ميعاد موقوت مع رواية "ظلام منحوت" للروائي التّونسي الشاذلي القرواشي

ميعاد موقوت مع رواية "ظلام منحوت" للروائي التّونسي الشاذلي القرواشي



-  و تُفتحُ الأبواب ...

          الشّاعر حين يؤلف رواية يمدّها من أنفاسه الجيّاشة حياة خالدة ،   و ينثر على فضاءاتها من غيمات عواطفه السّاميّة جواهر حسان فيزدان جيدها ، و تكثر ظلالها و يتزاحم مريدوها و خطّابها ؛ فكذلك رواية "ظلام منحوت" للأديب الشاذلي القرواشي الذي سبح بأرواحنا و عقولنا و عواطفنا و أحاسيسنا في سماوات عوالمه الخاصّة الفكرية منها و الفلسفية                     و الاجتماعية  و الجيوسياسية ، و الصوفية منها و العلمية فامتلأت نفوسنا المتلهّفة شبعا و أفئدتنا الظامئة ريّا فأنبتت بحول الله من كلّ زوج بهيج يسرّ النّاظرين ...فجاءت هذه التّأملات و الكشوفات عربون شكر ، و سفينة عرفان لمن تحترق الكلمات باحتراقهم و تضيئ الشموع من أنوار فتائل مهجهم .

"ظلام منحوت"  عنوان مثير و مستفزّ يعكس ظلالا و ألوانا و مشاهد       و مفاجآت بل و يحوي آلاف العقد المتداخلة و لن تحلّ عقدهُ إلاّ بقراءة متأنيّة لأحداث الرّواية ، و فكّ شفرات عقدها واحدة تلو أخرى إذ أنها تترى كتناثر حبّات عقد متناثرة فوق بساط أزرق عبقري .

ثمّ إنّ النّحت عملية فنّية جمالية تتناغم فيها عبقرية النّاحت الحالمة مع تفاصيل المنحوت فيشكّلان معا قوّة إبداعية خلاّقة ، و طاقة إيجابية كاشفة تضفي السّعادة و الرّاحة للمارين عبر فصول روايتها و أحدات دروبها الشيّقة الممتعة ..

و دون سابق إنذار و لا مقدمات مشوّقة يجرّنا الروائي الشاذلي القرواشي إلى باحات روايته جرّا مزلزلا بمقطع قويّ يعكس دلالات صوفية و أخرى فلسفية عن مفهومي النّور و الظلام المنحوتين داخل وجداننا نحن البشر ، و كأنّه يقول لنا بأنّنا نحن مصدر النّور و الظلام و أننا قد أوتينا القدرة على التّحكم فيه و بإمكان كلّ واحد من البشر أن ينحت داخله نورا فتتراءى له حقائق الأشياء عيانا ، و تنقاد له رقابها فيهتدي إلى كشف أسرار نفسه المكنونة و معرفة طاقاتها المبثوثة فيها كما أنّه بإمكانه أن ينحت ظلاما فيعيش عيشة الظلام متلفعا بسراديب العتمة الحالكات يخشى الأنوار و يخشاها كل شيء و موجود .

-        وتبدأ الرحلة المباركة ...

يعمد الكاتب بداية إلى قلب الأشياء حين ينقلنا من العالم الحسّي المادي إلى العالم المعنوي المجرّد عندما يخترع فكرة بديعة عجيبة في آن واحد بعد أن هيّأ لها من العدّة والوسائل ما يكفي، حيث شحن نفوسا بشحنات طاقوية إيجابية، وجعلنا ننتقل عبر شخصياه "سارة ورتاج" من عالم النّور المشهود إلى عالم الظلام المنحوت بخوض الطالبة سارة غمار تجربة مثيرة للاهتمام، وهي محاول التسلل إلى عالم "رتاج " الكمهاء العمياء خلقة

عبر وضع عصابة سوداء على عينيها واكتشاف عالم صديقتها العجيب الذي لسه من خلال مشاهدتها للمنظومة الدقيقة للحركات والّسكنات والخطوات والتّصرفات الصادرة عن صديقتها رتاج

وتبدأ المغامرة وتدخل "سارة " بتدرج وحذر شديدين عالم صديقتها "رتاج" عالم صديقها الاظلام المثير...

ما أنّ تضع "سارة " خطواتها الأولى حتّى تبدأ وصديقتها " رتاج  "عبر وسائل متعدّدة و حوارات هادئة مستفزّة أحيانا التعرّف على هذا العالم الغريب المكنون الذي يستحقّ التنويه به ، و الوقوف عند ضفافه بل و الإصغاء إلى حداء ترانيمه ، و تراتيل أحاديثه ، و عجائب أحواله و دقائق تفاصيله          و آثار إيحاءاته... هو عالم مجرّد من أثقال الماديات و المحسوسات  ، يهيمن فيه العقل المجرّد و الإحساس المرهف و الشعور الكاشف عبر التقاط الموجات الإيجابية و السّلبية المتولدة من كلّ ما يحيط به من أشياء و أصوات و حركات و روائح مستعينة بذلك عن طريق السّمع و اللمس   و الذوق و الشمّ ، و بشيء   خامس عجيب ملفت ألا و هو "تداخل الطاقات " هذا العامل الأخير يعدّ فكرة جديدة خطيرة صادمة يحاول الكاتب من خلال شخصيات روايته تبليغها للقارئ و تجسيدها كحقيقة موجودة مؤثرة و غاية مرجوة و هدف سام منشود .

عالم خاص ...

 في هذا العالم الجديد لا وجود للمقدّس و لا للبديهيات و الأبجديات فكلّ شيء هنا قابل للنّقاش و إعادة تدوير و ربما تشكيل ..عالم يفتح الأبواب واسعة أمام عيون التّأمل و التفكير ، و ينظر إلى الأشياء و الأسماء و الوجود نظرة مختلفة تماما على ما عهده الانسان و قرّره العلم و أكدّته التجارب و الخبرات ..هو عالم يعيد قراءة حقائق الأشياء و الوجود           و الإنسانية من زوايا جديدة و رؤى مستحدثة .

