسٌ 

فلا تحجبي الشّمس عن "آل عبسِ"

تسامى الهوى يا "سعاد" و" كعبٌ"

  بذكرِكِ ناطح كـــــــــــــــــــــــــــأسه كــــأسي

و يا "عامـــــرية " "سيرتا" أطلّــــــــــــــي

ففـــــــــــــــي كلّ  حيّ بقيـــة   "قيسِ"..

أبدع الشّاعر نورالدين في استدعاء التّاريخ و خصّ بالذكر أسماء معيّنة معلنا حبّه المطلق لوطنه و لم يجد غير قصص الحبّ التي سجّلها التّاريخ بمداد من ذهب  كسند و برهان : عنترة و عبلة..سعاد و كعب..قيس و العامرية ..و أخيرا محبوته المفضّلة éسيرتا" مدينة الهوى و الهواء..فحبّه لوطنه لا يقل حبّا عن تلك التجارب الإنسانية التي يذكرها التّاريخ بكل حبّ و فخر و شغف..و التّعبي بقسنطية دلالة على الوطن برمّته أي الجزائر..فالشّاعر بهذه الشّاعرية الملفتة المدهشة عبّر عن عاطفته الوطنية بشعرية الحبّ ليرسل لنا رسالة واضحة بأنّ ثورته على المكبوت كان بدافع الحبّ لا غيره..

نلاحظ بأنّ الشاعر قد جمع بين العاطفة الدينية و الشّاعرية بكلّ اقتدار و جمالية وصدقية..

2-              اعتماد الشاعر على آليتي التكرار و التّوكيد : تعجّ قصائد الشّاعر بهاتين الآليتين ليرسل برسائله إلى القرّاء واضحة و مؤكّدة و عن إصرار و سابق رصد.. و هذا نزر منها: [قصيدة عودة (بعدما (03) ؛ (ها أنا (05) (ها هو(03) (إيه(03) و كذلك :هل و من جديد و ربما و نسيت..) قصيدة :صوتي الذي..[ أيها الصوت الذي(03) (أين (04)  ] [أيّ (03) (كلّ (02) و يوجد الكثير]]...أمّا التّوكيد فيوجد الكثير منه مثلا قصيدة مسافر بأشعاري: [(إنّني و أنّي (04)) ] و أما التوكيد اللفظي فحدّث و لا حرج و هذا المنحى مقصود بذاته من طرف الشاعر و الهدف منه إقناع القارئ و التّأثير عليه بما يطرحه من أفكار و توجّهات و قناعات ..و يكفي القارئ سياحة على عجل ليدرك تلك الأبعاد المنشودة ..

3-              الإكثار من الطباق : ممّا يلاحظ أيضا بأن الشاعر أكثر من استخدام الطباق كإيقاعي موسيقي داخلي جمالي يعمد إليه الشعراء لإضفاء مسحة جمالية و دفعة إقناعية في نفس الوقت و بذلك يجتمع الجمال الظاهري و الباطني معا ثم من المشهور قولهم: بالأضداد تتمايز الأشياء لإمكانية المقارنة و الموازنة التي يتيحها الطباق ،و هذا النّوع يدرج في قسم البديع ضمن المحسّنات البديعية،  و إليك نزر منها : [قصيدة عودة) ص13-15):من بعيد/اقترابا؛الحاضر/الغائب ] ، [قصيدة صبري الذي..(ص17-18) : أرضي/سمائي؛ بذاكرتي/نسي؛ اليباب/الرواء] ، [عيد العوانس(ص21): بقين/خرجن] ، [مملكة الوهم (27-34): الأمس/الآن؛ الجنّة/النار ؛لم تفصح/توضيح؛ القادم /القابع؛ الأبيض/الأسود؛ الماضي /الحاضر] ، [مسافر بأشعاري(37)(صالت/جالت؛ مؤازرة/إدبار؛ صحوت/عفوت؛ إخماد/إطفاءها)] ،[مهر الرؤى الحالمة ص43-46 : (مضى/تعرقل؛ يتعثّر/يركض ؛ مات/عشت ؛ البدايات/الخاتمة)] ،[عبث المشافي ص47: تضيق/لا تضيق] ، [شمس لا تغيب ص 51-56 : (الغسق/النور أو الضياء؛ يمنة/يسارا؛ خزرج/أوس؛ شموس/تحتجب)] ، [أقبل يا شعر..ص61: (النّور/الليل)]..من خلال هذا الإحصاء نلاحظ بأنّ الشاعر نورالدّين درويش قد بالغ في توظيف هذا المحسّن البديعي ليعكس أولا الصراع النّفسي الدّاخلي االمحتدم بين أضلاعه من جهة أولى و يعمل على كسب المتلقي/القارئ بتوظيفه لآلية منطقية عقلية توازن بين أضداد فتثبت المعنى و ترسّخه في ذهنية القارئ و كلّ هذه الموسيقى الداخلية إنما هدفها كسب رأي القارئ و ضمّه إلى الصف أو على الأقل حمله على التفكير قليلا و أخذ صف المحايد و المقارنة بين خيارين أو أكثر لأنّ الشاعر يشعر بأنّه مسؤول عن كلّ حرف و لفظ  و معنى..

