منطلقات الفكر الاقتصادي عند مالك بن نبي : كتاب المسلم في عالم الاقتصاد أنموذجا
منطلقات الفكر
الاقتصادي عند مالك بن نبي
كتاب المسلم في عالم
الاقتصاد أنموذجا
إعداد: بولمدايس عبد
المالك
لا نقول بأفواهنا إن
اثنين و اثنين أربع ثم في التطبيق نتصرف كأنما تساوي ثلاثة. مالك بن نبي
قسنطينة 2013
المقدمة:
بسم الله وكفى والصلاة
والسلام على المصطفى و بعد:
فعلى غير عادة التأليف،
و أبجديات التصنيف انتهجت الرسالةُ في فهم منطلقات الفكر الاقتصادي عند مالك بن
نبي رحمه الله تعالى منهجا مغايرا ، وطريقة جديدة مبتكرة ، و ذلك من خلال جمع و
رصد ،و ترتيب المصطلحات الاقتصادية ،و مفاهيمها عند مالك بن نبي رحمه الله الواردة في كتابة النفيس الموسوم بـ: "
المسلم في عالم الاقتصاد"، و المنشور
عن دار الفكر الدمشقية - سوريا بتاريخ 1986 مع قليل من التصرف غير المخل بالمعنى
اقتضته ضرورة الكتابة و الإخراج ،و الحاجة إلى التنظيم و التّرتيب لا غير .... و
هذه الطريقة الجديدة تعرف نفسها بنفسها إذ تلج بنا مباشرة إلى فكر رجل ثاقب النظر،
واسع الاطلاع، غزير الثقافة ، متعدّد المواهب ،مدركا لتطور الحضارات و نمو الأمم و
المجتمعات، متمسكا بدينه وقيمه، متفتحا على أفكار الغير، معتزا بانتمائه و هويّته
،و حاملا لهموم وطنه الكبير الذي لا يعترف بالحدود المكانية و الظروف الإنسانية و
تعاقب الحدود الأزمنة....
و من خلال تتبعنا
للمصطلحات المستعملة و الموظّفة بعناية
فائقة في كتابه "المسلم في عالم الاقتصاد" نلحظ بأنّه رعي فيها بث روح
الثقة و زرع شعلة التحدي و إحياء فسائل الخير المكنونة في نفسية الإنسان عموما و
المسلم بصفة أخص و انظر مثلا دلالاته لمصطلحات التخلف و تقسيمه للعوالم الاقتصادية
- العالم النامي الراكض- المنهار فهو دائما يرجعها لأسباب معروفة سلفا بعكس
التقسيمات الغربية التي تتعمّد تقسيمات
مزرية مهينة للآخر كالعالم المتخلف و
السائر نحو التنمية – تهذيبا - و غيرها من المصطلحات التي تشعرك بالاحتقار و
الإهانة و التصغير و هلم جرا.. و في حقيقة الأمر فإننا نعد أنفسنا عيالا صغارا أمام فكر مالك بن نبي رحمه الله و إنما واجب أداء
الشكر والعرفان هو الذي حتم علينا الخوض في بحار منطلقات فكره المتبصر اليقظ ؛ فإن
وفقت فمن الله تعالى وحده و ذلك ما رجوناه و إن أخطأت أو قصرت فمن نفسي و الشيطان
و حسبي أني حاولت و اجتهدت و أستغفر الله لي و لكم ، و أسأله ستره و عافيته في
الدنيا و الآخرة....
قسنطينة في :20 /05/
2013
المصطلحات الاقتصادية
الواردة حسب تسلسل ترقيم صفحاتها :
01-المنفعة: مبدأ تجاري و احتكاري قائم على
أساس التوازن بين الطلب و العرض [ص. 23].
02- الحاجة: مبدأ
تجاري و احتكاري قائم على التوازن بين الإنتاج
و الاستهلاك [ ص . 16،
23] ،و تعني من الناحية الاقتصادية الحاجة التي يغطيها المال من جهة و الحاجة التي
تغطيها إرادة حضارية من جهة ثانية] [ص. 81].
03- الزهد :
"حقيقة نفسية خاصة بالمجتمع الشرقي تمتُّ بصلة بمفهومي المنفعة الخاصة
بالرأسمالية،و الحاجة الخاصة بالماركسية [ص.16]. بتصرف.
04- الزمن
[ص 17]
1-4- الزمن المادي.
2-4- الزمن الميتافيزيقي.