و عبر حوار هادئ منطقي علمي و موضوعيّ ..حوار متدرج متأنّي يلج بنا الكاتب إلى إعادة طرح الأسئلة الخالدة الكبيرة  من جديد ، مستفسرا عن حقيقة الانسان و خلقه و بداياته و مساراته و مختلف مراحل تطور وجوده و لعلّ نظرية التّطور البيولوجيّ لداروين كانت المقدمة نحو تبيان أفكاره الجريئة ، و بيان أسرار عوالم فكره و طرحه ، و الوقوف على وجهات نظره و تقاطعات تساؤلاته المتكررة أنّه لا يوافق داروين  ..غير أنّه يصرّح بداية بأنّه لا يوافق داروين في إعادة أصل الانسان إلى سلالة القرود بل يسيح به فكره إلى طر ح فكرة جديدة رائدة مفادها بأنّ أنواع الحيوانات قد خضعت إلى التّطور البيولوجي و آلت كّلها في النّهاية في صورة إنسان ... فهي نظرية تتلف مع نظرية داروين في أصل إنسان ولّنها تتفق معه في فكرة التّطور غيرأنّه يقع في تناقص صرح مع نفسه إذ لا وجود للوسيط بينهما أيّ من اللبؤة والقطة مثلا ، فيسارع لتليل ذلك بإلقاء اللوم على خاصّية الانقراض ويعزو إليها اختفاء تلك الحيوانات المنقرضة و السلالات البائدة ، ثمّ يحاول جاهدا التشبث بالخيال على أنّه مربط الفرس ، وحجر الزاوية نافسا بذلك البديهيات والعقل نفسه ،وفي حقيقة الأمّر فإنّ الخيال نفسه لا يعّدو إلاّ أنّ سكون من الممكن عقلا ولا وجودا والكاب بهذا يناقض فكره بفكره ...

فالممكن عقلا لا وجودا هو وجود شيء في العقل فقط أيّ أنّه متخيل ولا يمكن أنّ يكون موجودا واقعا إلّا إذا تحققت شروط وجوده ثّم إنّه لن يوجد إلا لموجد له وهذان شرطان أساسين في إمكانية تحققه أيّ تحقق الخيال عقلا ووجودا . ثمّ يحاول البرهنة على فكرته الوجودية يضرب بعض الأمثلة ناسفا  لعرش البديهيات ، ونافيا للاستعارة وإحالة كلّ ذلك إلى الكائن المترسّب في الإنسان نفسه (ص.46).

ولتقرير صحّة ما يسعى إليه ارتمى في أحضان الاستغراق ، ناسبا إليه تقمص كائن من الكائنات (ص. 50) ، مركّزا على صورته حيث تنتقل صورة ذلك الكائن المتخيَّل   إلى روح المتخيِّل فيستحيل نفسه أي يتداخلان و يصيران كائنا واحدا متّحدا كمن تخيّل نفسه أفعى زاحفة فراح يقلّد حركاتها                       و أخلاقها إلى أن وصل به المطاف إلى المطالبة بتزويجه بأفعى من جنسه ..

و نرى الكاتب يشير بإشارات ذكية مقتضبة (ص. 52 وما بعدها) إلى نظرية بافلوف في تكوين المنعكسات الشرطية و الفطرية و إن لم يسمّها صراحة غير أنّه يضرب لذلك مثلا هو أقرب لتجربة بافلوف إذ بمجرّد ذكر ثمار بذاتها و تخيّلها كالتّفاح مثلا إلاّ و يقو الذهن بردّة فعل مباشرة فيفرز مذاقا لتلك الثمرة المتخيّلة فيحصل الشّبع ...و لا يزال كاتبنا يسرد من الأدّلة و الشّواهد عساه أن يقنع القارئ بصحة فكرته هذه، و ما استعانته بمثل هذه التّجارب إلاّ دليل على نيّته تلك .

ثمّ نراه يطرح الكاتب فكرة جديدة و مثيرة للاهتمام و هي علاقة الانفعالات بالأدرينالين و مختلف التقاطعات بينهما ، فمثلا عندما يكون الشّخص غاضبا و في حالة هيجان و ثوران تكون مقاطع كلامه قصيرة أي وحداتها الصوتية منغلقة بينما يحصل العكس تماما في حالة الرضى و الهدوء           و الاسترخاء أي تكون وحدات أصواتها منفتحة و تلكم فكرة عبقريّة رائدة.

و بدخول شخصيات جديدة إلى مسرح أحداث الرّواية (هشام و أخته زينب) فإنّه يلفن انتباه القارئ إلى رؤية هشام عندما كان غائبا للوعي لعدّة شهور نتيجة حادث مروّع وقع له محاولة منه إلى إضافة قرائن جديدة تصبّ كلّها في خانة إمكانية خروج الرّح من جسد صاحبها ة قيامها بجولات أثيرية تفقدية استطلاعية هنا و هناك حيث تقوم بالاطمئنان عن أحوال أحبائها      و في نفس الوقت تقوم بإرسال إشارات لطمأنة أحبابها غير أنّ أولئك الأحباب أحياء يرزقون و لا يملكون القدرة  الكافية لينتبهوا إلى روحه المحلّقة السّابحة فيرونها رأي العين و يسمعونها و يستجيبون لها كما يراهم هو و يسمعهم و يشعر بهم و بأحوالهم ..  

-        تناغم الأرواح و تداخلها ..

و في هذا السّياق يعرض الكاتب وجهات نظر متعدّدة لشخصيات روايته ؛ فوجهة نظر زينب النّفسية بحكم تخصّصها في علم النّفس ، و وجهة نظر سارة الفلسفية و دخول مسارات جديدة أدّت إلى تنامي فلسفتها بعد قيامها بتجربتها الملفتة ، و وجهة نظر هشام نفسه صاحب الرؤية العجيبة و أخيرا وجهة نظر رتاج المؤكّدة لتفاصيل رؤية هشام حبيبها الواعد ..

