صراع اللفظ و المعنى في قصيدة "تقدّم" للشّاعر الجزائري كمال أونيس

صراع اللفظ و المعنى في قصيدة "تقدّم" للشّاعر الجزائري كمال أونيس

    


ممّا لا يخفى على عشّاق الأدب و مريديه تلك المعارك المحتدمة بين اللفظ و المعنى و لا يشذّ ميراثنا الأدبيّ العربيّ الثريّ ..و ممّا استقرّ في أذهاننا قول الجرجاني بأنّ المعنى الشّريف يلزمه اللفظ الشريف ؛فهما لحمة واحدة متناغمة و متعاضدة غايتها إرضاء المخاطب و إفهامه بأشرف معنى  و بأبهى لفظ.. و لكن للجاحظ رأيا آخر إذ يصبّ جلّ اهتمامه على اللفظ المناسب للمعاني المتاحة للجميع إذ يقول : "المعاني مطروحة في الطريق يعرفها العجمي والعربي والبدوي والقروي وإنما الشأن في إقامة الوزن وتخير اللفظ". ؛ ثمّ إن لعلماء البيان العربي فهوم أخرى تتوافق و تختلف و توازي بين هذين الرأيين الكليين ..

و الشّاعر كمال أونيس يدلو بدلوه و يرمي بصنّارته في هذا البحر الهائج الهادر و لكن بلغة الشعر و النظم.. فكيف كان موقفه و هل وافق أو نحا نحوا آخر ؟..

و هذه دعوة مجانية للقارئ الحصيف المحبّ للأدب و الشّعر يقدّمها لنا الشّاعر لنغترف من معين فلسفته الشعرية و رصيده الثمين فتعالوا نلبيّ دعوته و نشاركه همّه و نظفر بوجبة  شعريّة فاخرة لذيذة من مائدته الحلوة المغرية..

و حريّ بقارئ شعر الشاعر الجزائري كمال أونيس أن يسلّح بأسلحة الذائقة الفنية الجمالية و بأذن موسيقية شاعرة و برصيد معتبر من معجم اللغة العربي الأصيل ناهيك عن استعداد القارئ الطبيعي للانفتاح نحو آفاق شعرية سامية و فلسفية و إنسانية ..

من حيث التّشكيل فقد قسّم الشاعر قصيدته إلى ثلاثة مقاطع حواريّة بينه و بين المعنى يصدّرها بفعل  الأمر [تقدّم] و [تفضّلْ (مكرّر)] ..ويعكس هذا الحوار أمور و أسرار:

·                      القدرة الفائقة للشاعر في تحويل المجرّد (المعنى) إلى شخصيّة مادية لها عينان تبصر بهما حقائق الأشياء  ، و أذنان تسمع بهما  وعقل يفقه الأصوات و قلب يشعر بأحزان و هموم الآخر(الشّاعر.).

·                      الاستئناس بالمخاطب كنوع من الفضفضة و التّرويح على النّفس المثقلة بالغموم و المواجد و هذا ما يفيده فعل الأمر في حالة تساوي الآمر و المأمور.

·                      إشراك القارئ الحصيف ذو الذائقة و الإحساس همومه و غمومه كنوع من تفريغ لتلك الشحنات السّلبية المحيطة به.

·                      لفت القارئ إلى قضيته الإنسانية و رسالته الكونية التي يريد إبلاغها نظما و تشكيلا و جلاء للقارئ.

1.                      المقطع الأوّل:

يعير الشّاعر للمعنى الشّارد المنشود أهمّية كبرى و عناية خاصة اتّضح ذلك جليّا في أدب الشّاعر الجمّ له "تقدّمْ" دون مقدّمات بل بسرعة فائقة و لهفة واضحة طالبا منه التقدّم كنوع من أنواع الاستمالة النفسيّة و الترغيب الأدبي الحضاري الرّاقي ليشعر المعنى بقيمته المعنوية و يطمئن لدعوة الشّاعر له و ليستمع باهتمام و جديّة لما سيخبره به من هموم رابضات و ظنون معيقات.. و عبر تكرار ثلاثي لفعل الأمر "تقدّم " يؤكّد لهفته الكبيرة و شوقه المكنون لرؤية ذلك المحبوب المختفي "المعنى"...فكان رؤيته انبلاج للبدر بعد محاق ليل حالك مظلم.. و كأنّه يجدّد قول أبي فراس :