05-نطاق الأبدية [ص. 17].
06- المعادلة الاجتماعية : [تنشأ] في الظروف النفسية
و الزمنية لوسط[ معين بحيث ]لا تعارض عناصرَهُ [أي الوسط] الشخصية السائدة مع المبدأ الاقتصادي الذي يراد
تطبيقه في ذلك الوسط [ص. 18].
07- المقدرة الاجتماعية : [لا
تقوم] "إلا على تجربة اجتماعية معينة [ص18] بمعنى أنها لا تصدر [فقط] عن ظروف
اقتصادية محضة [ص. 18].
08-الضمير: و [هو عنده] وعي الطبقات [ص.19]
[وفقا للمعادلة التالية ]:"العلم +
الضمير = الاقتصاد".
09- الطفرة الإنتاجية: ورد ذكرها دون شرح و
بيان في الصفحات 22،29.
10- الاقتصاد الاستعماري : يقوم [من وجهة نظره عند]
مطابقة واقع التكوينات الشخصية للمُستعمِر مع التكوينات الاقتصادية الجديدة
للمستعمَر. [ص 20] .
11 - الوعي الاقتصادي : " عنصر من
عناصر التقدم و السلام [ص. 35،33] ، من عناصره الأساسية "الاستعداد العقلي و
توفرالوسيلة المادية [ص. 29،22 ]،و من مستلزماته" التكوين الشخصي للفرد[ داخل
الوسط]". [ص. 22].
12 - الوجهة الاقتصادية : [محاولة] "
التخلص من المعامل الذي يهبط بمقدرة وسائل الإنسان التأثيرية [ص. 23] بانتقاله غير
المشروط من المرحلة النباتية إلى الوضع الإيجابي الفعال [ص. 23].
13 - الطفرة الاقتصادية : أنظر المصطلح
رقم 09].
14 - نفسية القوة (عنصر) : و تعني عنده:"
محور واشنطن موسكو" [الذي يمثل] محور الصناعة [ص. 24].
15 - البقاء (عنصر) و هو عنده "محور
طنجة - جاكرتا " [الذي يمثل] "محور المواد الأولية "[ص. 24].
16- الاتحاد الاقتصادي - الاتحاد
الصناعي -: اتحاد يتشكل من أكثر من قومية أو[ هو عبارة عن]: " اقتصاد جماعي
يوجد الحاجات و الوسائل في عدة بلاد [ص. 26]
17- الاقتصاد
الموحّد: من الاقتصاديات المعروفة و قد وردت الإشارة إليه في الصفحات : 27،18،10
18- الاقتصاد الإسلامي: و هو معروف و قد
وردت الإشارة إليه في الصفحات: 33،29 .
19 - الصبيانية الاقتصادية : اعتقاد
إنسان العالم الثالث أو الإنسان المسلم أن الاقتصاد [الجديد] "حجر جديد
للفلاسفة يملك أن يجعل الفقر غنى برمشة عين" بمعنى أوضح:" دواء جديد
يشفيهما من كل داء [ص. 37،36]. 20 – الاقتصادائية L'Economisme
- = المعاشية :[ عبارة عن] "استبداد أو
تغيير جديد لحرية التصرف [و هو من المبادئ ]التي تلتهم القيم الأخلاقية – و المدنية
(ص. 37].
21- النهوض الاقتصادي :
في نظره :"جهد زائد أو تضحيات نبيلة
تحاول إيجاد أطر أو ملكات صناعية فنية ضرورية هنا و هناك " بهدف نهوض اقتصادي
ما "[ص.39]
22 - التخلف :" نقص في الوسائل على
الصعيد الاقتصادي" [من جهة ] "و سوء الانتفاع بالوسائل المتاحة من جهة
ثانية " [ص. 39] [أو هو عبارة عن كساد الطاقات الاجتماعية لمجتمع ما [ص 82].
23 – السلطان
: عنده نوعان:
- 1-23 السلطان
الاجتماعي: "منطلق اجتماعي يمثله الإنسان و الأرض و الزمان" [ص 39].
23-2- السلطان المالي: " خضوع خطط
التنمية" في مجتمع ما إلى إرادة المال [ص.39،80]
24 - الحصر الاقتصادي - L'OBSESSION
: و هو:" ألا يكون للإنسان إلا سبيلا واحدا للتفتح[ أو
بتعبير آخر]:" هو حتمية كونه بشرا اقتصاديا لا غير [ص.40] HOMOECONOMICUS.