إذن فنحن أمام وجهات نظر مختلفة و متعدّدة ، متداخلة و متصارعة يديرها الكاتب بخبرته الحياتية و تجربته الطويلة المعتبرة و ثقافته الواسعة         و طروحاتها الفكرية ..فهل يا ترى سينجح في إقناع القارئ بوجهة نظره النّهائية أم سيدخلنا في دوّامة من الشّكوك و الأوهام ؟ ..

تفاصيل الرّواية و فصولها و أحداثها ستجيب حتما عن هذا التساؤل المحوري الفاصل ...

و كنتيجة أوليّة عن صيرورة تلك الحوارات و للحقيقة فإنّ الكاتب أقنع شخصيّات روايته بما ذهب إليه من أفكار ، و خاصة زينب و رتاج لكن القطار لا يزال بعيدا عن محطته النهائية و أرقام الشفرة لم تبح بحقيقتها و مع ذلك فقد استطاع بلغته السّامية أن يرينا عالمه الجديد مثيرا في أنفسنا الحماسة الكبيرة للمغامرة معه و الخوض في فضاءات فكرية فلسفية صوفية و التي تتطلب منه ألف ألف دليل .

ففكرة خروج الرّوح و عروجها مع بقاء الجسد التّرابي مكانه و ما يحدث لهذه الرّوح من أفراح و عذابات و خوضها لمشاهد مرعبة محزنة  و أخرى سارّة مفرحة تشبه إلى حدّ كبير معراج النبيّ محمد صلى الله عليه و سلم و ما عايشه و شاهده في تلك الرحلة المباركة من مشاهد قاسية و مهولة و أخرى آمنة مطمئنّة لكن مع الفارق بين المعراجين ذلك أنّ أرواح الذين رآهم الرسول قد فارقت أجساد أصحابها و لا مطمع في رجوعها إلى أجسادها التّرابية إذ أنها الآن تُعذّب أو تُنعّم بينما أرواح شخصيات روايته سرعان ما تعود إلى أجساد أصحابها فيكون لرجوعها أثرا مباشرا في تغيير أحوال حيواتهم و دخولهم عوالم جديدة مع قدرتهم على سرد حكاياتهم لعامة الناس و خاصتهم و بالتّفصيل الدقيق و ما حدث لهم من كشوفات خارقة في ذلك المعراج المؤقت ..فالمعراجان يشتركان من حيث المبدأ و يختلفان من حيث المآلات و التأثير            و النهايات ..و فرق شاسع بين رؤية نبيّ مرسل و عروجه و بين رؤية شخص عاديّ و عروج روحه ؛ ثمّ ينتقل الكاتب بنا للحديث عن الكرامات و الألطاف النّورانية ، و صفة المحبّة الماثلة في الذّات الانسانية  ثم ما فتأ أن عاد بنا من جديد إلى صيرورة الانسان و انتقاله من طور إلى طور إلاّ أن انتهت به الرحلة إلى قالبه الأخير الحالي حيث يفرّق الكاتب بين شكلين للنوع الإنساني ...إنسان عالم الماورائي         و الإنسان الأرضي وحيد الخليّة كما يزعم و يقرّرهُ ..

و ليزيد فكرته جلاء يستحضر العاطفة كشاهد معنويّ متسائلا إذ كيف للمكفوف بنوعيه ذكرا أو أنثى القدرة على الحبّ كونه لا يرى ملامح حبيبه و محاسنه و مواصفاته مستدلا بعجز بيت شعري لبشار بن برد.. و الأذن تعشق قبل العين أحيانا ..لكنّه للأسف الشديد سرعان ما يعود إلى الصوت و نبراته و تردّداته كردّة فعل لما يجول في أذهان الآخر            و ما يكتنفه من أسرار مستترة و مواجد رابضة ..و لست أدري هل هذا فعل منه مقصود يخفي أسرارا ستبوح بها أحداث و مجريات روايته مستقبلا و مخصصا للعاطفة حيّزا آخر .

-         إسقاطات  التّوجه الصوفيّ ..  

ابتداء من الصفحة 62 بدأت الرّواية تأخذ منحنى صوفيا خالصا ، ؛ حيث تبرز الأحلام و الرّؤى كمعالم هادية للغوص في دواخل ذواتنا  علّها تجيب عن بعض التساؤلات بحلّها لبعض شفرات الحياة المعقّدة و لعلّ الكابوس الذي تراءى لسارة حينما أسلمت روحها للنوم أوّل القطرة التي أفاضت الكأس.

و تستمرّ مغامرة "سارة" إذ تقرّر بإلحاح و قناعة مواصلة تجربتها فتقرّر الخروج مع صديقتها "رتاج" معصّبة العينين مرتدية نظارتين سوداوتين لتكتشف هذا العالم من جديد الذي يعجّ بالحركة و الضجيج و الأصوات ..و ما هي إلاّ لحظات و تستنج "سارة" بأنّ العامل الأساسي في هذا العالم المظلم إنّما يعود بالدّرجة الأولى إلى ضبط العقل و الإحساس و قدرتهما الفائقة في تفسير تلك الفوضى العارمة و حجم الضجيج المنبعث من كلّ صوب و حدب تفسيرا صحيحا و دقيقا إذ لا مجال للخطأ أو التّردّد و بذلك ينقلب السّحر على السّاحر، و تصبح "رتاج" الكفيفة هي الدليل طريق "سارة" المبصرة لما لرتاج من خبرة عالية مع تلك العصا البيضاء و نبرات أصواتها المتصاعدة و النازلة ..يأخذ الكاتب بأسلوبه الممتع بشآبيب نفوسنا عبر جولة ثانية إذ نسافر معه إلى ألمانيا أين تبدأ مغامرة جديدة و ممتعة لسارة في ظلّ حريّة أكبر و انفتاح أوسع و كاريزمية ألمانية حديدية؛ إذ تتمكن سارة الفتاة التونسية من هزّ عروش "فيليب" الألمانية فتوقعه في شراكها المحكم ، كاسرة بذلك جدار الصمت الألماني الملة و فلسفية غيبية ننطلق معها في مغامرة تأمليّة استكشافية و فلسفة غيبية عن حقيقة الخلق و الانسان و الوجود ..