4-              استخدام آلية النّداء: للنّداء مفعوله السّحريّ في نفس المنادين لذلك يستخدمه الشعراء و الأدباء كآلية تواصلية تفيض بالحبّ الحنان و الحرص ..و الشاعر نورالدين درويش أحسن استخدامها في مجموع قصائده و هي منثورة لمن أراد استقصاءها [مملكة الوهم 11 مرّة؛ شمس لا تغيب..04 مرات]و سنكتفي بمثال واحد من قصيدته ""صوتي الذي..ص17 لقوّة ظهورها و تقاطعات دلالاتها المبثوثة و المكنونة..يقول الشّاعر:

" يا أيّها الصوت الذي ما انفكّ يخطفني من الضوضاء في أرضي

و يرحل بي بعيدا في سماء الأغنياتْ

يا أيّها الصوت الذي يأتي على عجل يحرّضني و يمضي

ثمّ يسألني البطولة و البسالة و الثّبات

يا أيّها الصوت الذي أسرى بذاكرتي و نبضي

هل ستذكرني و ترفعني إذا نسي الرواة.. "(ص17).

النّداء يكون بين عاقل و عاقل و هذا هو الأغلب و الأظهر ..بين قويّ و ضعيف أو العكس أو بين متساوين و لكنّه في هذا المثال نراه بين عاقل/الشاعر و غير عاقل/الصوت و هذا بعد جماليّ متخيّل يدفعنا للتساؤل هو  صوت داخلي بلسان الضمير أو العاطفة الدينية أم هو صوت خارجي يسمعه الشاعر في صوت أنين الرّاحلين و همس أدعية المستضعفين أم أنّه كلاهما..و إن ترجّح عندي الصوت الدّاخلي ..الضمير و الشعور بالمسؤولية و ثقل الأمانة..و لكن يبقى النّص مفتوحا ..

و بالعودة إلى المثال نرى أنّ لهذا الصوت في خلد الشّاعر  لسانا و شفتين و لغة مفهومة بل و له روح تأتي و ترحل تبثّ تعاليمها و تستحثّ نفسية الشاعر و بلغة المستقبل تتحدّاه و تخبره بان يكون وفيّا عندما يخلف ظنّه الرواة و يقصد به تزوير التاريخ و إخراجه في صورة مزيّفة مخدوعة..و كأنّ بالشاعر يقرّ بأنّ يدا ما ستغيّر كتابة التاريخ لكن يبقى صوت الضمير و المسؤولية قابعا مستفزّا ..و هذه صورة بيانية راقية جمعت الحسن برمّته ..إنّها وقفة للتاريخ و للأجيال القادمة و كفى..

5-              طغيان ضمير "أنا" الأنا "ضمير المتكلم: تكاد لا تخلو قصيدة من ضمير المتكلم "أنا" لأن الأشعار في حقيقتها أنفاس الشاعر و لسان حاله و كذلك فعل إليا أبو ماض و الشابي و مفدي و غيرهم.. و لعلّ قصيدة "مسافر بأشعاري" المثال الأنسب و المؤكّد لغلبة الأنا في هذه المجموعة الشعرية حتى أنه صرّح باسمه علانية في قصيدة "دندنة من قاموس الغسق" حين قال:

" فلا ريش الطاواويس أعطاك سرّا

و لا البومات تغنّت بها الجنان المفجعه

ل درويش دندنة من قاموس الغسق

و حواشي الأرصفة المنسيه " (ص 59)

و بذلك تمتزج روح الشاعر نورالدين درويش بورح الكلمة فيشكلان توأما لا تكاد تفرّق بينهما أو قل هما عاشقان غابا عن أنظار الرقباء و هاما في تلك العوالم المفعمة المثيرة أو هكذا يُتخيّل إليّ.. و هذا النّوع من الأسلوب خصيصة من خصائص شعر شعراء الرومنسية الذين يزرعون الروح في الجمادات  و حتى الأموات..

6-              غلبة موضوع الحكمة : الشعر الرسائلي لا يكتفي فقط بإضفاء جمالية على نفسية المخاطب بل يمرّر من خلالها بعض الحكمة الناتجة عن خبرات و تجارب صادقة و عميقة..و قصائد الشّاعر نورالدين درويش تكاد تئطّ من الحكمة و تنفجر بل لا تخلو قصيدة من حكمة و توجيه و إرشاد ..فالشّاعر يشعر بمسؤوليته تجاه وطنه و  انتمائه و بواجب النّصح فنراه لا يقصّر في ذلك بل و يكثر من ذلك حبّا و وفاء.. و لو رُحنا نتقصّى مواطن الحكمة في مجموعته الشعرية للزمنا قراءة ثانية تكون أضعاف أضعاف هذه القراءة ؛ لذلك فعلى القارئ تقع مسؤولية قراءة أشعاره .

7-              الجمع بين الأسلوب الخبري و الإنشائي: و هذا واضح جليّ لكلّ عارف باللغة العربية دارس لها ..و لن تشفي غليل هذه الملاحظة أو النتيجة إلاّ قراءة أكاديمية تفي بالغرض و تحقّق المقصود..

و بعد فهذه قراءة جمالية بحثة عكست نحلة جادّة تنقّلت بين أزهار حديقة عامرة فحمّلت من حبوب الطّلع ما استطاعت له سبيل لتخرج مع أخواتها العاملات عسلا مصفّى يسرّ النّاضرين و يشفي غلّة الشاربين..هذا و بالله التوفيق .

الجزائر في 08/09/2024

بولمدايس عبد المالك

  

تعليقات