25 - الديناميكا الاقتصادية: "منطلق
أو مبدأ يقوم على أساس استثمار المال كوسيلة وحيدة لدفع عجلة الاقتصاد " [ص.
42] أو هي تمثل أيضا" حركة تفاعل بين
المنتجين و المستهلكين عن طريق عملية التوزيع [ص. 81 ]بتصرف ، ومن شروط الديناميكا
الاقتصادية:
1- لقمة عيش حق لكل فم.
2- العمل واجب على كل ساعد [ص .82].
26 - الطاقة الإنتاجية :أنظر المقدرة
الإنتاجية [ص .42].
27 - الاجتهاد الاقتصادي: يتمثل في عدم
تعطيل نمو الفكر الاقتصادي في العالم المعاصر بالدعوة إلى تجميده أو التشدد في
الاعتراض على الاجتهاد الاقتصادي" [ص. 44]
.
28 - الاقتصاد : [يتمثل في]" تجسيم
لحضارة تحددها مجموعة شروط معنوية و مادية تتيح لمجتمع ما أن يقدّم جميع الضمانات
لكل فرد يعيش فيه [بالاعتماد على التمديد الوظيفي] [ص. 63]، و هو أيضا :" العلاقة
السببية بين الإمكان الحضاري ،والإرادة الحضارية بحيث يتقهقر عالم الكميات ،و عالم
الأرقام إلى المرتبة الثانية قبل المحرك الحقيقي و المتمثل في الإرادة الحضارة
" [ص. 64 ]. بتصرف.
29 - متوسط الدخل
الفردي السنوي: مجرد تعبير عن الإمكان الحضاري أو على الضمانات الاجتماعية بطريقة
الأرقام" [ص.64].
30 - عالم الاقتصاد [1] : [مصطلح
يعبّر]" عن إرادة حضارية تبعث فيه الحركة و الحياة، و تجعل عالمي الأرقام و
الكميات في الرتبة الثانية (ص.64] "إذ هما [يعدان] أكثر التصاقا بانطلاق
عمليات الإنجاز - الإمكان ، و بافتقاد لتلك الإرادة الحضارية لا يتحقق النجاح
المضمون للاقتصاد المنشود [ص. 65]
31 - الطاقات
الاجتماعية : [ تتمثل في تعبئة ] الإنسان و التراب و الوقت [ص.72] في مشروع ما
تحركه إرادة حضارية لا تتوقف على حقن مالية أو على عرق معين من البشر .[ص 73]بتصرف.
32 - استقلالية العمل: [عبارة عن استقلال
] "العمل بصورة مبدئية عن المال " أو هو عنده "التحرر النهائي
للعمل عن سجن المال و عودة الفائدة
إلى صاحب العمل لا إلى
صاحب سجن المال" [ص. 73].
33 - الاستثمار المالي [77،75]
34 - مبدأ الاستثمار الاجتماعي: [مبدأ] "يقوم
على الاتكال على الذات [ باجتماع] أطراف
ثلاثة هي: الإنسان و التراب و الزمن المتوفر في كل أرض .[ص.75، 78]
35 - مبدأ الاستفادة : [عبارة عن ]"استغلال
تجارب الغير، و حسن الاستفادة من المعلومات الفنية لتلك التجارب و الغير " [ ص78
] بتصرف.
36 - النهضة الاقتصادية:" هي التي [تمثّل]
من الإنسان القيمة الاقتصادية الأولى كوسيلة لتحقق به خطة التنمية ، وتجعل منه
نقطة تلاقي تلتقي عندها كل الخطوط الرئيسية في البرامج المعروضة للإنتاج[ص.75].
37 - الإقلاع الاقتصادي: عبارة عن
استيعاب الشروط النفسية والتقنية الضرورية لتحقيق عملية الانطلاق في البلاد التي
تعاني كساد طاقتها
الاجتماعية [ 85،82]
38 - الإنتاج : "هو ما يعطى لمجتمع
في شكل حق" [ص. 89].
39 - الاستهلاك :"ما تأخذه من
المجتمع في شكل واجب" [ص. 89].
40 - المجتمع النامي : مجتمع تكون
معادلته الاقتصادية إيجابية أي بزيادة
فائض الإنتاج على الاستهلاك [ص. 90].
41 - المجتمع الراكض: مجتمع تكون معادلته
الاقتصادية متعادلة بحيث
يستوي فيه طرفا
المعادلة :الإنتاج والاستهلاك [ص. 90].