و من خلال حوارات منطقية و شفّافة بين سارة و فيليب يحاولان معا فكّ لغز الانسان الغيبي و معرفة ماهية أصوله الأولى و ذلك بالربط بين تصرّفات مشتركة بين الانسان و الحيوان للدلالة على وحدة المصدر و التّلقي في شكل ثنائيات (الأسد/الغزالة)و(سارة / الجرادة) ..و لإعطاء البعد الانساني للرّؤى أحم عنوة حلم فيليب الألماني الجنسية غير المسلم كدليل آخر على تقاسم البشريّة لوحدة الوجود الإنساني و كيف استفادت "سارة" من تجربتها القديمة مع صديقتها "رتاج" و كذا جملة تفسيرات "زينب" النّفسية لحام "هشام" و بهذا يقرّر الكاتب حكما أوليّا عن وحدة الرؤي و كونها نور كاشف للغيب ، مقرب للأرواح المتباعدة ، المتحابة و المتناغمة ، و مفسّرة لكثير من غوامض الأحداث البشرية الغيبية منها خاصة و التي لم يصل العلم بعد إلى تفسير كنهها و معرفة ماهيتها و هو بهذا يوافق القرآن الكريم في رؤية الملك "عزيز مصر" للبقرات السمان  و السنبلات الخُضر في سورة يوسف عليه السّلام.

يغلق الكاتب السّتار مرّة أخرى ثمّ يولّي وجهته نحو زاويّة عريقة لسيدي أبي القاسم بلخيري رحمه الله يقطن بها شيخ كبير يعدّ قطبا من أقطاب الصوفية الربانيين (ص. 124 و ما بعدها) ليقحم من جديد تفسيرا كيميائيا لعروج الرّوح في حالة وقوح حادث ما كحادثة هشام ليعطي لها بعدا جديدا متمثّلا في تفاعل كيمائيّ بين ذرات الجسد ذاته عبر عملية الاستنساخ في شكل أثيري بحث ليستدرك بعدها و يقرّر بأنّ هذا التفسير العلمي الكيميائي لم يقل به العلم الحديث ، و بذلك يستمر في نهجه و مسار أفكاره الجريئة متظاهرا بأنّ صاحبه "هشام" بتفسيره السابق قد لاذ بالخرافة متهاويا في شراك الأشباح و الأطياف ..و لكنّه يستمر في بسط فكرة خروج الروح و معراجها مع بقاء الجسد مكانه لم يبرحه قيد أنملة ..و بهذا الصنيع المتعمّد يضرب بيد من حديد بالبديهيات عرض الحائط ،ساردا حكايات و قصص أشخاص ربّانيين استطاعوا فعل ذلك بعد مجاهدات للنّفس مضنية و قاسية  و تمكّنوا من تحرير أرواحهم من أجسادهم و القيام بالسياحة بها في فضاءات لا يحويها مكان و لا يجري عليها أزمان ...و المعروف عقائديا بأنّ الله سبحانه و تعالى هو الوحيد الذي لا يجري عليه زمن و لا يحويه مكان عكس الموجودات جميعا بما فيهم الانسان نفسه جسدا و روحا ..نعم قد تختزل المسافات          و تضيق و ينحصر الزمن و يختصر لكن تبقى نسبة معيّنة و لو كانت مهملة خاضعة للزّمن ز لا قبل للروح من أن تنفذ من ملك الله و سننه الغلاّبة.

و بإشارات صوفيّة والهة و عاشقة تتوشّح نصوص كاتبنا و تستظل تحت صفصافها الوارف إذ يسرد لنا عودة الإبصار إلى "رتاج" بعد مخاض عسير من المدّ و الجزر، و الأمل و الألم ، و الحلم و اليأس و كيف استقبلت عالمها الجديد البهيج و كيف بدأت تتعلّم أبجديّاته الأولى      و مفرداته المتولّدة مقارنة  بعالمها القديم المعتم الدامس التي كانت تحياه و تتحسس من خلاله كلّ ما يطوف في مدار شعورها من حركة أشخاص و أصوات صادرة من هنا و هناك و  روائع عطور تعوّض الأجواء ..و ها هو كاتبنا يترك عالم "رتاج" ليدخلنا في عالم "سارة" من بعدما كدنا ننسى حكايتها الجديدة و مغامرتها اللافتة مع صديقها الألماني فيليب ليغرقنا رغم أنوفنا في بحار من التّساؤلات و المتناقضات حتّى .."سارة " هذه الفتاة الحسّاسة المرهفة التي تسعى بكلّ ما أُوتيت من قوّة فكر حاضرة و شدّة بأس صلبة لتتحرّر من تأثير خارجيّ و داخليّ طمعا في ولوج عالمها الخاص حيث لا توجد خطيئة أصلا كما عبّرة ذات مرّة لصديقها الألماني بل و أكثر من ذلك فقد طلبت منه مشاركتها خوض معامع تجربتها المقبلة الغريبة.

      فكرة "سارة" جنونيّة بكلّ المقاييس إذ تريد العودة إلى أصولها الأولى و اللاعودة إلى عالمها الحالي المعيش و ذلك باسترداد و افتكاك بأحقيّة و جدارة جذرها النباتي و الحيواني القابع في سراديب داخلها ..و تبدأ و صديقها مغامرتهما فيقرران الاعتزال في كهف سحيق شبه عاريين على طريقة سكان الكهوف القدامى بعيدا عن ضوضاء مدينة "ميونخ" الألمانية و تناقضاها الصّاخبة و يدخلان حالة من الاستغراق و التّأمّل و السّكون قابعين داخل ذواتهما عساهما أن يتمكّنا من الاندماج كلّيّا مع الطبيعة الصّامتة المحيطة بهم من كلّ جانب و اتجاه..