سيذكرني قومي إذا جدّ جدّهم...و في الليلة الظلماء يفتقد البدرُ

لسان حاله يلهج " و أخيرا بان وجه السّعد و عاد ذلك الغائب المرتقب لأبثّها أحزاني    و همومي لاعتقادي بأنّه الأمل الأخير في كشف تلك الظلمات المتراكمة المثقلة".. و عبر مقطع قصير تشعر فيه بنبضات الشاعر و هي تتسارع و يسمع لها أزيز فلديه الكثير مما يقوله و يدلي به  للمعنى ،يتضح ذلك  في كثرة استعماله بأفعال الأمر [تقدّم (03)/اسبح/رمّم] ..خمسة أوامر متتالية متقاربة تشعرك بعمق الجراحات النّازفة و بأنّات و صرخات معاناة التيه الذي طال و امتدّ ...يقول أهل الأصول بأنّه لا مشاحاة في الاصطلاح فقد تشترك عدّة معناي في لفظ واحد مشترك و هو الحال هنا ...المعنى المرقب العائد و معنى الشّاعر التائه الشارد ..فما حقيقة هذا المعنى العائد؟ و كيف يعيد الحياة لمعنى الشاعر الذي تاه و ضاع ؟... أسئلة حائرة تبحث عن مستقرّ لها في فلسفة شاعر ..إنّه يرى الخلاص فيه فها هو يفتح أشرعة هسيس قلبه على مصارعها راجيا من هذا المعنى العائد أن يخترق حُجب تفاصيله و يسبح في فضاءاتها سابرا لأغوارها و فاتحا لقلاعها و مداو لجراحاتها و عساه أن يرمّم شروخا رابضة جعلت من روحه تمثالا منتصبا لا روح فيه و لا حياة ..لا هويّة و لا انتماء..لا وجهة و لا علاج..ربّما تهتدي الروح لبدنها فيتناغمان و يتعانقان و تعود  مياه التيه إلى مجاريها الأصيلة  و تتجدّد تلك الأيام الخوالي و تخضرّ  حقول القمح و ترجع أسراب الطيور المهاجرة إلى مراتعها المفضّلة  مؤكدا ذلك بلام التعليل "لتعرفني"  ..فهيا لنسبح مع الشاعر في بحار ألفاظه المنتقاة و معانيها الزّاخرة:

تقدّم أيها المعنى ..

تقدم من هسيس القلب  واسبح في تفاصيلي ..

تقدّم أيها المعنى ..لمعناي الذي تاه ..

ورمّم من شروخ  الروح تمثالي ..

لأعرفني ..

 

2.                      المقطع الثاني: بعدما اطمأنّ الشّاعر لاستجابة المعنى الوافد تقدّم خطوة شجاعة راجيا منه التّفضل بالجلوس و الاستماع الواعي لاعترافات الشّاعر ..

و بصيغة أدبية هيّنة ليّنة يدعو الشاعر هذا الزائر المحبوب المنقذ إلى أخذ كلّ وقته و يدعوه لأخذ نفس طويلا و هو يجوب مختلف المحطات الحياتية التي توقف و مرّ عليها الشاعر و ما حصده من تجارب و خبرات و مواقف و أحكام و قرارات و لك أيّها المعنى الوافد مطلق النظر فيها و الحكم عليها و ما تسجّله من تفسيرات لمختلف تحرّكاتي و أفعالي و أقوالي و حتّى سكناتي و تأمّلاتي.. فأنا يا منقذي تائه مشرّد فاقد لبوصلتي و سئمت الاختفاء وراء مجازاتي التي فررت إليها و تحصّنت بدفاعاتها ...اعترافات تدين الشاعر و تتثقل كاهله أو ليس الاعتراف سيّد الأدلة كما يقول القانونيون...المهم  أن تخرجنا من حمم ذلك الإبهام الجاثم فوق ربوع الحقيقة  ...و نلاحظ في هذا المقطع الثاني اعتماد الشّاعر دائما على أسلوب الأمر من باب الاستئناس و طلي الدعم و القوّة [تفضّل/خذ/حاول] و لجوئه إلى ضمير المتكلم "أنا" و "ياء المتكلم المتصلة ليشكو حالته المزرية و يؤكد على خطورة الوضع البئيس الذي يحياه...و هذا نقد للواقع لاذع علّها يعيد المياه إلى مجاريها كما سبق و لأن صرّح به في المقطع الأول و حتّى الثاني.. فتفضل أيّها القارئ و امسح بكفّ الحنان و الرّحمة على هذه الحروف الجيّاشة ...