42 - المجتمع المنهار : مجتمع معادلته
الاقتصادية فيه َترجح فيها كفة الاستهلاك
على كفة الإنتاج ،[ص. 90].
43 - المعادلة الاقتصادية: تتكون من
طرفين اثنين أو معلومين هما الإنتاج و الاستهلاك و ما ينتج منهما من نتائج في
حالات التوازن " ص 90 بتصرف كبيرا. و المصطلحات 40-41-42- أمثلة و صوّرعلى ذلك
..
44 - القارة الاقتصادية الشمالية : و
تمثل :"محور موسكو واشنطن "[ص. 94].
45 - القارة الاقتصادية الجنوبية: و تمثّل :"محور طنجة - جاكرتا "[ص.
94].
46 - السيطرة الاقتصادية:" طريقة
تعويض للسيطرة العسكرية، تخوّل المستعمر القديم البقاء في مناطق نفوذه السابقة ، و
بسط نفوذ جديد لا يقابل بالرفض" و إنما يحظى بالقبول و الرضا و التعاقد [ص.101]
47 - الزحف الاقتصادي: "تكتل أوروبي
جديد هدفه الزحف على مناطق الحضور الأوروبي السابقة لإرساء دعائم وجود أوروبي جديد
بوسائل
الاقتصاد [ص. 102].
48 - الاقتصاد التكاملي : " اتجاه
اقتصادي يهدف نحو مواجهة ضرورات داخلية وخارجية جديدة " [ص. 104]
49 - الاكتفاء الذاتي : "حلقة
اقتصادية تستطيع الانغلاق على نفسها إذا ما اقتضت الضرورات الداخلية والخارجية
لذلك [ص. 107].
50 - الإمكان الاجتماعي: مبدأ يقرر مصير
الشعوب و المجتمعات
والدول " [ص.76].و سبقت الإشارة إليه في المصطلحين رقم " 28 و 29.
بعد الفراغ من تحديد
هذه المصطلحات الاقتصادية الدقيقة الخاصة بقاموس المفكر مالك بن نبي رحمه الله
تعالى يمكن لنا ترتيبها ترتيبا ألف بائيا أو تركها على حسب ورودها و إعطاء المجال
و الوقت الكافيين لفك شفراتها و الانطلاق مع مدلولات مفاهيمها لإبراز المنطلقات
الفكرية لاقتصاد إسلامي بناء ، ينطلق من مقومات الدين الإسلامي الحنيف دون إغفال
روح العصر الذي يحياه بل و يهمن عليه و يزيده تفصيلا و بيانا أيضا و يمثّل عمله هذا قمّة الإبداع والاجتهاد و
الإضافة ... بل و هو دليل قاطع على انفتاح
المفكر مالك بن نبيّ رحمه الله على الفكر الغربي الاقتصادي عن علم و دراسة و بحث و عمله الجبّر نحو أسلمة
هذا الفكر الغربي الوافد المسيطر وفق الرؤية الحضارية الإسلامية للإنسان و الحضارة
و الاقتصاد محور هذه المستلّة .. هذه ملاحظة عامة أولية.
أما الملاحظة الثانية فإنه قد تمّ لإغفال و
إسقاط بعض المصطلحات الاقتصادية الواردة في
الكتاب ذاته عن قصد و تعمّد و ذلك لكثرة
شيوعها وانتشارها و تناولها في كتب و
أبحاث عالم الاقتصاد ..
أمّا الملاحظة الجديرة
بالذكر هي قدرة المفكر مالك بن نبيّ رحمه الله تعالى الفائقة على فهم المصطلحات
الاقتصادية الوافدة و هضمها هضما علميا دقيقا بل و تطويعها بما يتناسب و الأسس
العقدية و روح الرّسالة الاسلامية و أكثر من ذلك قدرته الفائقة على الاستنباط
والاجتهاد و التكييف - التطويع و تخليق مصطلحات جديدة تستند إلى المرجعية الدينية
التي آمن بها و عمل لها طيلة حياته الحافلة إلى أن انتقل إلى الرفيق الأعلى..