    و تنجح "سارة" و تواصل اندماجها المتدرّج في الطبيعة بينما يفشل صديقها فيليب في تجربته و يقرر بعدها طواعية الرجوع إلى بلدته "ميونيخ" تاركا صديقته "سارة " وراءه تنتقل من مكان موحش إلى مكان أشدّ وحشة و لكنّها في حقيقة أمرها تشعر بالاطمئنان و الأنس طالما هي تعتقد بأنّها قد اندمجت روحا و قالبا مع أصولها الأولى النّباتية         و الحيوانية .

تتعمّق "سارة" في تأملاتها الكاشفة و بلغة خاصة لا تدركها و تعرف كنهها إلاّ هي و العالم المحاط بها لتعلنها صراحة لا مواربة فيها للقارئ بأنّ الموت في حقيقته استمرار في ذوات أخرى حيث تسافر المخلوقات في أسفار متجدّدة و في أشكال جديدة و هياكل أخرى ..و هي فكرة قريبة إلى فكرة تناسخ الأرواح في صورة أجساد أخرى حيوانية كانت أو نباتية لاستكمال رحلة الحياة الخالدة بعدما ظنّ الانسان بأنها ماتت و فنيت و أصابها العدم .

و يستمرّ الكاتب الشاذلي القرواشي و بلغته الصوفية العاشقة و الدّافئة في سرد نصوص تلو الأخرى أملا منه في إقناع القارئ بوجهة نظره الجريئة حين نراه يصوّر لنا موقف "فيليب" الألماني و هو يجتثّ وردة من أصولها و يعدّه نوعا من الأعمال الوحشية الكامنة في ذات بالإنسان إذ هو باجتثاثه لتلك الوردة و اقتلاعها إنّما يجتث ذاته الموزعة في روح تلك الوردة الباسمة العذرة ليعيدنا إلى فكرة وحيد الخلية و تلك الجينة العاشقة التي حوت أجزاءها كل الموجودات حيوانا أو نباتا ـ و توزّعت في ذواتها بغض النظر عن الشكل الذي آلت إليه خلقتها في نهاية المطاف.. تجربة "سارة" التّأمليّة في نظر الكاتب لا تعدّ عزلة أو انعزالا أو انفصالا أو حتى انفصاما للشخصية و إنّما هي خلوة يختلي فيها المحبوب بحبيبه فكيف إذا الحبيب أصله الذي تفرّع منه و نما              و نبت ..فانهماكها اللامتناهي بمحادثة ذاتها الموزّعة في عطر الورد      و حفيف الأوراق و نسمات الهواء و رفرفة أجنحة الطيور و ترانيم زقزقاتها و وحشة الغابة و عذريتها و سكون الليل و سباته جعلها تدخل في حالة صيام متواصل ممتدّ غير أنّها في حقيقة الأمر تتغذى عن طريق تداخل الطاقات أي تداخل طاقتها الأثيرية في طاقات تلك الموجودات على اختلاف أجناسها و أنواعها و أشكالها و أحجامها..و هي فكرة تشبه إلى حدّ ما تجربة مريم عليها السلام العذراء الناسكة الورعة حين كان يدخل عليها زكرياء عليه السلام فيجد عندها ما لذّ و طاب من الطعان و الثمار و الفواكه غير أنّ الفارق بين الواقتين أنّ طعام مريم عليها السلام من جنس طعامنا المعروف بينما طعان "سارة" من جنس طاقوي أثيري لا يُرى و لا يشعر به و شتّان بين الأمرين ..

و قد صرّح الكاتب كم من مرّة بأنّ الاندماج مع الأشياء يجعلك تأخذ بنصيب معيّن من طاقتها المبثوثة فيها ..تلك الطاقة تمدّك بالارتواء و الشّبع       و القوة و العزم و المضاء ...

و بعد هذا الإبحار في عالم الأثير يرجعنا الكاتب عبر شخصية "هشام" ذلك الشاب التّقي النّقي ، الصّوام الورع ليفتح السّتار مرة أخرى على عالمه الرّوحي الصوفي الحالم إذ لاحظ صديقه "عصام" بحكم خبرته و سنّه تغيّرات عجيبة و تحولات عميقة في شخصية صديقه "هشام" و يزيد الكاتب فكرة تداخل الطاقات توضيحا و جلاء عبر حوارات دافئة هادئة بينهما و إمكانية تحوّل الانسان نفسه من حالة الكثافة الصّلبة إلى حالة الخفّة و ذلك بتكثيف طاقته الداخلية و السيطرة على الأشياء المحيطة به و الاتصال الأثيري بالطاقة النورانية الكونية فينقلب بذلك إلى كائن أثيري يشبه إلكترونيا شاردا حرّا داخل مدار الكون برّمته ..و يا لها من فكرة بديعة ..

المحبّة كخلاص للعالم ..

ثمّ يخصّص الكاتب للمحبّة حيّزا كبيرا من الاهتمام و العناية الخاصة مرورا بالأنوار القدسية و اتحادا بالموجودات التي يعدّها جواهر متّحدة في طريق الحقّ وصولا إلى الفناء في الجمال على اختلاف مسمياته من ليلة بيضاء إلى الغراب الأسود إلى النيرفانا ..و بذلك يجعل من المحبّة وطنا كبيرا يسع البشريّة جمعاء على اختلاف عقائدها و دياناتها و توجّهات أفكارها ..و بلغة الأديب الحصيف و البليغ يورد جملة من التّشبيهات البليغة عن عروج الرّوح و استعداد الذات البشرية للذوبان في بحر الفناء الهادئ العميق في كلّ محسوس ماديّ حتّى اللغة ذاتها تقف عاجزة عن التعبير و الوصف حيث يتداخل الدال في مدلوله   و يصيران معا تسابيح أجنحة حالمة تنتقل بسلاسة و مرونة و حريّة من مدار سامّ إلى مدار أسمى و أرقى إلى أن تدرك الرّوح نقطتها السّامية فتسقط الحروف          و تتهاوى ، و تتلاشى المعاني ،و تتراجع الملفوظات على حدّ تعبير الكاتب نفسه .