 

تفضّل أيّها  المعنى

وخذ نفسا طويلا في محطّاتي ..

وحاول أن تفسّرني ..

أنا ماعدت أفهمني

وماعادت توضّحني مجازاتي ..

أنا المبهم..

3.              المقطع الثالث: هذا المقطع أخاله الحكم الفاصل و لعلّه يكون كالبلسم لمعاناة الشّاعر النفسيّة و غربته المعنوية القاتلة ..

و بصيغة الأمر يفتتح مقطعه الثالث و بنفس اللفظ السابق في المقطع الثاني "تفضّل" ليؤكد للقارئ استجابة هذا الزّائر لاهتمامات الشّاعر و انشغالاته التي أرّقته و أرهقته.. فبعدما طرح قضيّته بلغة الرّجاء و الشفقة و المسكنة يأمل أن لا يخيب و يرجع بخفيّ حنين يجرّ أذيال الندم و الحسرة أو يعود للمحطّة الأولى  ليشرع في رحلة الألف ميل من جديد...الشّاعر له من الشّجاعة الأدبية الشيء الكثير فها هو يتقمّص قميص الصراحة في أوضح صوره و يؤكّد للغريب الوافد تطّر ذلك الغموض إلى مشكلة مستفحلة ليصير كلّ ما حوله من الأبجديات (الكون/الإنسان/الأشياء) أسئلة مؤرقة تعيق حركته في هذه الحياة و تشوّش رؤيته للحقيقة بما فيه الكون و الإنسان ،لتجعل من الشاعر كومة من الأسئلة مبعثرة تحترق من جمر نار المعاناة و المكابدة و الشّقاء...يدعوه للإسراع  للحل قبل فوات الأوان و هذه دعوة مبطّنة أو رجاء يحتفظ به الشأعر في قرارة نفسه ...فتفضّل أخي القارئ و سحْ في جنباتي هذا المقطع الأليم :

تفضل لا تخيبني ..

غموضي صار مشكلة

وصار الكون والإنسان والأشياء صار الكل أسئلة..                                                                                                                                           تبعثرني على جمر المعاناة...

بالرّغم من أنّ الأسئلة هي من الطرق السليمة في الوصل إلى الحقيقة غير أنّ الشاعر يترك ذلك للمعنى الوافد ..و ما حقيقة هذا المعنى الوافد إلا حقيقة الشّاعر نفسه و وجدانه  بسطه بين يدي الشّعر علّه يهتدي إلى جواب شاف كاف...

و بعد هذه التّجوال المشحون ففي أي صفّ يقف الشاعر؟ فهل هو في صف الجرجاني أم في صف الجاحظ...من خلال استقراء هذا النّص الباذخ الأدبي الفلسفي  نرى بأن الجاحظ ي يخالف الجاحظ في كون المعاني متاحة و منثورة فها هو يبحث عن معناه بمعناه و لا يهتدي إلى فحواه بالرّغم من روعة اختياره للألفاظ و المفردات التي بلغت شأوا كبيرا في الفخامة و الجلجلة ..ثم هو يتفق مع الجرجاني في كون المعنى الشّريف المبحوث عنه في حاجة إلى بحث و استقصاء ليتناسب مع قوّة ألفاظه و أصالتها...فالشاعر بين و بين ..و تلك مفارقة أخرى و بعد جنقديّ جديد يطرحه الشّاعر كمال أونيس فهل من مجيب و من منقذ..

الجزائر في 06/10/2022

بولمدايس عبد المالك

 

  

تعليقات