نشرع الآن بحول الله تعالى ثم من خلال القراءة
المتأنية لكتاب المسلم في عالم الاقتصاد و اعتمادا على مفاهيم و مدلولات المصطلحات
المثبتة في هذه الرسالة في بيان المنطلقات الفكرية الاقتصادية عند مالك بن نبي
رحمه الله من خلال كتابة ' المسلم في عالم الاقتصاد"، هي من الكثرة بمكان:
1- الاهتمام بشروط الانطلاق قبل الاهتمام بشروط
الاستمرار و هو مبدأ تعبدي عام في العبادة و الفقه والعقيدة في ديننا الحنيف ،
فالنّهضة الاقتصادية عنده هي نتيجة حتمية و ضرورية للإرادة الحضارية أي أنّه يرجع
سرّ نهضة الأمم و الشّعوب إلة نفسية الإنسان نفسه [المصطلحات: 02،28،30،31 ] و هي
عنده من الشّروط النّفسية لتحقيق أيّ إقلاع اقتصاديّ ناجح [المصطلح 37].
2- عدم تضييق مجال الاجتهاد الاقتصادي
بالوقوع في شراك البدائل المتاحة - رأسمالية كانت أو ماركسية - بل تجاوزهما و التحليق
فوقهما من خلال ضرورة تحرر الفكر الاقتصادي عامة والإسلامي خاصة من قيدين اثنين:
أولا: حتمية الاختيار بين النظرية الرأسمالية
والنظرية الماركسية بالاعتقاد بأنه لا يوجد بديل ثالث.
ثانيّا: عدم التسليم المطلق بكون النشاط
الاقتصادي يعتمد فقط و أساسا على المال.
و الخلاصة المستفادة من
هذا المنطلق الفكري هو ضرورة تحديد موقف المسلم بدقة بالنظر إلى طبيعة الأشياء
ذاتها ،و إتاحة الفرصة للفكر الإنساني و الإسلامي من التحليق في عوالم جديدة و هذه عقلية الناقد
البناّء الحصيف ، و ليس عقلية المنهزم المبهور المسلوب.
3- الفكر الاقتصادي عند مالك بن نبيّ يستند من حيث الأصل إلى منظومة
اجتماعية و نفسية و ثقافية متكاملة
متوازنة بعكس النظرية القائلة الرّائجة التي تسلّم بأن المال هو الأصل الركين و
الوحيد في أيّ منظومة اقتصادية أو إقلاع حضاريّ ناجح .
هذه نظرة كلية إنسانية حضاريّة
للاقتصاد الناجح في نظر مالك بن نبيّ إذ يمثّل في المال آلية من
الآليات المعينة و الضّروريّة و قد سبقته للوجود منظومة متكاملة جامعة شاملة ذات
أبعاد ثلاثية هي: اجتماعية ،نفسية و ثقافية.
4- فقدان الصناعة لا يفسّر كل شيء في عالم الاقتصاد
؛ فمخطط شاخت مثلا و المطبق في كل من ألمانيا و أندونيسيا خير مثال؛ إذ نجده ناجحا
في ألمانيا و فاشلا و مخيبا للآمال و الظّنون في أندونيسيا
.و منه فالقيمة الحقيقية في نجاح أي مشروع اقتصادي عند
مالك إنما هو الإنسان ذاته.
5- الفكرة إذا لم تجد لها خططا عملية محكمة
واضحة تلاشت و ماتت و هذه سنة كونية خالدة
و غالبة.
6- ضرورة التفريق في عالم الاقتصاد بين ما
له علاقة مباشرة بالاعتقاد و المنطلقات الفكرية للإنسان و بما لا يتعدّى كونه وسيلة فنية لا علاقة له
بالمعتقدات ؛ و من ثمّ فليس كل ما يفِدُ علينا من الغرب مقبولا جملة و تفصيلا بل
على المسلم الواعي غربلته و نخله " فأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض و أما
الزبد فيذهب جفاء و من أصدق من الله قيلا...
7- لا
يمكن قيام عالم اقتصادي رائد بمعزل عن القيم الحضارية للأمم و الشّعوب ،بمعنى أكثر وضوحا فإنه لا يمكن
نجاح خطة اقتصادية قائمة فقط على لغة الأرقام و الإحصاءات و الأدوات المادية ما لم
تؤخذ بعين الاعتبار قيمة الإنسان ذاته و على رأسها معتقداته و منطلقاته.
8- المعارك الاقتصادية في الحقيقة يقوم قطب
رحاها على القيم الأخلاقية و أصل القيم الأخلاقية إنما هو ثقافي؛ فالمعركة ثقافية
فكرية قبل أن تكون اقتصادية مادية.