و فجأة ينقلب "عصام" إلى خطيب مفوّه ، و ناصح أمين تاركا صديقه "هشام" يسمو في معارج الأنوار القدسيّة [أنتم يا أبناء السّماء ...أيّتها الأرواح النّقيّة الطاهرة ..عودوا أيّها المقاتلون القدامي، يا حكماء الساموراي ]..هي صيحة عارف ملهم ، و دعوة مضفق لا لبس فيها              و لا تردّد لإنقاذ البشريّة و الأرض مما اعتلراها من ظلمات منحوتة        و غزتها من دماء ملوّثة و غشيتها من حروب مدمّرة ..إنّه ببصيرته الثاقبة يتنبأ باقتراب الطوفان الجارف المدمّر ما لم تتحرّك هذه الأرواح الخيّرة التي آثرت سلوك طريق النّور على اختلاف أجناسها و معتقداتها و أفكارها    و مواطنها ..و لا قيمة للمبادئ السّامية و القيّم الفاضلة  العقائد الخالدة ما لم تترجم على أرض الواقع ، و تمشي على الأرض فيراها النّاس رأي العين ؛ فالشكليات و المظاهر سرعان ما تتبخر و تتأخر بمجرد سطوع أول ومضة لأشعة النّور الباسم .

الجنس و حضوره اللافت ...

      و ما يلفت الانتباه حضور "الجنس" كفكرة خالدة و أزلية سرمدية ،      و بلغة طاهرة و سامقة ، و بتناغم مطرب رنّان مع جملة الأفكار المعروضة و المبثوثة في حدائق هذه الرّواية القشيبة المدهشة حيث راح يختار الكاتب من الألفاظ أشرفها و من المعاني أزكاها فيلتقي الماء على أمر قُدر.. فجاءت ألفاظه و معانيه شعلة مضيئة تلتهب التهابا فتنتشر بسرعة البرق ، فاتحة فاها لتلتهم شهوة عارمة صاخبة و ليالي حمراء راقصة     و تماهي جسدين عاشقين حالمين إلى درجة الذوبان و الفناء .. لقد تناول الكاتب مسألة الجنس بلغة فاتنة مغريّة جارفة و برومانسية حارقة بلغت أوّج الجمال و البهاء و لبست أروع الحُلل و الحليّ           و قالت بملء فيها : هيت لك ..هيت لك.. و قد أفلح الكاتب في إثارة نيران الشهوة حتى في نفسية القارئ الذي كاد أن يحترق من حمم لظاها المضرمة ..

     و هكذا تسري سنن الله تعالى في كونه و يجود [المزن بمياه الخصوبة ، و يتداخل كلّ شيء في كلّ شيء، و يزهر الرحم المهيّأ منذ ملايين السّنين (ص. 183)].و بعد هذا الكلام الموزون المسجوع بقافية العواطف المتأجّجة يلتفت إلى "رتاج" التّي نصحها الأطباء بالذهاب إلى مكان هادئ و المكوث فيه  ليكون اندماجها مع عالم الألوان و الأسماء و الأشياء طبيعيا غير مؤلم ولا صادم و لن تجد أهدأ من الصحراء          و جوّها الروحاني .. و هي غارقة  في تأمّلاتها العميقة الكاشفة ، و إثراء قاموسها الحياتي النّفسي حدث و أن زارها "هشام" صديقها القديم        و حبيبها المستقبلي الوفيّ النّقي فلم ير منها إلا ما يطمئن روحه المهتزّة ، و قلبه المتردّد  و تسرّ عينه الرقراقة   بعد أن أسمعت آذان قلبه الواله العاشق كلمات الحبّ و الوفاء له تصريحا و تلميحا بل و لمسا حانيا يمور عاطفة  و صدقا ليغادرها و قلبه مطمئنّ ، قرير العين ، عازما على الاقتران بها ،و مواصلة الرحلة إلى آخر لمشوار .

     بعد مغادرة "هشام" استمرّت "رتاج" في التنقل من مكان إلى آخر تأمّل الأشياء بتفاصيلها و دقائقها كالألوان و تدرّجاتها ، و الحشرات و تنوّعها ، و الطّيور و مشاكساتها ..ثمّ بلمسة جمالية يسدل السّتار عن عالم "رتاج" ليفتح آخر لسارة و صديقها فيليب (ص.198).

بعد تجربة موسمين كاملين تعود "سارة" من جديد إلى ميونيخ بصحبة صديقها الألماني فيليب و في داخلها العديد من الأسئلة العالقة و الكثير من المفاهيم المكتسبة و جملة من المواقف الحاسمة التي وقفت عليها جرّاء تجربتها الانعزالية و محاولتها الجادة الرامية لاندماجها الكلّي في الطبيعة بأجزائها المختلفة  حيث أكسبتها جرأة و صرامة في النقاش و الحوار فبدأت بانتقاد تصرفات المنتمين إلى جمعيات بيئية الذين تحوّلوا في نظرها إلى مجرّد حيوانات لاهثة و هائجة في رأييها و بأنّهم قد أخطأوا الطريق و صاروا أسوأ مما كانوا عليه سابقا ..و كان للتاريخ الإنساني و على قمّته الرجل الأفريقي نصيب من أحاديثها إذ نجدها تنتقد المسيحية التي جعلت من المسيح تمثالا منتصبا يأكل الشّعوب الفقيرة المستضعفة و مشيدا بالحضارة الغربية المستغولة المستهترة ثمّ نجد "سارة" و استنادا على ما مضى من طروحات تؤكّد لصديقها فيليب بأنّ مصير الرّجل الأبيض و حضارته المزيّفة المصطنعة سيؤول إلى دمارها و فنائها إذ هو بصنيعه هذا يسير إلى حتفه وهلاكه لا محالة و ستكون الطبيعة من أكبر المتضرّرين و لن ترحمه آنذاك و ستصبّ عليه جامّ غضبه و عندها لا ينفع ندم ..و يورد الكاتب أدلّة عديدة على اقتراب هيجان الطوفان الطاغي الجارف و ما أجسام أولئك الشباب اليافع الهارب و هي تطفو ميّتة بعد أن كانت تأمل بعيش رغيد خارج حدود أوطانها الأصلية و كيف أصبحت أجسادهم طعاما سائغا للحيتان ، و باتت آمالهم و آلامهم تسكن في بطن الحوت الكبير.