9- تصرفات الفرد في المجتمع مقيّدة بشروط
اجتماعية سبقته إلى الوجود تفرض عليه نوعا من الحتمية بحيث لا يستطيع التخلص منها
إلا بعملية تغيير في معادلته الاجتماعية؛ فالرأسمالية و المار كيسية ليستا قدرا
محتوما على الإنسان المسلم لأنهما فاقدتان لشرط أساسي ليس من اختصاص الاقتصاد و لا
داخلا في مجاله ألا و هو الإنسان ذاته.
10-
النتائج
في الحقل الاقتصادي تتحقق على أساس عوامل اجتماعية صرفة تضفى على الأفكار
الاقتصادية المطبقة صلاحية أكثر أو أقل و تضمن لها الاستمرار من عدمه في عالم يعجّ
بالتّحديات و الأفكار.
11-
تنبؤات
لمالك بن نبيّ تحققت :
تنبأ مالك بن نبي رحمه
الله تعالى في كتابه "المسلم في عالم الاقتصاد": 11-01- ظهور التكتلات
الكبرى و هيمنتها على الاقتصاد العالمي برمته إذ يقول فالاقتصاد يتطور شيئا فشيئا
نحو صور "الاتحاد الاقتصادي" و ما "البول
Pool و هو الاتحاد الذي يشكل من أكثر من قومية
، و الاتحاد الصناعي " إلا معالم جوهرية لهذا التطور نحو اقتصاد جماعي ، يوحد
الحاجات و الوسائل في عدة بلاد "[ ص . 26].
11-02- أدرك رحمه الله بفكره الثاقب لفكرة
"العولمة الاقتصادية و إنْ لم يسمها باسمها و ذلك أثناء شرحه إلى مفهوم
السيطرة الاقتصادية [ص. 101] ، و للزحف الاقتصادي [ ص . 102] و هي تعبيرات بالمعنى
لمفهوم العولمة الاقتصادية إذ لا نكاد نلحظ الفرق بين العولمة الاقتصادية حاليا قياسا
بالمصطلحين الذين أوردهما السيطرة الاقتصادية أو "الزحف الاقتصادي".
11-03- أشار رحمة الله
عليه إلى مفهوم اليقظة - la veille بمفهومها
الاقتصادي معبرا عنه بمبدأ الاستفادة و الذي يعني عنده استغلال تجارب الغير و حسن
الاستفادة من المعلومات الفنية لتلك التجارب و الغير [ص. 78] بتصرف.
11-04- تنبأ بسقوط و شيك و حتمي للمعسكر الشيوعي
مستشهدا بانتهاء مجتمع القرامطة في مصر [ص.44]، و قد رأى العالم و رأينا بأم
أعيننا انهيار المجتمع الشيوعي و بأي شكل و بأي سرعة
...
و بعد ؛ فخلاصة أفكار
مالك بن نبي رحمه الله تتمثل في ضرورة تحرر الفكر الإنساني و الإسلامي من الانسجان
داخل سجن حتمية النظريتين الاقتصاديتين المهيمنتين - الرأسمالية و الماركسية - بتفعيل
آليات أخرى و تشغيل طاقات اجتماعية جديدة متحررة وواعية يمكنها من مواجهة ظروف
التخلف و الإنسلاب الحضاري من جهة و
الالتزام بضرورات روح العصر ضمن الحدود الشرعية التي ينص عليها كتاب الله وسنة
رسوله..
إنها دعوة صريحة و جريئة و رائده لرائد الفكر الحضاري تطالب الفكر الإسلامي
الحديث و المعاصر و القائمين عليه و المنشغلين به بضرورة خوض هذه المعركة الكبرى و
الحاسمة كفكر حرّ غير منسلب يقبل بالتحدي
لعالم اقتصادي مهيمن قائم على أساس المال وحده و هذا المطلب أو التّحدّي بالنسبة
للإنسان المسلم أكثر من ضرورة و حتمية و ما عليه إلا تفعليه و الاعتداد بإرثه
وحضارته و اقتحام باب الاجتهاد الاقتصادي بخلفية دينيّة أصيلة و متفتّحة و بآليات
جديدة نابعة من منطلقاتهم العقدية الفكرية و الله من وراء القصد.
2013/05-28 قسنطينة
[1] عالم الاقتصاد هو جزء من عنزان الكتاب المعتمد في هذه المستلّة المختصرة .

تعليقات
إرسال تعليق