       و بهذه المأساة ينكشف خداع الحكومات، و لعبة السياسة القذرة التي تعطي بيد و تأخذ بيد و تضرب بيد أخرى  من حديد مقدمة مصالحها الشخصية على مصلحة الانسان و الضمير و المحبة و القيم الفاضلة السامية ، و يستمرّ الكاتب في إيراد شواهد أخرى كثقب الأوزون الفاره فاهه و استمرار ذوبان الثلج في القطبين المتجمدين ، متوقعا حجم الكارثة الإنسانية الهائلة في حالة ما هاجت تلك المياه الذائبة و أتت على ما تبقى للبشرية من يابسة و بر حيث لن تترك رطبا و لا يابسا إلا و جعلته كالرّميم.

      فما كن من "سارة " إلا المبادرة للانخراط في منظمة عالمية لحماية الطبيعة بحماس منقطع النّظير و وعيّ متبصر لعلّها تساهم بأفكارها        و طروحاتها و جهودها في الوصول إلى حلّ عاجل مرضي يعود بالأمن و السلام و المنفعة على الإنسانية و ربوع أرضنا الخضراء و كوكبنا الأزرق الجميل. و يلفت الكاتب الانتباه إلى فكرة مهمة تتمثل في تغليب الجانبي الجمالي على حساب قوانين الطبيعة و سننها الغلابة حيث يضرب مثالا حيّا بالكلب الذي فقد طبيعته الحيوانية مسلّما أمره لحكم اليشر ليصبح تحفة جمالية مركونة ببت جميل أو متحف كبير..و هذا مؤشر آخر و قويّ مؤذن بخراب الإنسانية و فنائها المرتقب.

و يعود بنا الكاتب مرّة أخرى إلى "هشام" و حبال أفكاره ممتدّة في عمق التاريخ ليستلهم منه تجدّر صفة التّوحش المستشري في جسد الإنسانية برغم ادعاء الانسان للتحضر و التمدّن و الرّقي و ما بورما و البوسنة      و الهرسك و قبائل التوتسيو الهوتو كعيّنات و شواهد ..

و عبر حوار هادئ يتناقش الصّديقان "هشام" و "عصام"  فكرة التّطرف الديني و التعصب المقيت الديني في الاسلام و المسيحية على حدّ سواء و كيف انقلبوا هؤلاء المشايخ و السّدنة إلى مناجل للقتل حاصدة للرقاب دون رحمة و شفقة مبتعدين كلّ البعد عن قيّم الدّين السمحاء نفسه التي تجعل من المحبّة و الرّحمة و الـتّعايش السّلمي الآمن ،          و إشاعة الحبّ و اتخاذها أشرعة لسفائنها نحو الهجرة و الفرار إلى الله تعالى.

و العود أحمد ...

و ها هو كاتبنا الشاذلي القرواشي يعرّج بنا بفكره السّابح الثاقب إلى "رتاج" مع حلم جديد يختلف كثيرا عن أحلامها السّابقة و هي كمهاء فقد أصبحت معبّرة للمنامات مقتدرة لتفاصيل الرؤيا و الأحلام و بامتياز ،   و لا تزال "رتاج" تسعى جاهدة للربط بين عالمها المجرّد السابق            و عالمها المرئي الجديد المكتظ بالألوان الزّاهية و التفاصيل الدقيقة الموحية و الأحداث الغريبة المثيرة.

و بسرعة لافتة يغلق تلك النافذة المستعجلة عن "رتاج" و جديدها ليزجّنا مباشرة أمام إحدى مقولات "سارة" عن فكرة الخير و الشر إذ ترجع ذلك إلى الأصول النباتية و الحيوانية ليبدو جليّا تأثير تلك التّجربة المتفردة التّي سبق و أن عايشتها بحثا عن السّكينة و الاطمئنان عن طرق اندماجها مع الطبيعة و أجزائها ، فالحلّ في رأيها يتأتى في الإسراع بإيجاد حلّ حاسم تساهم فيه كلّ الطّاقات الخيّرة التي تحوز على كمّ هائل و وافر من العواطف العابرة للنفوس و القارات نتيجة امتطاء صهوة الفكرة عن الشيء و ليس العكس.

ثمّ يتعرض الكاتب لفكرة " الله جلّ جلاله " الذات الإلهية المقدّسة الموصوفة بالكمال و الجمال حيث يقرّر بحسم و جلاء و قوّة موقفه الصارم إذ يقول على لسان "سارة" :[إنّ الله ذات غير منفصلة عنّا، و في اللحظة التي نبدأ في البحث عنها هي ذاتها لا اللحظة التي يتمّ فيها الانفصال(ص. 223ــ 224)] و بهذا يطوي و للأبد صراعا فلسفيا لم يخب أوار ضرامها قديما و حديثا .

ليوضح بعد بأنّ مستقبل البشريّة يكمن في صراع الانسان  ضد ذاته  لا  في صراعه مع أخيه الانسان   و لا يتحقّق ذلك إلاّ بإخراج ذاته من براثن التّوحش و الرغبة الملحة و الشديدة في الاستهلاك على حدّ قوله.

و لعلّ الكاتب يريد تذكيرنا من جديد بتلك المؤشرات الطافحة و المسيطرة على المشهد الإنساني من استغاثة مرجان البحر و شعابه، و أنين الأسماك و تضوّرها ، و تهاوي الطيور و تهافتها ، و صيحات الذعر من هول الأعاصير و غضبها ، و هجرات الشعوب المتلاحقة نتيجة جثوم اليأس و القنوط على آمالها ..كلّ هذه المؤشرات الخطيرة يأمل الكاتب و بحرقة زائدة أخذها بعين الاعتبار و حملها محمل الجد عسى أن تتحرّك زحوف البشريّة قبل فوات الأوان و حلول الكارثة و طغيان الطوفان تجريفه..وبإضاءات سريعة يعود بنا الكاتب إلى "زينب "                و "عصام"  تينك  الشمعتان اللتان أضاءتا ليل الحبّ و سماواته فسارا على هدي أشعته إلى آخر نقطة في الوجود إلى درجة تماهي الذاتين      و غيابهما و ذهولهما عن المكان و الزمان  .

و في نفس لحظة الغياب يرينا قطعة من الليل نفسه و قد تجلّى فيها "هشام"في خضم الأنوار القدسيّة يمتطي صحوة التّسابيح في جوّ من الخشوع و البكاء و حشرجة الأصوات المنبعثة و كلّ ذلك تحت رقابة عين صديقه "عصام " و أنوار بصيرته النافذة التي فتحت له أبوابها طواعية و رضى..و يطرح الكاتب جملة تساؤلات تتقاطع بين أنثوية "زينب" الجارفة و قداسة أنوار "هشام" الكاشفة و إمكانية الجمع بينهما            و التوفيق بين والمهما أم أنّ هناك طرقا أخرى و صيّغا لم يهتد يا إليها بعد .

يشعر القارئ و الرواية على أبواب النهاية بأن الكاتب يسرع في غلق تلك المشاهد المترابطة بنصوص قصيرة مكثّفة نسبيا مقارنة بما سبقها من نصوص و كأنّه يريد أن ينفض يديه منها و بلسان  حال كلماته يصرّح " هذه أفكاري أضعها بين يديك دون الفصل فيها عساك أن تكمل الرحلة ..رحلة البحث و التنقيب ..رحلة التّقصي عن الحقائق الكبرى العالقة ..رحلة الغوص في ذوات الأشياء و عدم الاكتفاء بالأسماء         و الأشكال ..رحلة استكشاف الذات و الوقوف على مناب أصولها الأولى النباتية و الحيوانية ..و كذلك كان الحال بالعودة إلى "رتاج"        و كيف تسنّى لها الاتصال بصديقتها الحميمة المقربة "سارة" عبر الفايسبوك و كيف تجلّت حرارة الحوار الدائر بينهما و استقبالها للمفاجأة الصادمة المتمثّلة في عودة حاسة الإبصار أين كان للدّموع الحرّى حديث آخر ليختم لنا الكاتب روايته بعودة "سارة" صحبة صديقها فيليب الألماني إلى وطنها الأصلي "تونس" حيث كانت "رتاج" بانتظارهما التي غرقت في حوارات ملأت خلدها لحظات قبيل تحقق اللقاء ..و بزاوية مفتوحة منفرجة ينقلب الكاتب إلى مرشد سياحيّ متميّز عارف ليقدم خدمة اشهارية عن تونس ..تونس الحضارة و التاريخ و التراث ..هذه الأرض الخضراء   المشرعة أبوابها و المتناصة مع السواح الذين يعرفونها أحسن من سكانها المحليين الذين أنستهم هموم العمل و قساوته و قلّة ما في اليد جمال بلادهم الخلاب و قيمة كنوزها المنثورة كحبات اللؤلؤ الحسان ..

و بلمسة أدبية فنية يقحم الكاتب نفسه كآخر عقدة في روايته ليؤكد حضورها القوي كشخصية مهمة في فصول روايته تاركا أبواب روايته مفتوحة على مصارعها مستغرقا كعادته في تفكير طويل عميق و تأمل هادئ دافئ مع تغيير بسيط في الديكور إذ طلب  من نادل المقهى تقليل نسبة السّكر لفنجان قهوته على غير عادته ليفسح المجال لشخوص روايته من مغادرة فصول روايته ليحلّ مكانهم ضيوف جديدون يحملون في حقائب سفرهم حلولا و أجوبة جديدة خلاقة ..

حقيقة الظلام المنحوت ..

و بعد هذا التّطواف السّريع في سماوات رواية "ظلام منحوت" يكون الظلام قد أفصح عن بعض مكنونته و مجاهله ، و باح بلفيف من خباياه و أسراره و لكن تبقى بعض البقع المعتمة الحالكة التي تحتاج إلى أضواء كاشفة تركها الكاتب عمدا فاسحا بذلك المجال للفكر ليقارع فكرا مستنيرا آخرا و للدليل ليزاحم دليلا ظاهرا مفحما .

و ختاما ففي هذه الرواية "ظلام منحوت" اكتشفنا أديبا مبرزا و فيلسوفا محنّكا و مفكرا مقتدرا و صوفيّا ناسكا عاشقا و باحثا عن الحقيقة متحررا و عقلا متفتحا مرنا و نفسا كبيرة أبيّة آثرت الرحلة في مجاهيل الغيب المقفلة عساه أن يضع بصمته الخاصة و المميزة و يهدي البشرية شمعة و لو واحدة وسط ظلام منحوت مطبق قد تكون هي نقطة الضوء نحو بداية نجاة الإنسانية في عالم متجه نحو تدمير نفسه بنفسه.

و ما زاد هذه الرواية بهاء و تشويقا و رواء امتلاك الروائي الشاذلي القرواشي لكلّ أدوات الكتابة الأدبية و تمكنّه من مهارات فنون الكلام المتعدّدة ، و قيادته السلسة لرقاب المعاني و الألفاظ و ارتياده لسفن الجمال    و السرد الماتع و الحكيّ الشيّق فخرجت هذه الرواية في أجمل حلّة   و بأبلغ كلام و بحريّة و تحرر كبيرين فكانت بالفعل خير ظلام منحوت في ميعادها الموقوت مترنحة بين الجديد و الموروث ..هذا و بالله التوفيق.

الجزائر في 08.10.2020

 

 

 

 

 

   

 

 

 

  

    

 

 

 

 

  

تعليقات